حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور (الفصل الثاني عشر)

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل الثاني عشر من رواية (حين نفخ في الصور)

بعضهم كان يدعوه شحاذ الحارة الدائم، تمييزاً له عن المتسولين الطارئين. فقد كان يحتلُّ هذه المحلة المحاذية للمعبر الماضي إلى جامع الحي، منذ ما يربو على عشرين عاماً. ولقد خُيِّلَ لي، لطول مكثه، واحتلاله لموضعه الذي لا يبرحه أبداً، مستعطياً متسولاً، أنّ أدهم جزءٌ من حجارة المكان، وعشبه اليخضوري المتأبد.

ولم يكن له أهلٌ ولا عائلة. وقيل بأن زوجته ماتت في صباها، وأصابته مصيبة بعدُ، فاعتراه شللٌ في ذراعه اليمنى، أقعده عن العمل وألجأه إلى الاستعطاء وطلب معونة الناس.

وحين سألتُ العمة تيتة عنه، لم تزد على القول:

ــ إنه مقطوعٌ من شجرة.

وانقسم الناس في رأيهم بأدهم فريقين، وقد تعصب كلُّ فريقٍ لموقفه من الشحاذ. نصف أهل الحي ظلوا يعتقدون جازمين، بأن أدهم، هو رجل مخابرات، زرعته أجهزة الأمن في حيِّنا لكي يراقب كل شيء، ويتجسس على كل نأمة وحركة تحدث في الحي. ونصفٌ آخر لم يبرح رأيه بأن أدهم ما هو في الحقيقة إلا أحد البؤساء والمعذبين من أهل الشقاء. وأن الشلل أقعده، والفقر أنهكه، ولم يجدْ حوله مالاً ولا ولداً ولا أهلاً ولا قوة. حيث جردته الحياة من كل أسباب البقاء والقوة.

ولم ينجحْ أيٌّ من الفريقين، في الانتصار على الآخر، أو برهان موقفه من الشحاذ أدهم، أو تغليبه بما يقطع شك بيقين.

وبعد مضي أكثر من عشرين عاماً، علمتُ بأن الشحاذ أدهم مات في مكانه ذاك. ظلَّ ملتصقاً بالحجارة. ملتحفاً بالفضاء، حتى خالط رميمه حجارة المكان وغباره، وصار لحمه من بعض سماد تربته.

وبعد مضيّ السنين ببطء وتوءدة. كاد الناس في حارتنا أن ينسوه، وأن لا يبقى من ذكراه إلا

غبار صور في المخيلة، وبقايا أخيلة شاحبة. فقلت للشيخ عبد الواحد يوماً:

ــ العجب أن الناس، رغم مرور السنين الطويلة، ما يزالون منقسمين حتى اليوم بشأن الشحاذ أدهم؛ وما يزال نصفهم يعتقد جازماً، حتى يومنا هذا، أنه ضابط مخابرات مكلف من سلطات عليا، ونصفهم الآخر يعتقد جازماً، بأنه بعض المعذبين من بؤساء هذه الأرض..! مات الشحاذ أدهم دون أن يعرف أحدٌ الحقيقة.

فأجاب الشيخ عبد الواحد:

ــ الناس يحتاجون إلى خبز السماء وخبز الأرض. مثلما هم دوماً يحتاجون إلى المعجزة..

هذه الثلاثة هي قوام حياة الناس، وليس بعد هذه الثلاثة شيء.

ثم لبث ملياً يتأمل. وأضاف:

ــ الناس يحتاجون إلى غموضٍ لا سبيل إلى فك أسراره، لكي يخضعوا وينحنوا له ولقوته غير المفهومة لهم.. فإذا فكّكوا أسراره لم تعد المعجزة معجزة.

ثم، مرة أخرى، لبث يتأمل ملياً. وأضاف:

ــ بَدْوَةُ المعجزة في أن لا تختبرها.. إنك إن اختبرتها اختبرتَ الله وجربته، واللهُ يؤذيه أن يُختبرَ أو يُجَرَّبَ.

***

{…. وغابت ذكرى الرجل مرة أخرى واختفت ملامحه، فلم يعد قتيبة يذكرها أو يتذكرها. حتى مضى قريب من سنة على آخر مرة التقيا فيها أثناء النوم. وبعد طول انقطاع رآه قتيبة مرة أخرى في نومه. سارع قتيبة يقول له بوجه مخطوف يكاد يشهق بالغضب والبكاء:

ــ قاتلتُ مع كل المنتصرين والمهزومين في هذه البلاد.

ابتسم ابتسامة لطيفة متحببة، وقال له معلقاً:

ــ في الحروب البينية الدينية، الشيطان هو الحاضر الذي لا يراه أحد، والذي تراه يقاتل على كل الجبهات في وقتٍ واحد. 

دعاه إلى الجلوس معاً في موقع من الأرض، لا عهد معرفة له به من قبل. فجلس قتيبة أمامه جاعلاً شعاع النور الذي يضيء المكان حولهما يتوسط المجلس. فقال الشيخ ياكتين:

ــ اجلسْ إليّ.. ولكن إذا جلستَ إلي، وجعلتَ الجنة والنار بيني وبينك، خسرتني                                       وخسرتك. وإذا جلستَ إليّ وأعطيتكَ أجرتك، فأنفقتَ منها شيئاً، خسرتني وخسرتك. وإذا جلستَ إليّ، فجلوسك ووقوفك واحد، ويقظتك ومنامك واحد. وإذا جلستَ إليَّ، وأصغى قلبك لسواي، ما جلست. وإذا جلستَ إليّ، وأنت تنتظر مني وهباً أو كسباً، أو هدية أو منحة، ما جلست. وإذا جلستَ إلي، ولم تكُ مني كما أنا منكَ، ما جلستَ. وإذا جلستَ إليّ ، وحَدّثتَ بما دار بيني وبينك من كلام، ما جلستَ. وإذا جلستَ إليّ، فانسَ ماذا وكيف ولماذا وفيمَ وحتّامَ وعلامَ ومتى.

قال قتيبة بما يشبه أن يكون ضراعة ويأساً:

ــ أنا من الذين ماتوا وهم على قيد الحياة.. من الذين ماتوا في منتصف الطريق، حين كانوا يرحلون نحو الحقيقة.

قال ياكتين:

ــ الجلوس يحتاج الموقف، والموقف لا يحتاج الجلوس.

ظل يتشرد من مكان لآخر، حتى انتهى به المطاف في السجن. سجن نيسابور الكبير. وقد انزوى مبتعداً عن جميع السجناء. بينما وصفه ـ فيما بعد ـ أحد اللصوص بالقول:

ــ كان فتى غريباً اعتدتُ رؤيته أحياناً عند عجرم القواد.

ويضيف:

ــ قلتُ له أكثر من مرة على سبيل الدعابة والمزاح: لا تجزع، ولا تخشَ أن تموت من الجوع، فلسوف تجد قواداً آخر تعمل لديه.

لكنه كان لا يرد على أحد. حتى عينيه بالكاد تطرفان. ولقد بلغ من سكونه أنني حسبته في إحدى المرات قد مات.

عقب خروجه من السجن، ظل قتيبة يتنقل بين المدن الخراسانية، بين نيسابور وطوس. وبعد مرور وقت طويل، سوف يتذكر قتيبة كل هذه التفاصيل. ولسوف

يرويها للشيخ ياكتين الشيرازي حين يلتقيه.

هنالك في طوس، قبض عليه رجلان، وقاما بقطع إصبعيه الخنصرين من كلتا يديه. ولا يعلم أيٌّ من المؤرخين لمَ أقدم أولئك الأشرار على هذه الفعلة الشنيعة. وقد اهتدى بعد أيامٍ من إقامته في طوس لأن يعمل طياناً، يطلي جدران البيوت بالطين عند رجل طوسي يقال له الغوري. ولم يُرَ بعدها إلا فتى يافعاً مقطوع الخنصرين، وقد حفرت بعض الندوب وجهه. وصار مع الوقت ينام في تلك البيوت التي لم يكتمل بناؤها، والتي يطليها بالطين….}

                                                           ***

بدا لي في ” كلماتٍ في الخلاء “..

وألهَمَنِي:

أخرجْ لوحدِك إلى خلاءٍ من أرضي الواسعة. ونادنِي دون أن تستعينَ بلسانِك. والمسْني دون أن تستعينَ بملمسِكَ. وأبصرني دون أن تستعين بعينيك. فإذا أجابك المشهدُ من حولِـك، فاعلمْ أنَّ لكلِ مشهدٍ سحراً وشاعرية، تتعرفُ عليها بحواسِكَ، إلا سحري ومشهدي، فإنك تتعرفُ عليها بحسِّ الإشارة، لا بحسِّ العبارة.

وألهمني:

الإنسان وعاءُ رموزٍ، يمتصُّها في طفولته كما يمتص لَبانَ الرَّضاعة. وهي كيمياءُ مستقبله وفيزياءُ آماله. ولقد خلقتُ الإنسانَ من عجينةِ الظنون، قبل أن أصوغَه من عجينة اليقين. 

وألهَمَنِي:

الباطلُ حلوُ المذاق. وكلما أوغلْتَ فيه وحثـثْتَ الخُطى، لَعِبَ عَسَلُهُ في الرؤوسِ والأفهام. فالتغابنُ بينكم شرورٌ، تلوذ بالشرور من الشرور إلى الشرور. وليس في موقفي تغابنٌ ولا شرور.

وألهَمَني:

لكلِ حرفٍ من الحروف مُعَرِفٌ يُعَرِفُ به، فإذا لم أكن أنا مُعَرِّفَ حروفِـك، كان غيري مُعَرِفَه.

وألهمني :

سأُسَلِّفُكَ محبتي ومعرفتي على سبيل الدَّين ، فإذا بلغت الموقف رد لي دَينَ محبتي ولا ترد لي دَينَ معرفتي . 

وألهمني:

بعض اللحظات أسيادٌ على الزمن، وبعض اللحظات عبيدٌ للزمن.. فاخرج من زمنك إلى زمني.

وألهمني:

الفارق بين يومٍ ويومٍ آخر ، وبين لحظة ولحظة أخرى، كالفارق بين الكُحْلِ والكَحَل.. ولا أحتاج إلى طاعة طائع ولا عصيان عاصٍ ..فتوخَ معرفتي في قمراء لا ربدة فيها ولا غيوم.

اترك رد