حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور (الفصل العاشر)

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل العاشر من رواية:

حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

ولكثرة ما سمعت باسمه يتردد في منزلنا وفي الحي كله، رأيت الأستاذ “طلعت” المحامي في منامي، ذات ليلة..

وكان يتناول فنجان قهوته في صالة الاستقبال المخصصة للضيوف. ورأيت أبي يرحب به أجمل ترحيب، ويحسن وفادة الرجل ولقاءه وضيافته.

كان الأستاذ طلعت المحامي يحدّثُ أبي، وهو في منتهى الأسف:

ــ وحين عرض عليَّ الرجلُ القضية، تمعنتُ في دراستها جيداً، وصرفتُ وقتاً وجهداً، حتى أحيطَ بكل ما خفي من أسرارها.

وأبي يهز رأسه مشجعاً ومهتماً بشغف بالغ:

ـ نعم.

ــ لكنني، وأصارحك القول، لم أجد أيَّ مدخلٍ، ولو كان ضعيفاً ميؤوساً منه، يشجعني على أن أترافع عن الرجل، أو أعِدَه بأي احتمال ممكن للظفر بكسب الدعوى. فقال الرجل أخيراً مستيئساً:

ـ أعد النظر في رأيك هذا. واعطِ نفسك مزيداً من الفرص يا أستاذ طلعت.. إذ ما من قضية، إلا ولها مفاتيح خفية، لا يدركُها إلا أولو الألباب من أمثالك.. وأصحاب العقول الراجحة التي لا تعرف للفشل والاخفاق طريقاً أو وسيلة..

قال الأستاذ طلعت المحامي، بعد تأمل وتفكر. وبعد أن امتص فنجان قهوته دفعة واحدة:

ــ هناك أملٌ وحيدٌ.. وهو ضئيل، وغير مشجّع على أن نجازفَ فيه..

ــ الأمل الضئيل خيرٌ من العدم المطلق.

ــ نستطيع أن نثبت بوسائل طبية وعلمية، لا يرقى إليها الشكُّ، أنك مجنون. لا تتحمل شيئاً

من مسؤولية ما حدث، ولا تبعات ما جرى.

ــ ها.. وبعد؟

ــ إذا خسرنا الدعوى، سوف تكلفك خسارتها مليون ليرة.. أما إذا أثبتنا، بما لا يقبل الشكّ، أنك امرؤ مجنون، وربحنا فرصة براءتك، فقد تنجو من هذه الخسارة الفاحشة.. لكن العقبة التي يجب أن تحاط بها، هي أن كلفة حصولك على دليل جنونك، قد تبلغ ربع مليون ليرة.

فتنفس الرجل أخيراً الصعداء. وقال بضراعة ورجاء:

ــ أدفعُ ربع مليون وأربح جنوني، على أن اخسر الدعوى مطلقاً، وأخسر من ورائها المليون.

فقال الأستاذ طلعت:

ــ إذن منذ الغد سوف أتوكل عنك.. ولنثبت أنك مجنون.

قال الرجل:

ــ على بركة الله.. اتفقنا..

فبدا الحزن يتجمع كثيفاً على ملامح المحامي المنقبضة، وهو يختم بالقول:

ــ ذلك تقدير العزيز العليم.

***

{…. كانت تلك العاهرة الهندية في الثلاثينات من العمر. ذات قسط وافر من الفتنة والجمال. ينادونها “مياسة”، (ولا يعرف إن كان هذا هو اسمها الحقيقي أم اسم اشتهرت به). كانت العاهرة الفاتنة الجمال مياسة تجيد أكثر من لغة وتحفظ كثيراً من الأشعار، وتحسن الخطاب في كل أدب وحكمة وطرف من العلوم. ولا أحد يعلم كيف جاءت

إلى هذا المكان، ولا من أين جاءت.

كانت شديدة الشبق، كثيرة الابتذال. لا تكف عن الكلام العامي المتهتك، وليس لأطماعها وكثرة متطلباتها حدود. وليس لآمالها ورغباتها حد أو منتهى. تردد دائماً، فيما يشبه الخيبة من جميع الرجال، بأنها “لم تتذوق لذة الجماع منذ سنوات. وأن الرجال جميعاً، صار طعمهم واحد”. ولقد عمل قتيبة في بعض فترات تلك المرحلة من حياته، كخادم يقوم على خدمة الزبائن، والاستجابة لأوامر مياسة وقوادها العجوز عجرم.

وذات يوم، دخل الماخور وافداً من رحلة طويلة، رجلٌ فارعُ الطول كجذع شجرة عملاقة. قوي البنية كالمحاربين، كان قد وصل لتوه من بلخ. حارب لسنوات مع الغزنويين في فتوحات الهند. وكان له فم واسع الشدقين، كأنه ينحدر من سلالة آكلي حجارة بازلت، أو ماضغي الصوان القاسي. وكان كافياً لمياسة بمجرد رؤية هيئته التي تشبه كتلة صخرية مصمتة، وأطراف جسمه التي تشبه وحشاً من وحوش الفلاة المفترسة، كان كل ذلك كافياً لينبه مياسة، بأن هذا الرجل هو المطلوب والمفتقد منذ سنوات، لرغباتها الدفينة التي كانت تتلاشى تحت ركام اليأس من الرجال. 

حين أبصرته مياسة، وأمعنت النظر فيه، ثارت ثائرة الشبق فيها، واشتعلت رغبتها بالرجال كما لم تشتعل منذ سنين طوال. فأمرته كما يأمر القائدُ جندياً في كتيبته، أن

يسير أمامها وأن يلجا معاً إحدى الغرفات. وبعد هنيهة، لم يمر وقت طويل حتى كانت أصواتها تتناهى من الحجرة التي ولجتها مع ذلك الوحش البلخي، إذ راحت تصرخ بقوة تحته، حتى عجَّ بصراخها المكان. 

ساد صمت مطبق كامل أرجاء الماخور الذي لم يُعهد فيه صمتٌ كهذا، لا في ليل ولا نهار. وراح الجميع ينصتون إلى صرخات مياسة التي تعالت، ولا أحد يعرف إلامَ سوف تنتهي صرخات تلك المرأة المجنونة، وهي تترنح تحت هذا الجمل الهائج. كانت تستعمل تعبيرات دينية ألفت استعمالها في مثل هذه الأحوال، مثل: “رباه.. وا بأبي أنت وأمي.. يا إلهي.. يا له من فتح مبين..”.

فجأة صرخت بصوتٍ عالٍ: “وحق الإله شيفا.. فدتك نفسي”.. والإله شيفا هو صنم مدينة سومنات المقدسة الأكبر، التي عاشت مياسة في كنفها سنوات، تُكِنُّ لها ولخدمة آلهتها التقديس والتوقير. وكان هذا الرجل البلخي قد ساهم في تحطيم آلهتها مع الغزنويين، كما ساهم أيضاً في تحطيم مئات من الأصنام غيرها. فلقد أفنى عمره تقريباً في هذه المهمة مع الغزنويين. وعدت وظيفته الرئيسة هي محطمُ أصنامٍ محترف، مع جيوش الفاتحين الغزنويين.

توقف الرجل. وبدا مصدوماً ومتفاجئاً. وبعد أن استجمع أفكاره ووعى وضعه جيداً،

هجم كالوحش المفترس على مياسة، وهو يصرف أسنانه غضباً منها، مجمجماً بكلمات ملؤها الغضب:

ــ يا مشركة.. يا عدوة الله..

وانقضّ عليها يريد أن يخنقها….}

***

وبدا لي في “الشِفاء”..

وألهَمَنِي:

لا شِفاءَ.. حتى يلتقي الحبيبُ بالحبيب، والمريضُ بالطبيب، والبعيدُ بالقريب. وأن تكونَ مُمكناتُ اللقاء وشرطُه، في سر السر وفي جهر الجهر، في آنٍ واحد. واللقاءُ تحت ضوء الشمس أو في حندس الليل واحد، فالليل والنهار أعراضٌ زائلة، واللقاء عرضٌ أبدي.

وألهَمَني:

إذا طلب المريضُ الشِفاءَ مني شفيتُه. وتنحيتُ عن لقياه. فالمرض صِحةٌ لا صَحة. والشفاءُ غفوةٌ لا صحوة. وحالة ما لا حال له، شفاءٌ لا برءَ منه، ومرضٌ لا سقمَ فيه

وألهمني:

الطوبى .. ويل امها .. لا تُنالُ إلا بشِقِ الأنفس. والترجي في البعد خاتمة وصول، والترجي في القرب بداية وصول.

وألهمني:

عطاؤك منح. لأنه يُنقصُ منك ويزيد. وعطائي ليس منحاً لأنه لا يُنقصُ مني ولا يزيد.

وألهمني:

الغرباء من عرفوني بجهل سواي، والقرباء من جهلوني بمعرفة سواي. الغرباء فرحة، والقرباء ترحة. فطوبى للغرباء..

وألهمني:

حدّ الطوبى ترك ما لا يُتبع بمثال، واتباع ما يُبتدع بخيال. وطوبى الطوبيات أن لا تندم على شيء فات. 

وألهمني:

إذا صَرَّح الحقُ صدح ما لا ينطق، وسكت ما كان قبل صُراح الحق ينطق. فمن فَقِهَ مرضي كان فقيهاً، فأعيته الحيلة وخانته الوسيلة. فكان بريئاً مني، وكنتُ بريئاً منه، حتى يلقاني في محافل الخصوم ومجامعهم. فإن جاهدتَ نفسك وصولاً إلى الشفاء، فأنت تستعين بفهمك على عدم الفهم.

وألهَمَني:

إذا برَّحكَ الشوق، وجرَّحَ وجدانَك البوح، فانتحر بسكين المستحيل.

اترك رد