بعد عشر سنوات من الحرب في سوريا مهد الانتفاضة في حالة من الغليان

ترجمة سيريا مونيتور

كانت درعا مدينة إقليمية فقيرة ومهملة في الأراضي الزراعية في جنوب سوريا، وهي منطقة نائية بأغلبية ساحقة من المسلمين السنة بعيدًا عن المدن الأكثر تنوعاً في قلب البلاد.

لكنها أصبحت في آذار/مارس 2011 أول من انفجر ضد حكم الرئيس بشار الأسد. بيد أن قرار الأسد بسحق الاحتجاجات السلمية في البداية دفع سوريا نحو حرب أهلية أسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص، وتسببت في نزوح نصف السكان عن ديارهم، واجتذبت التدخلات العسكرية الأجنبية التي قسمت البلاد.

وفي الذكرى العاشرة للاحتجاجات، تحدثت وكالة أسوشيتد برس إلى نشطاء من درعا وضعوا حياتهم جانباً لينضموا إلى المسيرات في الشوارع، ثم دفعوا ثمن ذلك بالتعذيب والنفي. ولأنهم غير قادرين على العودة إلى الوطن، فهم يواصلون من الخارج دعم قضية يأملون أن بوسعها الفوز على الرغم من انتصارات الأسد العسكرية.

بعد عقد من إراقة الدماء، عادت درعا تحت حكم الأسد، لكن بشكل ضعيف. إذ لا يزال مهد الانتفاضة يبدو وكأنه على حافة بركان نشط، وهو يغلي من الغضب، وقد انهكته الأزمة الاقتصادية وانتشار الجماعات المسلحة التي تنقسم في تبعيتها بين كل من روسيا وإيران والحكومة.

18 آذار/مارس

بعد أن أسقطت انتفاضات الربيع العربي القادة في تونس ومصر، كان واضحاً أن الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد كانت متوترة في أوائل عام 2011.

عندها استدعى الضباط نشطاء معروفين في درعا وحذروهم من محاولة أي شيء. وسرعان ما صدت قوات الأمن الاحتجاجات الأولية الصغيرة.

ثم ظهرت كتابات على الجدران في جميع أنحاء المدينة. لفتت إحداها انتباه الجميع: “إجاك الدور يا دكتور” في إشارة إلى الأسد الذي كان طبيب عيون قبل أن يرث الحكم من والده حافظ. وعندما تم القبض على الأولاد الذين كتبوا على الجدران وتعرضوا للتعذيب، انفجر سكان درعا غضباً.

في 18 آذار/مارس خرج المتظاهرون من المساجد، لتقابلهم سيارات الأمن الذين قاموا بإطلاق النار مستخدمين الذخيرة الحية خارج المسجد العمري الرئيسي بالمدينة،  مما أسفر عن مقتل اثنين من المتظاهرين وإصابة ما لا يقل عن 20 آخرين.

أولئك كانوا أول من مات في ما سيصبح عقدًا من الموت.

كان أحمد المسالمة، الذي كان يبلغ من العمر 35 عامًا وكان يملك متجر إلكترونيات، في المسجد العمري في ذلك اليوم الدموي. كان يساعد في تنظيم الاحتجاجات، وجلب الناس من القرى المجاورة. واستمر في ذلك مع انتشار المسيرات وسقوط المزيد من “الشهداء”. وعندما أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين الذين أسقطوا تمثال حافظ الأسد في ساحة درعا الرئيسية، ساعد في نقل الجرحى. ومات ثمانية أشخاص في ذلك اليوم.

كان المسالمة يعتقد أن قوات الأمن ستستخدم الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي فقط ضد الاحتجاجات. ففي هذا العصر، حسب اعتقاده، لن يتمكن حكام سوريا من الإفلات دون محاسبة؛ كما فعل  حافظ الأسد عام 1982، حيث قتل الآلاف لسحق تمرد في مدينة حماة.

وقال لوكالة أسوشييتد برس: “اعتقدنا أن العالم أصبح قرية صغيرة، بفضل  وسائل التواصل الاجتماعي والمحطات الفضائية. لم نتوقع أن يصل مستوى القتل والوحشية والكراهية تجاه الشعب إلى هذه المستويات”.

أما نضال العماري، الذي كان طالباً جامعياً، فقد شاهد من دمشق على شاشة التلفزيون فوضى 18 آذار/مارس في مسقط رأسه.

العماري، الذي بلغ حينها 18 عامًا، هو نجل عضو برلماني من درعا. وقد أمنت علاقات والده مكانًا في الجامعة في العاصمة ليدرس التمثيل.

قفز العماري في سيارة وتوجه إلى الطريق السريع ووصل إلى المنزل للانضمام للمتظاهرين. لكن والده لم يكن سعيدا. فقال له: “إذا كنت تعتقد أن هذا النظام سوف يسقط بسبب صراخ أو بملايين الصراخ ، فأنت لا تعرف شيئًا عن هذا النظام، إنه مستعد لقلب كل حجر في هذا البلد للبقاء في السلطة.”

بيد أن المراهق رفض تحذير والده، وشعر ان ذلك كلام جيل كبير مصاب بالشلل بسبب الخوف بعد قسوة حافظ الأسد في عام 1982. لكن لن يتم ترهيب الجيل الصغير.

القمع

قام العماري، الذي كان يتحدث بعض اللغة الإنجليزية، بالتقاط الكاميرا، وجهز حاسوبين، وأنشأ مع أصدقائه مركزًا إعلاميًا. كان واحداً من أوائل العديدين الذين ظهروا في جميع أنحاء سوريا، ونقلوا الصراع إلى العالم.

قام العماري بتصوير المسيرات والاعتداءات المميتة عليها من قبل قوات الأمن. ولأول مرة رأى جثث القتلى، الأمر الذي غيره، كما قال، وخلق إحساسًا بالجرأة تعززه الصداقة الحميمة مع زملائه النشطاء.

إلا أن هذه الشجاعة ستتحول إلى صدمة

اقتحم الجيش مدينة درعا في 25 نيسان/أبريل 2011، و تخلت الدائرة المقربة من الأسد عن أي تسوية محتملة. وفي غضون أيام، تم اعتقال العماري وزملائه.

كان أول ما أُجبر العماري على فعله أثناء الاحتجاز هو الركوع على الأرض وتقبيل صورة الأسد. ثم بدأ روتين التعذيب اليومي، الضرب والصعق بالكهرباء من قبل الحراس – ولكن أيضًا أُجبر السجناء على تعذيب بعضهم البعض، وضرب بعضهم البعض أو دك أشياء معدنية في فتحة الشرج.

قال العماري: “ستتعرض للتعذيب بينما (يجبرونك) على تعذيب الآخرين”.

لم يعرف والداه مكانه لمدة أربعة أشهر، حتى تعرض العماري للضرب المبرح لدرجة أنه كاد أن يفقد بصره، نُقل بعد ذلك إلى مستشفى عسكري وحدث أن رآه أحد أقاربه الذي كان يعمل هناك. بعد فترة وجيزة أطلق سراحه وألقي به في الشارع.

طوال سنوات الحرب اختفى أكثر من 120 ألف شخص بالمثل في مراكز الاعتقال الحكومية. تحت التعذيب الوحشي، من المعروف أن الآلاف قد لقوا حتفهم، وما زال عشرات الآلاف في عداد المفقودين.

خرج العماري محطماً ومعذباً، وأمضى شهرًا يتعافى في منزل عائلته الذي تدمر نصفه بسبب القصف، وكانت والدته تنام بجانبه لتبقى برفقته. وفي غضون ذلك ظهرت جماعات معارضة مسلحة للرد على الحملة القمعية،  لينضم شقيق العماري لإحداها.

عاد العماري  ليحمل كاميرته ويغطي المعارك، وقد تخلص من الحذر، ولم يعد يخفي اسمه. ومع ازدياد الوحشية في عموم البلاد، ازدادت الحمى الطائفية أيضًا بين تمرد مسلم سني إلى حد كبير ودولة الأسد التي تمركزت على الأقلية العلوية.

“تحول خوفي إلى حقد وكراهية. كرهت الشيعة، وكرهت العلويين” يقول العماري.

وبعدما تم اعتقال أربعة من أبناء عم العماري في دمشق، أصبح من الواضح أن الأسرة ستدفع ثمن أنشطته. صفعه والده غاضبًا وخائفًا، وأخبره أن الوقت قد حان لرحيله. ولم يسمع أي خبر عن أبناء العم منذ ذلك الحين.

غادر العماري سوريا في 22 كانون الأول/ديسمبر 2011. وبعد عدة سنوات في لبنان وصل إلى تركيا. من هناك ، انضم إلى الموجة الهائلة من السوريين واللاجئين والمهاجرين الآخرين الذين عبروا بمئات الآلاف في عام 2015 في قوارب صغيرة في رحلات بحرية خطيرة من تركيا إلى اليونان.

دائرة كاملة

سيطر التمرد في ذروته في 2013 و 2014 على معظم سوريا في مناطق شرق الفرات وأجزاء من محافظة درعا وجزء كبير من الشمال. وحدث معارك للسيطرة على كل المدن الكبرى بل وهددت دمشق من الريف المحيط بها.

لكن قوات الأسد شنت ضربات جوية مدمرة بالبراميل المتفجرة والهجمات الكيماوية. وانقلب المد عندما تدخل حلفاؤه، موسكو وطهران، بشكل مباشر، أولاً مع إيران بخبراء عسكريين وميليشيات شيعية متحالفة، ثم روسيا بطائراتها الحربية.

وقد أدى الحصار والحملات العسكرية ضد المدن والبلدات التي تسيطر عليها المعارضة إلى تدمير الأحياء وتجويع السكان وإجبارهم على الخضوع. وعندما استعادت الحكومة مدينة حلب الشمالية في عام 2016 – مدمرة ما يقرب من نصفها – كانت تلك نهاية التهديد العسكري للتمرد على حكم الأسد.

في الشمال الغربي أصبحت المعارضة محصورة في جيب متقلص يتمركز في محافظة إدلب، ويسيطر عليها مسلحون إسلاميون ولا ينجو إلا بسبب الحماية التركية.

في الجنوب اجتاحت القوات الحكومية المدعومة من روسيا محافظة درعا في آب/أغسطس 2018. ورغم استعادتها فقد كان من الصعب السيطرة على درعا.

لذلك فقد خضعت لتسوية فريدة توسطت فيها روسيا، جزئياً بسبب ضغوط إسرائيل التي لا تريد ميليشيات إيرانية على أعتابها، ومن الأردن الذي يريد إبقاء معابره الحدودية مفتوحة.

في أجزاء من محافظة درعا ظل المقاتلون المتمردون الذين وافقوا على “المصالحة” مسؤولين عن الأمن. وانضم بعضهم إلى الفيلق الخامس، وهو من الناحية الفنية جزء من الجيش السوري ولكن تشرف عليه روسيا. في هذه المناطق، عادت مؤسسات الدولة والبلديات، لكن القوات الحكومية بقيت في الخارج.

في أماكن أخرى تتولى القوات الروسية والحكومية المسؤولية معًا في سلطة حكومية مخففة. وفي باقي المناطق تسيطر الحكومة بشكل كامل، وانتشر الجيش السوري والميليشيات المدعومة من إيران.

يمنح الوجود المنظم للمعارضة هامشًا للاحتجاجات والمشاعر المناهضة للحكومة التي يصعب العثور عليها في مكان آخر. كما رفض بعض المتمردين الاتفاق مع روسيا ويشنون تمردًا منخفض المستوى.

وقد خلفت سلسلة من عمليات القتل، على أيدي مسلحين بشكل أساسي، أكثر من 600 قتيل منذ حزيران/يونيو 2019 بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. ومن بين القتلى أشخاص تابعون للقوات الحكومية والميليشيات الموالية لإيران، والمتمردين الذين وقعوا على الاتفاقيات الروسية، ورؤساء البلديات وعمال البلديات الذين يعتبرون موالين للحكومة.

يرسم المزيج المتقلب سيناريو محتملاً للمستقبل القريب لسوريا: حرب يمكن للأسد أن يهيمن عليها ولكن لا ينتصر فيها بشكل مباشر،  القوى الأجنبية تحاول معاً ترقيع التدابير، السكان ما زالوا ناقمين وغاضبين ويغرقون في أزمة اقتصادية.

لإضفاء مظهر طبيعي على الحياة الطبيعية واسترضاء الداعمين الأجانب، يخطط الأسد لإجراء انتخابات رئاسية هذا الصيف – يكون فيها المرشح الوحيد.

قال حسن الأسود المحامي الناشط البارز من درعا الذي فر من البلاد، إن قوات الأسد منهكة للغاية للتعامل مع ثورة أخرى. ومن مكان إقامته الحالي في ألمانيا، لا يزال منخرطًا في نشاط المعارضة في سوريا.

يضيف الأسود أنه “لم يعد هناك ما يسمى بالخوف” بين سكان درعا. فعندما التقى جنرال روسي بوجهاء محليين في بلدة طفس وسألهم عما إذا كانوا سيصوتون للأسد في الانتخابات المقبلة، جميعهم قالوا لا، ووصفوه بأنه مجرم حرب.

شهدت درعا احتجاجات جماهيرية متكررة ضد الحكومة وإيران ، مما يعكس قلقًا متزايدًا من نفوذ طهران المتزايد. فالميليشيات المدعومة من إيران تقوم بتجنيد الشباب الذين تجتذبهم رواتب ثابتة. وبحسب تقارير فإن العائلات الموالية للحكومة أو المقاتلين المدعومين من إيران يستقرون في قرى في الجنوب. قال العماري إن التجار المرتبطين بالأسد وإيران استغلوا الفقر المدقع في درعا لشراء أراض. يقال إن الميليشيات الموالية لإيران تشجع المسلمين السنة المحليين على التحول إلى الشيعة.

ومع ذلك فإن الشعب مرهق أيضًا بسبب انهيار الاقتصاد في جميع أنحاء سوريا. التضخم آخذ في التصاعد، وهناك عدد قليل من الوظائف. انهارت التجارة والزراعة، والبنية التحتية تحطمت.

المسالمة الذي فر إلى الأردن في 2018 لكنه لا يزال يشارك مع النشطاء في الداخل قال: “الشباب الذين ما زالوا داخل سوريا يعيشون في حالة من اليأس. سوف نستثمر في اليأس … لإعادة إطلاق الثورة مرة أخرى.”

في المنفى

يعيش العماري الآن في ألمانيا، ويتعلم اللغة ويأمل في الالتحاق بالجامعة. يلقي محاضرات عن الصراع في سوريا وتجربته مع التعذيب ويعمل على توثيق الجرائم ضد المدنيين.

ويشير إلى أنه يتمتع بحريته في ألمانيا – يتمتع بقدر أكبر من الحرية كلاجئ مقارنة بمعظم الذين يعيشون في ظل الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي.

لمنه ما زال في صراع مع صدمته. حيث يقول: “في بعض الأحيان تكون الذكريات صعبة للغاية، عندما أتذكر كيف تعرضت للتعذيب، أكره كل ما هو علوي على وجه الأرض” – حتى وهو يقول لنفسه أيضًا أنه ليس كل العلويين يدعمون الأسد. إلا أنه قلق بشأن “الشبيحة”، أو الموالين للنظام، الذين يعيشون بين اللاجئين في أوروبا، فهم يثيرون خشية المنشقين من أن يقوموا باستهدافهم.

العماري مرتبط بشكل غير قابل للفصل مع الوطن. وهو لم ير عائلته منذ 10 سنوات، ولا يزال ينهار بالبكاء عندما يتحدث عن الوطن. وقد وشم على ذراعه تاريخ الاحتجاجات الأولى 18 آذار/مارس.

المصدر: أسوشيتد برس

 

 

اترك رد