باحث أميركي: إلغاء منصب المفتي يدل على الضعف الشديد للسنة في سوريا

اعتبر الباحث الأميركي في معهد “البحوث والدراسات حول العالمَين العربي والإسلامي”، توماس بييريه، أن القرار السريع الذي اتخذه نظام الأسد بإلغاء منصب مفتي الجمهورية يدّل على الضعف الشديد الذي تعاني منه الطائفة السنية في سوريا، خاصة بعد الانتصار الذي حققه الأسد على المعارضة”.

وفي حوار أجراه معه معهد “كارينغي الشرق الأوسط”، قال الباحث، المتخصص بقضايا الإسلام السياسي في سوريا، إن “هذا الضعف يظهر من خلال الهدف المتوخّى من هذا القرار، وهو ليس القضاء على تهديد معين، بل ببساطة التحكيم في نزاع بين شخصيتين، أحمد حسون ومحمد عبد الستار السيد، وكلاهما مواليان بالدرجة نفسها للنظام الحاكم”.

وأوضح بييريه أن ذلك “لا يعني أن المؤسسة الدينية السنية لن تسبّب أبداً بعد الآن متاعب للأسد، ولا أقصد بهذا الكلام أن لدى السيد وأصدقائه طموحاً بتحدّي النظام، بل ما أقصده هو أن هناك قواعد أخرى موالية للنظام، ولا سيما في أوساط العلويين، لا تثق على الإطلاق بالمحافظين السنّة، حتى لو كانوا يكنّون ولاءً كاملاً للأسد”.

وأشار الباحث إلى أنه “في عام 2018، نجحت تلك القواعد في الدفع نحو إعادة صياغة مشروع القانون الذي أصبح لاحقاً القانون 31، بعدما اتهمت السيد بمحاولة توسيع التأثير الذي تمارسه وزارته على الدولة السورية بصورة عامة، وقد تتكرر مثل هذه الحوادث في المستقبل، في حال استمر السيد في سياسته الهادفة إلى بناء مؤسسات داخل وزارته”.

وأضاف بييريه أن هذا المنصب “أُفرِغ من مضمونه في عام 2018، حين نص القانون 31 على خفض مدة الولاية إلى ثلاث سنوات بعدما كانت لمدى الحياة، ونقل صلاحيات المفتي الفقهية إلى المجلس العلمي الفقهي، المُنشأ حديثاً ويرأسه وزير الأوقاف”.

ورأى أن “ما يتعلق بالإلغاء الكامل لمنصب المفتي بموجب المرسوم الأخير، فهو ليس في رأيي قراراً استراتيجياً من النظام، بل مردّه إلى أن أعداء حسون داخل البيروقراطية الدينية للدولة السورية استغلوا موقعه الضعيف نسبياً”.

أحمد حسون: ضعيف الشأن ومصدر إحراج للأسد

وعن الشيخ أحمد حسون وخلافه مع وزير الأوقاف، محمد عبد الستار السيد، قال بييريه إن حسون “لطالما كان محط كره من عدد كبير من زملائه، وموضع سخرية من العامة بسبب تأويلاته الغريبة للنصوص الدينية”.

وأضاف أنه “نظراً إلى ولائه الشديد للنظام، وإلى كونه شخصاً ضعيف الشأن في أوساط النخبة الدينية السنية، لم يكن النظام يرى فيه تهديداً له، فتم تعيينه في منصب مفتي الجمهورية عام 2005، وبعد تسلمه المنصب، عبّر عن آراء غير امتثالية واصفاً نفسه بأنه علماني، ومشدداً على القواسم المشتركة بين الإسلام والمسيحية، ومتبنّياً خطاباً ودّياً حيال الشيعة”.

وأضاف أن مواقف حسون “كانت منسجمة مع توجهات النظام، ولكنها جعلت منه مصدر إحراج للأسد في علاقته مع العلماء الدينيين الذين يتألفون بأكثريتهم من المحافظين”، مشيراً إلى أنه “في الأعوام الأخيرة، فقدَ المفتي حظوته بسبب شراكته في مجال الأعمال مع ابن خال الأسد رامي مخلوف”.

وحول الخلاف بين الشخصيتين، أوضح الباحث أنه “في غالب الظن يقف الوزير خلف قرار إلغاء منصب مفتي الجمهورية، وقبل ذلك، خلف إقرار القانون 31 لعام 2018″، مضيفاً أنه “أبعد من التعصب الفئوي والمناطقي (حسون من حلب، والسيد من طرطوس ومرتبط بصورة خاصة بعلماء دمشق)، يتعلق الخلاف بمسائل العقيدة الدينية”.

وأشار إلى أن “السيد حشد، فور تعيينه في عام 2007، الدعم من العلماء الموالين للنظام، من خلال مناصرته الأصولية السنّية في مواجهة شخصيات غريبة الأطوار مثل حسون، وقاعدة الوزير المحافظة هي التي جعلت منه شريكاً أكثر مصداقية للنظام من مفتي الجمهورية، الذي كان معزولاً نسبياً داخل الميدان الديني”.

إيران لا تحتاج للمجلس العلمي الفقهي والسيّد مقرب من روسيا

ونفى الباحث أن تكون السلطة الأوسع التي منحها رئيس النظام للمجلس العلمي الفقهي مرتبطة بالنفوذ الإيراني في سوريا، موضحاً أن حسون هو في الواقع شديد الولاء لإيران، وتربطه علاقة وثيقة مع الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإسلامي العاملة في سوريا”.

وقال إنه “في الوقت الذي أصبح حسون شخصاً غير مرغوب فيه من الإعلام الرسمي السوري قبل عامَين، استمر في الإطلالة بصورة واسعة عبر الوسائل الإعلامية المدعومة من إيران”، مضيفاً “لا أستثني تماماً أن الدعم الإيراني قد يساعد حسون في الاحتفاظ ببعض التأثير، حتى بعد إقالته، أما السيد من جهته، فهو مقرّب من روسيا، ويمثّل نظرة سنّية أكثر تصلباً إلى الإسلام، لا تتناسب جيداً مع الأجندة الإيرانية في سوريا”.

وأوضح أن “إلغاء منصب مفتي الجمهوري قد يسدد ضربة رمزية للطائفة السنية، لكنه لا يجعلها أضعف مما هي عليه في الأصل، فحين ندّد العلماء المناهضون للنظام، مثل علماء المجلس الإسلامي السوري، الذي يتخذ من إسطنبول مقراً له، بهذا القرار، لم يكن السبب أنهم سيفتقدون لمنصب مفتي الجمهورية بصيغته التي كانت قائمة في ظل البعث، بل هم يتأسّفون على المنصب كما كان قائماً، على ما يُزعَم، قبل عام 1963، أي أن يشغله علماء بارزون يمتلكون رصيداً رمزياً يتيح لهم الاحتفاظ بمستوى معيّن من الاستقلالية السياسية”.

“المجلس العلمي الفقهي” يخدم طموحات السيد ومناصريه من العلماء

وعن “المجلس العلمي الفقهي”، قال بييريه إنه “من بنات أفكار الأجندة الشخصية للوزير السيد، وليس نتاج استراتيجية كبرى وضعها النظام، حيث عمل السيد، منذ تعيينه، على بناء المؤسسات في وزارته، التي كانت عبارة عن قوقعة فارغة، لأن النظام كان يفضّل مراقبة الأنشطة الدينية بطريقة غير نظامية، من خلال الأجهزة الأمنية، بدلاً من اللجوء إلى بيروقراطية دينية موسّعة، كانت لتؤدّي إلى نمو مجموعة ضغط سنّية محافظة داخل أجهزة الدولة”، مؤكداً على أن “السيد تمكّن من إقناع بشار الأسد بأن تغيير المسار هو السبيل الوحيد لكبح صعود التطرف”.

وأشار إلى أن المجلس “يخدم طموحات الوزير الشخصية، إذ عُيِّن نجله عضواً في المجلس، لكنه يلبّي أيضاً تطلعات مناصري السيد في أوساط العلماء، والذين لطالما طالبوا بإنشاء مثل هذه الهيكلية الجماعية”.

وأضاف أن أعضاء المجلس “يرون أنه يحمل عدة فوائد، أولاً، أنشئ المجلس لممارسة الصلاحيات الفقهية التي كان مفتي الجمهورية قد تخلى عنها بحكم الأمر الواقع طوال نصف قرن من الزمن. وثانياً، أتاحت المشاركة في المجلس للعلماء العودة إلى إحدى المؤسسات الأساسية للوزارة بعد عقود من الإقصاء”.

وأكد الباحث على أن “الصفقة هي على النحو التالي: يحصل أنصار السيد في أوساط العلماء، مقابل ولائهم المطلق للنظام في الشؤون السياسية، على سيطرة نظامية أكبر على شؤون العقيدة الدينية التي تشكّل هاجسهم الأساسي”.

من هو توماس بييريه:

توماس بييريه باحث أول في “معهد البحوث والدراسات حول العالمين العربي والإسلامي”، ومتخصص في قضايا الإسلام السياسي، ألّف عدة كتب حول الإسلام السياسي في سوريا والعالم العربي، منها:

“الدين والدولة في سوريا، العلماء السنة من الانقلاب إلى الثورة”.

“الحوكمة الدينية في سوريا وسط تفكك الأراضي”.

“المؤسسات الإسلامية في الدول العربية: تحديد ديناميكيات السيطرة والاستمالة والنزاع”.

اترك رد