جميل مردم بك.. صحيفة إسرائيلية تشكك بوطنية شخصية سورية مهمة

هاآرتس- ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع

كشف الباحث الإسرائيلي، مئير زمير، في مقال نشرته صحيفة “هآرتس“، عن معلومات للمرة الأولى حول الزعيم السوري جميل مردم بك (1894-1960)، وادعى أنه كان عميلاً للمخابرات البريطانية ومن ثم أصبح عميلاً للفرنسيين الذين اكتشفوا عمله مع البريطانيين، وكذلك تحدث الكاتب عن الدور الذي لعبه مردم بك في مساعدة القيادي في الحركة الصهيونية آنذاك بن غوريون.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا للمقال:

في صيف عام 1945 كان جميل مردم بك أكثر شخصية مكروهة من قبل المسؤولين الفرنسيين في سوريا ولبنان، فقد كشفت معلومات استخباراتية حصلت عليها فرنسا بأن مردم بك الذي كان وقتئذ رئيس وزراء سوريا تحت الانتداب الفرنسي، قد جند على يد العميد إيلتيد نيكول كلايتون رئيس الفرقة السادسة في الاستخبارات العسكرية بالشرق الأوسط، وكذلك تم تجنيده من قبل رئيس الوزراء العراقي حينها نوري السعيد. ويذكر أن مردم بك حينها وافق على مخطط توحيد سوريا مع العراق والأردن تحت حكم العائلة الهاشمية، وذلك بعد طرد فرنسا من أراضي الانتداب في سوريا، وبذلك أصبح لا بد لبريطانيا التي كانت تسيطر على العراق والأردن أن تسيطر على دمشق أيضاً. وهكذا، وبالنسبة للدور الذي لعبه مردم بك فيما يعرف باسم مخطط سوريا الكبرى، فقد قبض هذا الرجل مبالغ طائلة من المال مع الوعد بتعيينه حاكماً على سوريا تحت حكم الملك الهاشمي.

وتلك المعلومات كانت مجرد فاتحة المسلسل الدرامي الذي لم يكشفه أحد قبل هذا، والذي ساعد على رسم شكل الشرق الأوسط الذي نعرفه اليوم. فقد قررت فرنسا أن تستغل الوضع لتحقيق مصالحها وأهدافها، وهكذا بدأت تبتز مردم بك، فهددت بنشر الوثائق التي بحوزتها وتسريب تلك المعلومات لخصومه السياسيين. فاستقال مردم بك في نهاية الأمر في شهر آب من عام 1945 بعد التشاور مع سادته البريطانيين، لكنهم لم يدركوا أنه خضع للابتزاز وهكذا أصبح عميلاً مزدوجاً. وفي تلك الفترة التي تأرجح فيها مستقبل المنطقة، زود مردم بك فرنسا بمعلومات قيمة حول نوايا الجهات العسكرية والاستخباراتية البريطانية في الشرق الأوسط.

إلا أن القصة لم تنته عند هذا الحد، إذ بالبحث في المحفوظات والأرشيف الفرنسي والإسرائيلي، وبعد دراسة وثائق الحكومة السورية، تبين اليوم بأن رئيس الوزراء السوري هذا قد تم تجنيده أيضاً على يد عميل استخبارات صهيوني بالإضافة إلى تجنيده من قبل الاستخبارات الفرنسية، فالمعلومات التي نقلت تحت رعايته لديفيد بن غوريون كانت خطيرة ومهمة بالنسبة لاستراتيجية ذلك الزعيم الصهيوني خلال تلك الفترة التي سبقت قيام دولة إسرائيل.

بدأت القصة في تشرين الأول من عام 1945، عندما تعرضت فرنسا لمشكلة جديدة، حيث تم تعيين مردم بك سفيراً لسوريا في مصر، ومبعوثاً لدى الجامعة العربية التي مقرها بالقاهرة، إلا أن الفرنسيين واجهوا صعوبة في استغلال وجوده هناك دون إثارة الشكوك، لذا استدعى الحل تجنيد إلياهو ساسون للاضطلاع بمهمة نقل المعلومات التي يقدمها مردم بك.

وهكذا تم تعيين ساسون الذي كان حينها رئيس الشعبة العربية في القسم السياسي بالوكالة اليهودية على يد بن غوريون رئيس تلك الوكالة في شباط 1945 ليقوم بتنسيق التعاون مع الاستخبارات الفرنسية. وكان ساسون الذي ولد في سوريا على معرفة بمردم بك، إذ التقاه في عام 1937 عندما شغل الأخير أول منصب له كرئيس للوزراء. وهكذا بدأ الفرنسيون الذين كانوا يعرفون ساسون حق المعرفة ويثقون بقدراته في تلك العمليات بالتعاون معه على تجنيد مردم بك.

وتظهر تلك الوثائق بأن ساسون التقى بمردم بك في القاهرة في 12 تشرين الثاني من عام 1945 ، وتكرر ذلك اللقاء بعد ستة أيام، عندما زار مردم بك القدس على رأس وفد الجامعة العربية للقيام بترتيب أمور التمثيل الفلسطيني في الجامعة. وبعد هذين اللقاءين، التقى بن غوريون بساسون، فروى له تفاصيل حديثه مع مردم بك وذلك بتاريخ 22 تشرين الثاني من العام ذاته.

كانت تلك من المرات القليلة التي تم التعريف فيها بمردم بك بشكل مباشر على أنه مصدر استخباراتي لبن- غوريون. وفي السنوات اللاحقة، أخفت الاستخبارات الفرنسية وكذلك ساسون بأساليب متعددة أن مردم كان مصدراً للمعلومات لئلا يفتضح أمره.

غير أن أول وثيقة كشفت تلك المعلومات كانت يومية تعود لموريس فيشر، وهو ضابط استخبارات يعمل في المقر العسكري لقوات فرنسا الحرة ببيروت، والذي سبق له أن خدم في ميليشيا الهاجاناه قبل قيام الدولة اليهودية، ثم أصبح أول سفير لإسرائيل في فرنسا، إذ ورد في تلك اليومية دليل آخر على أن مردم بك كان مصدراً مهماً للمعلومات بالنسبة لبن-غوريون، إذ كتب فيشر عن مردم بك بأنه كشف لعملاء صهاينة في القاهرة تفاصيل المخطط الأنجلو-عراقي السري الذي يسعى لتأسيس ما يعرف بدولة سوريا الكبرى.

ويظهر شيء آخر يؤكد على أهمية المبعوث السوري بالنسبة للجهود الصهيونية وذلك ضمن تقرير كتبه ناحوم ويلينسكي الذي خدم كجندي ارتباط بين فيشر وضباط رفيعي الرتبة في القسم السياسي للوكالة اليهودية، إذ أورد في تقرير له مؤرخ في أيلول 1945 بأن جنرالاً فرنسياً ذكر من جملة ما ذكر بأن الفرنسيين أصبح بحوزتهم وثائق رسمية تؤكد بأن كثيرا من القادة السوريين يتقاضون المال من الإنكليز، وهكذا أخذ الفرنسيون ينتظرون اللحظة المناسبة لنشر تلك الوثائق، إلى جانب استغلالهم لتلك الأوراق في الضغط على القادة المذكورين بالاسم في تلك الوثائق، وعلى رأسهم مردم بك.

وابتداء من شهر تموز عام 1945 أخذ بن-غوريون يستعد لهجوم محتمل من قبل الدول العربية في حال إعلان استقلال الدولة اليهودية، إلا أن المعلومات التي وصلت من مردم بك سلطت الضوء على مكان آخر، فأدرك بن-غوريون بأن الخطر المباشر على تأسيس الدولة اليهودية لا يتمثل بهجوم تشنه الجيوش العربية، بل يتمثل بخطة وضعها قادة عسكريون بريطانيون ووكالات استخبارات في الشرق الأوسط تهدف إلى إحباط تلك التطورات بوسائل عديدة أخرى، شملت تصنيف ميليشيا الهاجاناه على أنها منظمة إرهابية ويجب نزع سلاحها، وتطبيق مخطط سوريا الكبرى بحيث يتم بموجبه تشكيل كيان يهودي محدود ضمن أراضي الانتداب في فلسطين، دون أن يتطور ذلك الكيان ليصبح دولة مستقلة. كما اتضح أيضاً بأن مردم بك الذي كشف كيف جندت الاستخبارات البريطانية عميلاً لها ضمن الوكالة اليهودية، هو من نقل لمرؤوسيه معلومات حول المناقشات التي أجرتها قيادة الوكالة، وشمل ذلك صور محاضر لأكثر اجتماعاتها سرية.

ووفقاً للمعلومات التي نقلها مردم بك، فإن الحكام العرب الذين كانوا يخافون من التدخل السوفييتي قرروا مساعدة فرنسا في حال وقوع حرب شاملة في الشرق الأوسط بين الاتحاد السوفييتي والغرب، في حين تلخصت سياسة لندن باللعب على عامل الزمن لإعادة تأهيل اقتصادها وإقامة علاقات راسخة لها مع الولايات المتحدة. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فقد تم التعبير ضمن مداولات مجلس الجامعة العربية عن القلق من استمرار تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين بشكل يسمح للهاجانا بتشكيل جيش يضم حوالي 80 ألف جندي “لا قبل لنا بهم من حيث الاستعداد والتنظيم، حتى لو ساعدنا الإنكليز”، إذ بحسب ما ذكره القادة العرب حينها تبين بأنهم يرغبون ببقاء الجيش البريطاني في فلسطين.

وفي نهاية الأمر أحبط مخطط سوريا الكبرى على يد ملك السعودية ابن سعود الذي رأى فيه تهديداً لمملكته، ولهذا طالب بدعم الرئيس الأميركي هاري ترومان وكذلك مساعدة وزارة الخارجية الأميركية، ما أدى إلى تعرض لندن إلى ضغوطات كبيرة. وفي 14 تموز 1946، أجبرت الحكومة البريطانية على إعلان رفع دعمها لمشروع سوريا الكبرى، ومع ذلك واصل الجيش والمخابرات البريطانية في الشرق الأوسط جهودهما لتأسيس دولة سوريا الكبرى الهاشمية لتكون جزءاً من تحالف الدفاع في المنطقة في مواجهة الخطر السوفييتي.

العودة إلى دمشق

أكدت الأحداث التي وقعت في عام 1946 دقة المعلومات التي نقلها مردم بك حول نوايا الجيش البريطاني في فلسطين، ففي بداية الأمر، وتحديداً في شهر أيار من ذلك العام، قام العقيد إيلتيد كلايتون بالتعاون مع عبد الرحمن العزام أمين الجامعة العربية -الذي تم تجنيده كعميل هو أيضاً من قبل بريطانيا- بالدعوة لاجتماع يضم رؤساء الدول العربية في قصر أنشاص بالقاهرة. وأكدت مقررات المؤتمر للمرة الأولى بأن الصهيونية تمثل خطراً ليس فقط على الفلسطينيين بل على سائر الدول العربية. ثم عقد اجتماع ثان لمجلس الجامعة العربية في حزيران ببلودان بالقرب من دمشق، فورد في بعض قراراته التي كانت سرية بأن الخطر يتمثل بمواجهة عسكرية مع الحركة الصهيونية، إذ يتعين على الدول العربية في تلك الحالة أن تلتزم بواجبها في مساعدة الأشقاء الفلسطينيين ودعمهم بالمال والسلاح والجند.

وقد حضر مردم بك المناقشات التي جرت ببلودان كما حضرها ساسون الذي عاد من هناك إلى القدس وهو يحمل معلومات حول مقررات سرية.

وهكذا فإن التحركات التي قام بها الجيش والاستخبارات البريطانية عقب ذلك أكدت صحة المعلومات التي قدمها مردم بك. ففي 29 حزيران من عام 1946، وضمن ما يعرف بعملية أغاثا أو السبت الأسود بالعبرية، قامت قطعات من الجيش البريطاني باعتقال قادة في الوكالة اليهودية، أبرزهم مسؤول السياسة الخارجية موشيه شاريت، وتمت مصادرة ملفات من مقر الوكالة في القدس، إلى جانب اقتحام عدد كبير من مستعمرات الكيبوتز اليهودية بحثاً عن أسلحة غير مرخصة. بيد أن الهدف الحقيقي من هذه العملية كان نزع سلاح الهاجاناه واستبدال قيادتها المتطرفة المتمثلة ببن-غوريون أولاً وأخيراً، بشخصيات معتدلة.

 لكن العملية العسكرية فشلت إلى حد بعيد، بسبب تسريب معلومات عنها لقيادة الهاجاناه قبل شهرين من وقوعها، وبذلك نجا بن-غوريون من الاعتقال بما أنه كان في باريس حينها. وقد حاول البريطانيون أن يجدوا أي دليل حول دعم فرنسا للحركة الصهيونية، إذ كانت ملفات إلياهو ساسون من بين أوائل الملفات التي قاموا بمصادرتها، إلا أنهم لم يعثروا على أي شيء يثبت ذلك.

ولتبرير عملية أغاثا، قامت الحكومة البريطانية في 25 تموز، أي بعد مرور ثلاثة أيام على قصف فندق الملك داود في القدس، بنشر الكتاب الأبيض الذي يتضمن مكالمات مشفرة تم اعتراضها وزعمت أنه ذكر فيها مسؤولية قادة الوكالة اليهودية والهاجاناه عن أعمال إرهابية، وبعد يومين على ذلك عقد بن-غوريون مؤتمراً صحفياً في باريس دان فيه بشدة القصف الذي استهدف فندق الملك داود على يد ميليشيا إرغون التصحيحية (إيتزيل) وأنكر المزاعم التي تدور حول تورط الوكالة اليهودية والهاجاناه في الإرهاب، ونسب مسؤولية ما جرى في عملية السبت الأسود لقادة في الجيش البريطاني بالقاهرة ولمسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية.

وقد تحدث بصراحة أكبر عن ذلك في رسالة وجهها لمؤتمر حزب ماباي في 23 آب حيث قال: “إن الهجوم الذي وقع في 29 حزيران تم التخطيط له خلال شهر آذار ونيسان من هذا العام على يد محرضين ومخططين للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط، أي أكثر الأوساط رجعية في البيروقراطية الدبلوماسية والعسكرية والاستعمارية التي اتخذت من القاهرة مركزاً لها”. إذ كان بن-غوريون قد اطلع على تلك المخططات مسبقاً، وذلك من خلال المعلومات التي قدمها له مردم بك.

الخيوط والزناد

في كانون الأول من عام 1946، أجبر كلايتون الرئيس السوري شكري القوتلي على إقالة رئيس الوزراء سعد الله الجابري، وذلك للدور الذي لعبه في إحباط مخطط سوريا الكبرى، وتعيين جميل مردم بك مكانه، إذ كان الغرض من هذه الخطوة هو تمكين مردم بك من الحصول على غالبية أصوات البرلمان لصالح ذلك المخطط. إلا أن مردم بك حينها بدأ ينأى بنفسه عن بريطانيا، بالرغم من أن الفرقة السادسة في الاستخبارات العسكرية ظلت تعتبره عميلاً موثوقاً، لكنه ظل يبدي استعداده للتعاون مع فرنسا بشكل أكبر. وقد اكتشفنا ما يدل على هذا التعاون الذي تم بشكل غير مباشر ضمن وثائق الحكومة السورية، إذ قام مردم بك مثلاً بتحذير سفيره في لندن من مكايد “أصدقائنا الإنكليز الذين يحذروننا من محاولات الفرنسيين لإثارة الحقد الكامن لدى الدروز والبدو في البادية السورية ضد الحكومة في دمشق، في الوقت الذي يتحمل فيه عملاؤهم مسؤولية كل هذا بشكل عملي “.

هذا وقد مكن انتقال مردم بك من القاهرة إلى دمشق الفرنسيين من إدارته بشكل مباشر دون الحاجة لوساطة ساسون، ففي صيف عام 1946، أقامت فرنسا علاقات دبلوماسية مع سوريا كما أنشأت قنصلية لها في دمشق حيث أصبح وكلاؤها في الاستخبارات يعملون تحت ستار دبلوماسي. ولقد تمكن هؤلاء المبعوثون من لقاء مردم بك بصفتهم الرسمية دون إثارة أي شبهات.

وعلى أية حال، وبعد فشل الجهود البريطانية في حل مشكلة اليهود في فلسطين بالقوة، أصبحت تلك المهمة من نصيب الجيوش العربية.

وهنا لابد من الحديث عما ذكره القنصل الفرنسي في القدس رينيه نيفيل في وصف كلايتون وغيره من العملاء البريطانيين فأنصفهم بقوله إنهم كانوا: “من يشدون خيط” القادة العرب الذين تم التلاعب بهم “ليقوموا بالضغط على الزناد”.

وفي أعقاب هزيمة الدول العربية في حرب 1948، عصفت رياح الاضطرابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالأنظمة القديمة في كل من سوريا ومصر والعراق، فكان جميل مردم بك من بين ضحايا تلك الاضطرابات. ففي شهر كانون الأول، وعقب أزمة سياسية-اقتصادية حادة في سوريا، اضطر هذا الرجل للتنحي من منصبه كرئيس للوزراء مرة أخرى، ليمضي سنواته الأخيرة في القاهرة قبل أن يفارق الحياة في عام 1960، وليطوى بوفاته فصل من حياته يحكي عن تعاونه مع الفرنسيين والصهاينة، وليبقى طي الكتمان حتى يومنا هذا.

إذ في شباط من عام 1947، التقى بن-غوريون في لندن بوزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين فأثنى الأخير على مردم بك بوصفه زعيماً عربياً معتدلاً، ولعل بن-غوريون كان يرغب بالتعبير عن رأيه حول رئيس الوزراء السوري بحرارة أكبر لو سمحت له الظروف بذلك، إلا أن هذا لم يحدث.

المصدر: هاآرتس ، ترجمة تلفزيون سوريا

اترك رد