حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور (الفصل الرابع عشر)

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل الرابع عشر من رواية (حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور)

كما يتهاوى جسدٌ آدمي في بركة مطمئنة الأمواه..

كذا فجأة اقتحم الشيخ “الحاج اسماعيل”، خادم التكية الشريفة منذ تأسيسها الأول، اقتحاماً مروِّعاً. كاد الرجل العجوز أن يخبطَ في مشيته خبطَ عشواء وهو يتعثر. كان اقتحامه المضطرب غير الرائق، هو ما اشعل في الحاضرين الحرائق.

توقف الإنشاد وصمتت الدفوف، كمن بغتته سكتة قلبية مفاجئة. ترك المريدون والسادة درس العلم، وانسحب الجميع ملتفين حول الرجل. أسرع الشيخ عبد الواحد نحو العجوز المريض المدنف، الذي انطرح متمدداً على أرضية الزاوية. فأمر الشيخ:

ــ إليّ بكأس من الماء على وجه السرعة.

وسُمِعَ صوتٌ من الخلف يهمس بإشفاق:

ــ كأن الرجل يُحْتَضَر.. ونَفْسُهُ تصعد..

وقال بعض أهل الفضل:

ــ مددوه براحة وهدوء، ولا يجتمعنَّ جمعُكم فوق رأسه، بحيث تمنعونه الهواء والنَفَس.

ونبس الرجل المريض بصوتٍ وانٍ يكاد يتلاشى:

ــ يا شيخ عبد الواحد.. كنت قبل قليل أتجول جولتي الليلية المعتادة في طول المقبرة.. حتى تعبتُ وكلَّتْ قدماي من السير. فارتميتُ عند أول ضريح مشيد، لأستريحَ من عناء السير فوقه. كان الفجر قد تبلج، وظهرت لي أواخر عتمة الليل وهي تنسحب من فضاء المقبرة الفسيح..

صاح صائح من أهل الزاوية:

ــ لا تتعبوه بالتحدث طويلاً..

وقال آخر:

ــ الرأي أن نُسَخِّن له كأس نعناع مخلوطاً بالقرفة، وأن نتلو بعض آيات الشفاء النافعة..

ــ بل الرأي الأصوب أن نستدعي الطبيب على وجه السرعة.

ــ هوِّنْ عليك يا حاج إسماعيل.. إنما هي وعكةُ شرٍ طارئ سرعان ما تزول.

فرجع الحاج اسماعيل يقول مستأنفاً:

ــ رأيتُ فجأة.. من قلب العتمة التي راحت تتلاشى، امرأتين في هيئة راقصات غانيات.. كانتا فاتنتين جداً. جميلتين جداً. مزدانتين بكل ما يخطف الألباب، وكل ما يُكسِبُ الأنثى من عذوبة مُحَيَّا وحلاوة ابتسامة. وقد أخذنَ يضربن بالدُفِّ، ويغنينَ غناءً جميلاً، فاستحسنتُ ما أسمع، واستبد بي شوق وحنين مفاجئ من عذوبة الغناء. واستعر بي الطرب وأنا أجلس فوق القبر، بينما أخذت المرأتان تقتربان وتدنوان مني دنواً. وقد هاج الاستهتار في غنائهن وعجت المقبرة بالزغاريد..

ــ ها..؟ وبعد..؟

ــ حين دنت أولاهن سألتها باستغراب: من انتِ؟ ومن تكونين؟ فأجابتني على الفور: أنا عمرك الذي مضى.. وأتبعت الأخرى بالقول، حتى دون أن أسألها: وأنا عمرك الذي بقي لك.. ثم تلاحمتا.. وتشابك رقصهما حتى عج الفضاء بألحان عذبة طروبة.. فلم أعتِم أن رأيتهما قد حلقتا عالياً كالطيور في السماء.. واختفين كما ظهرن فجأة..

فبدى الجزع في وجه الشيخ عبد الواحد، وهو يسأل:

ــ هل قالتا شيئاً آخر غير ذلك؟

ــ أجل.. أظن بأني سمعت الأولى تقول قبل تلاشيها: لا حاجة لحضورك معنا.. فأنت إن حضرتَ أو غبتَ حاضرٌ معنا.. ولا حاجةَ لحضورنا معك.. فنحن إن حضرنا أو غبنا حاضرون معك..

فصاح الشيخ عبد الواحد:

ــ اسألوا لأخيكم العفو والعافية، فإنه مغادرنا..

صاح الجميع وقد اختلطت أصواتهم بالفوضى والمشاعر المتفاجئة:

ــ الله أكبر.. إنا لله وإنا إليه راجعون.

في ضحى اليوم نفسه، وبعد ساعات مضين، اجتمع خلق عظيم من الحارة والحارات المجاورة والبعيدة. وكان بعض أهل الزاوية قد مضى ليبلغ حفار القبور، بأن يستعد للمضي إلى المقبرة، بينما سائر أهل الزاوية قد شُغلوا بالعزاء ومراسم الحداد، وقد خيم الصمت على الجميع، لا يكسر رتابة الصمت المطبق إلا تلاوة القرآن، يصدح بها قارئ من داخل خيمة العزاء.

***

{…. أقنعه أحد أصدقائه الذين تعرف بهم في السجن، وكان قريباً من عمره، بأنه يخطط للانضمام لعصابة من قطاع طرق، في طبرستان، أعمار جميع أعضائها في مثل عمريهما، ودعاه للانضمام والسفر إليهم. وهناك في جبال ألبرز، شمال الديلم، التحق قتيبة بعصابة قطاع الطريق أولئك. ولم يكن قد جاوز السابعة عشرة من عمره بعد.

ولا يذكر المؤرخون عن عصابة الأحداث هذه، إلا ما رواه تاجر من أسفرايين، ضلَّ طريقه وهو عائد من همذان ودخل جبال ألبرز خطأ، من جهات جيلان، في أول الخريف من ذلك العام. وإذا به يفاجأ بجماعة من الصعاليك أو اللصوص قد قفزوا عليه فجأة بسيوف وخناجر وأسلحة من عصي. تفاجأ التاجر أنهم كانوا تقريباً صبياناً لا يتجاوزون السابعة عشرة من عمرهم، وعلى وجوههم ترابٌ وسخام وقذارة.. فلم يأخذهم

على محمل الجد، وقال متذكراً:

ــ لم يجترئوا على قتالي.. كان واضحاً عليهم الخوف والتوجس.

ثم أضاف:

ــ اتفقت على مقايضة معهم دون كلام. تراجعت عن البضاعة وتركتهم يقتربون ليأخذوا شيئاً منها، وحينما أكثروا هددتهم بالسيف فتراجعوا وهم يسبون ويلعنون.

صرخت في وجوههم:

ــ ما تفعلونه لا يمكن وصفه إلا بأنه شيءٌ ضد الله، وضد نواميسه..

فأجابوني:

ــ نخالفك الرأي .. إذ كل شيء بقدر الله وقضائه..

ثم أضاف أيضاً:

ــ كان المزاح والنكات الصادرة منهم، تكاد تشبه في قسوتها لطمات على الخدود أو لكمات تسدد على الوجه. أحدهم حاول أن يبصق عليّ، ولكن الريح واجهت بصقته وعكستها على وجهه بين عينيه، فاستدار وهو يضرب الهواء ويمسح البصقة. ثم لاذوا بالفرار ــ مع أن أحداً لم يكن يطاردهم أو يسعى وراءهم ــ وهم يتقافزون فرحين مثل

أطفال.. ثم غابوا عن ناظريّ في سفوح الجبال الصخرية.

وذات نهارٍ شتائي، خرج للصيد صياد يقال له ربيع بن الفضل، بيهقيٌّ مهاجر. كان قد استوطن قرية في رُستاق جنوب شرق بحر الخزر (قزوين حالياً). كان الشتاء قد طبع الأرض بقشرة من الجليد. ولم يكن ثمة شيء يمكن أن يصطاده الرجل. ولكنه فوجئ بين ضفاف الخزر، وبين أشجار الصفصاف الطويلة، بجسد آدميٍ تكوم بين الظلال. فاقترب منه بحذر.

كان شاباً متدثراً بأغصانٍ تفتَّت وتناثرت، أبتر الخنصرين، ووجهه مزرقٌّ باحتقان دم متجمد. فحمله وذهب به إلى كوخ صيد قريب، ثم نقله مع صيادين آخرين إلى بيته، حيث اعتنت به امرأته، وهو ينتفض وقد اعترته حمى قوية.

بعد أيام راح الفتى يهذي، وتلفظ بجمل غير مفهومة عن أصحاب له في قارب. أصحاب عبروا الخزر من طبرستان في الشمال، إلى شمال جرجان. فأبلغ الصيادُ كبير القرية، الذي أخذ ثلة من الرجال وذهبوا إلى هناك.

كان الشتاء قارساً في تلك السنة، ولم يُشهد زمهريرٌ مثله كما يقول الراوي. فالصقيع يغطي الآن كل شيء، ولا تَرى مع الهواء البارد إلا رجالاً بأعين رطبة دامعة. متدثرين تحت فرو كثيف. حواف شرق الخزر الضحلة كانت قد تجمدت تقريباً.

تطوع بعضهم للبحث والتفتيش في المكان. فرأوا  وجهاً بشرياً عالقاً في سطحه، وكأنه يُحدق في السماء، بفمٍ مفتوحٍ ووجهٍ لا دَمَ فيه، وعينين هامدتين، متشبثاً بقطعة خشب. لابد أنه قد مات وهو ممسك بها فتجمدت معه، قدماه تعومان في الماء ولكن وجهه ويداه متجمدة في التصاقه بقشرة الجليد. ولقد ذكروا فيما بعد أنهم رأوا جثثاً في أماكن متناثرة قريبة. تعوم بشعور رأس طويلة وأيادٍ ممدودة، تصعد وتختفي في العمق المعتم….}

***

بدا لي في “العزة”..

وألهَمَني:

العزة إزاري، فتدثرْ بـي، ولا تتدثرْ بكَ. فإذا أدركتَ العزة، أدركتَ أنها ليست من “شيء”، وليست إلى “شيء”، ولا تليق “بشيء”، ولا يليق بها “شيء”. فالعزة توأمك الذي يهواك وتبغضه.

وألهمني:

لا سبيلَ إليَّ بجوانيةِ حرفٍ إن نطقَ ولا ببرَّانيتهِ.. فإن الحرفَ له أبوابٌ واتجاهاتٌ، ومنافذٌ ونوافذ، والوصولُ إليَّ يكون عبر دهليزٍ لا أبوابَ له ولا اتجاهاتٌ، ولا منافذَ له ولا نوافذ. 

وألهمني:

أنت تحيا في الأمنياتية، وأنا أحيا في الحقيقة، وبينهما برزخٌ لا يعبُره إلا المتماهون بي.. فمشيئتي علاءٌ على إرادتي، وإرادتي علاءٌ على مشيئتي، فاصطنعْ بينهما هدنةً للسكينة

معي وبي.

وألهمني:

إذا سكنتْ روحُكَ إليّ فلا تستخدمْ أحرف العطف مدةَ لبثِك وسكناك، لأنك في وقفة ولست في معرفة. فأياديَّ عليك وفضائلي، أُعْدُدْ منها .. ولا تُعَدِّدْها. فالباطل يسكنُ في الألسنة، وأنا أسكن في مقام الجواهر لا في مقام المظاهر .

وألهمني:

النفس والعقل، والحياة والموت، حجابٌ يحجبني عنك، فإذا جلست إليّ فأفرغْ قلبَك منها جميعاً ، وانظرني بعين قلبِك ولا تنظرني بقلب عينك.

وألهمني:

لا تجلس أمامي، بل اجلس أمامَك .. فليس لي أمام..

وألهَمَني:

للعزة نارٌ، كلما خمد أُوارُها وانطفأت، أوقِدْها من جديد، واحترقْ بها من جديد. فكلُّ شيءٍ يُبَدِّل أثوابه القديمة بأثوابه الجديدة، إلا العزة.. فليس لها إلا ثوب واحد، فالبسه مرة واحدة، ولا تخلعه أبد الدهر.

اترك رد