تعويم الجولاني والتحولات في هيئة تحرير الشام

تسعى “هيئة تحرير الشام” الترويج لنفسها كجماعة متماسكة ومتجددة ومتمسكة بزعيمها أبو محمد الجولاني في وجه التيارات والتنظيمات الجهادية والسلفية التقليدية، ويلمح أنصارها إلى أن جماعتهم (تحرير الشام) قد تحولت إلى تنظيم حركي لديه قابلية التعاطي مع الداخل والخارج ويحترم المؤسسات ويفخر بها ويضع في قائمة أولوياته شؤون العامة ومطالبهم، وكل ذلك ما كان ليحدث لولا سلسلة من النجاحات المتتالية في القطاعات الأمنية والاقتصادية والمدنية وفي قطاع التنظيم العسكري، بحسب زعمهم.

تمجيد “الزعيم الجولاني”

اقتبس أنصار “هيئة تحرير الشام” أبياتاً من معلقة عمر بن كلثوم التغلبي التي ألقاها في حضرة ملك الحيرة عمرو بن هند، وقالوها في زعيمهم أبو محمد الجولاني، وذلك في سياق الرد على المنشق السابق وقائد “تنسيقية الجهاد” أبو العبد أشداء الذي وجه كيلاً من التهم للجولاني في تسجيل مرئي بعنوان (سرطان الثورة وقوارب النجاة)، تداولته الأوساط الجهادية في 10 من نيسان/أبريل الجاري، وجاء في جزء من الاقتباس الذي نقلوه بتصرف (أبا محمد فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا بأنا نورد الرايات بيضاً ونصدرهن حمراً قد روينا).

وفي الأبيات دلالات وإسقاطات أهمها، تعظيم الجولاني الزعيم الذي حاول “أشداء” التقليل من قدره عبر وصفه بسرطان الثورة، والتأكيد على تماسك الجماعة التي حاول “أشداء” خلخلة صفوفها بتركيزه على شخص الجولاني باعتباره رأس المشكلة، وتلمح الأبيات أيضا إلى وقوف الجماعة خلف الجولاني وبيعتها المطلقة له في الحرب على التنظيمات والشخصيات الجهادية المتشددة التي مثلها وحكى بالنيابة عنها “أشداء” في كلمته مؤخراً.

ظهر زعيم “تحرير الشام” أبو محمد الجولاني مرتدياً قبعته السوداء (قبعة الزرقاوي) خلال حضوره حفل تكريم الفائزين بمسابقة المهرة لحفظة القرآن الكريم في المركز الثقافي بإدلب، وذلك بعد أسابيع قليلة من ارتدائه اللباس الرسمي مع صحفي أميركي في إدلب، والذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الجهادية المناهضة لتحرير الشام.

كلمة أبو العبد أشداء

أطلق أنصار “تحرير الشام” على “أشداء” اسم ممثل (مجموعة السفن والقوارب) التي ما فتئت تحاول تعطيل مشروع الجماعة (تحرير الشام)، وتخريب حلم الزعيم الجولاني، اللقب أخذ من عنوان التسجيل المرئي الجديد لأشداء “قوارب النجاة”، ومن التسجيل المرئي القديم الذي أصدره “أشداء” في أيلول من العام 2019 بعنوان “كي لا تغرق السفينة”، وفي كلا التسجيلين بدا أبو العبد مدافعاً وممثلاً عن تيار المنشقين عن “تحرير الشام” والجهاديين المناهضين لها بما فيهم أعضاء وأنصار تنظيم “حراس الدين” التابع للقاعدة.

ركز “أشداء” في التسجيل المرئي الجديد على شخص الجولاني في محاولة لتشويه صورته داخل “تحرير الشام”، وتحدث عن فساده القضائي والأمني والعسكري والإداري والمالي، باعتباره مسؤولاً عن الانسحابات الكبيرة من ريف حلب الغربي أثناء الحملة العسكرية لقوات النظام مطلع عام 2020، ومسؤوليته عن إفشال خطط دخول حلب واستعادة السيطرة فيها، ومسؤوليته عن تنفيذ إعدامات ميدانية بحق مئات المعتقلين واعتقال المئات من الرجال والنساء بشكل تعسفي، والمتاجرة بقوت الناس في إدلب، وتطبيق قوانين النظام السوري الخاصة بأملاك الدولة في إدلب، واستخدامه لعناصر “تنظيم الدولة” لإثارة الفوضى في مناطق “درع الفرات” و “غصن الزيتون” في ريف حلب.

يبدو أن “أشداء” حاول من خلال كلمته شق الصف الداخلي في “تحرير الشام” والتشويش على الحملة الأمنية التي يشنها “الجولاني” على “حراس الدين” وباقي الشخصيات الجهادية المستقلة التي ما تزال ملاحقة حتى الآن، وتستهدف كلمته الهجومية أيضاَ الخطوات البراغماتية التي قادها الجولاني منذ مدة فيما يخص الانفتاح على الداخل والخارج، ونسف مزاعم منع الانتهاكات في السجون وتمكين الإدارة المدنية وتطبيق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص وغيرها من المحاور التي تعمل “تحرير الشام” على التسويق من خلالها لخطابها وسلوكها الجديدين.

كما حاول “أشداء” من خلال كلمته استهداف ونسف مساعي “تحرير الشام” للتقرب من بعض فصائل “الجيش الوطني” في ريف حلب، المساعي المفترضة واللقاءات الأولية كان من المفترض أن تتم بإشراف مباشر من عضو مجلس الشورى في “تحرير الشام” الجهادي العراقي أبو ماريا القحطاني، وسبق لتحرير الشام أن عرضت على “الجبهة الشامية” العمل على مشروع مشترك، سياسي وعسكري، لكن الأخيرة رفضت.

الاقتصاد والأمن فكي كماشة الجولاني

الباحث في مركز جسور للدراسات فراس فحام يرى أن “أبو العبد أشداء غير قادر على قيادة تيار انقلابي داخل تحرير الشام، أو عرقلة مساعي الجولاني الهادفة إلى كسب قبول واسع، وذلك لأن أشداء ليس لديه تأثير ميداني، ولا قوة عسكرية يستند إليها، هو ظاهرة صوتية قد تثير البلبلة في الوسط الجهادي لكن لن يكون لها الأثر المطلوب لأن الوسط المفترض يخيم عليه الصمت ويعيش حالة من الانهيار بسبب الضربات الموجعة التي تعرض لها على يد القبضة الأمنية في تحرير الشام”.

وأضاف فحام لموقع تلفزيون سوريا أن “فشل أشداء في الوصول إلى أهدافه من خلال كلمته يبدو مستحيلاً لأن الجولاني يبدو ممسكاً بتنظيمه بين فكي كماشة، الأول يظهر في الجانب الاقتصادي على اعتبار أن الاقتصاد يتركز في يد الفريق الموالي للجولاني وهذا الفريق يشرف على المعابر ويشرف على التجارة الداخلية والاستثمارات المتنوعة بالعموم، أما الثاني يتجلى في الجانب الأمني، حيث أصبح الجهاز الأمني ذراع الجولاني التي يضرب بها كل مخالفيه، وينال الحصة الكبيرة من الدعم والاهتمام، التي قد تزيد عن الجانب العسكري، وقد بدا ذلك واضحاً في الأداء النشط للجهاز في الحملة الأخيرة ضد حراس الدين والشخصيات السلفية المطاردة”

وأشار فحام إلى أن “تحرير الشام تروج كثيراً للجهاز الأمني وهي ترغب في أن ترسل رسائل للفاعلين الدوليين بأنها قادرة على حماية المصالح لهؤلاء الفاعلين، تارة تقول إنها قضت على خلايا داعش، وتارة أخرى تتحدث عن أنها أفشلت تهريب مخدرات إلى دول إقليمية، تريد أن تقول بأنها قادرة على ضبط الأمن والتنسيق الأمني ورعاية المصالح الأمنية لمختلف الدول، ووجودها وبقاؤها فيه مصلحة للجميع”.

الخيارات الاقتصادية والأمنية لتحرير الشام

يمكن القول إن “تحرير الشام” باتت القوة المهيمنة على إدلب بعد أن قضت بشكل شبه كامل على تنظيم “حراس الدين” خلال حملتها الأخيرة، وفي ظل التنافس الداخلي المستجد مع فصائل “الجيش الوطني” ومشروعها، وفي ظل التصنيف الدولي كجماعة “إرهابية”؛ يبدو مهماً التركيز على قطاعي الأمن والاقتصاد اللذين تستخدمهما “تحرير الشام” في التسويق لنفسها خارجياً وداخلياً.

يقول الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر إن “الأمن والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، ويعتبر الجانب الأمني محور اهتمام كل الفصائل المسلحة من دون استثناء، وتبرز أهمية هذا الجانب في كون الفصيل الأكثر قوة وسيطرة على الأرض يتمتع بفرصة أكبر للتواصل مع الخارج، فالفصائل المسلحة تدرك تماماً بأنه كلما كانت قبضتها الأمنية أمتن ومساحة سيطرتها الجغرافية أوسع حظيت بفرص أكبر للتفاوض مع اللاعبين الإقليمين والدوليين وبالتالي تحقيق مكاسب سياسية”.

وأضاف السيد عمر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن “تحرير الشام تدرك أهمية السيطرة الأمنية، ومحورية هذا الأمر في استمرار وجودها، فهي تحرص على أن يكون لها اليد العليا في المنطقة بين الفصائل، فهذا الأمر يحميها من أي تجاهل إقليمي، ويمهد لها الظهور سياسياً، فاللاعبون الإقليميون  والدوليون غالباً ما يميلون لمفاوضة الأطراف الأقوى، بينما الأضعف ينتهي بهم الأمر بالهضم من قبل الفصائل الأقوى”.

وأردف السيد عمر “يعتبر المورد المالي قضية حيوية بالنسبة للفصائل المسلحة، فمع شح التمويل الخارجي تزداد أهمية التمويل الذاتي، فهو ضروري لدفع رواتب المقاتلين إضافة إلى أهميته في تمويل العمليات العسكرية، وتغطية النفقات الأخرى، وتزداد أهمية التمويل بالنسبة للجماعات التي تعمل بنظام الميليشيات، ففي ظل غياب غطاء مالي خارجي يكون مستقبل هذا الفصائل على المحك”.

السيطرة على الاقتصاد والأمن تجعل أي فصيل مسلح سلطة أمر واقع لا يمكن تجاهله

وأشار السيد عمر إلى أن ” تحرير الشام تدرك جيداً أهمية الجانب المالي، ولهذا تحرص على السيطرة على الموارد الاقتصادية الأهم في المنطقة، فبالإضافة لأهمية هذه الموارد في تأمين النفقات المالية فهي مهمة في الضغط على المنافسين من خلال حرمانهم من أي مورد مالي، وبالتالي إضعافهم والتأثير على الولاء التنظيمي لمقاتليهم، حيث تسيطر تحرير الشام وبقوة على تجارة المحروقات في المنطقة، فهي تحتكر هذا القطاع، وذلك من خلال شركة وتد التي تتبع لها، ومن خلال شركتي كاف والشهباء، وهاتين الشركتين وإن كانتا مستقلتين عن تحرير الشام فإنهما تدوران في فلكها، وبذلك تحكم قبضتها على تجارة المحروقات بالكامل وتضمن الحصول على كامل عوائد هذه التجارة”.

وأضاف السيد عمر “بالإضافة لتجارة المحروقات تسعى تحرير الشام للسيطرة على المعابر وعلى الحواجز كونها تعتبر مصدراً مهماً ورئيساً للدخل، وهنا تجب الإشارة إلى أن هذه السيطرة وبالإضافة لأهداف توفير التغطية المالية والضغط على المنافسين، فإنها تهدف لدعم الموقف التفاوضي مع اللاعبين الإقليمين وحتى الدوليين.. إن السيطرة على الموارد الاقتصادية وعلى الملف الأمني تجعل من أي فصيل مسلح سلطة أمر واقع، وبالتالي لا يمكن تجاهله في أي حراك سياسي، فأي اتفاق سياسي إقليمي من دون إشراكه سينتهي بالفشل، وهذا ما تدركه الفصائل المسلحة في الداخل السوري”.

اترك رد