حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور (الفصل السابع عشر)

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

 

الفصل السابع عشر من رواية: حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

هذه المرة يبدو أنها ليست كالمرات السابقة. فقد اعتاد الأب على ضربه كل يومٍ إلى حد الإدماء وتدفق الدماء. واعتاد الفتى “قدور وجه البغل”، أن يفِرَّ منه بعد عراك شديد، وأن يلوذَ مستجيراً بالجيران. كما اعتاد الجيران بدورهم أن يتدخلوا بين الفتى، ابن الخامسة عشرة، ووالده البطين القصير، ذي الكرش الكبير، والرأس الكبيرة الصلعاء. والذي اعتاد أن يشْتُمَ كل ما حوله ـ حتى وهو في ذروة الحبور والبهجة ـ بفجور وبذاءة لا ينضبُ معينُها ولا تُستهلك مفرداتها.

هذه المرة يبدو أنها ليست كسابقاتها. فقد سمعتُ العمة تيتة، تسأل المؤذن عطية، وسحنتُها توشك أن تشهقَ شهقة الموت من الألم الذي يقطر منها:

ــ هرب؟

ــ نعم هرب.. ويبدو أنه لن يعود إلى هذه المحلة أبداً بعد اليوم.

ولكن خالف المشهدُ والمخبَرُ ما توقعه المؤذن عطية.

ماتت أمُّه أثناء ولادته، وقد بلغت من عسر المخاض مبلغاً أودى بها إلى الهلاك. ولم يمضِ على وفاتها أربعون يوماً، حتى جاءت الأخبار بغرق شقيقه الوحيد في النهر، والذي لم يكن قد اجتاز التاسعة من عمره بعد. فتزوج الأب من فتاة يتيمة، كانت تعمل بالأجرة في حقول القمح، وكفلت تربيته مع أولادها الستة، الذين انجبتهم خلال سنوات لاحقة.

وسمعتُ الشيخ عبد الواحد يقول مرة، وهو يقصده بالقول:

ــ هذا الولد عانى من الاضطهاد، ما لو نزل على أمة من الأمم، لقصم ظهرها ومَحَقَها محقاً.

وقال الضابط، رئيس قسم شرطة الحي:

ــ حتى الآن بلغت جرائم القتل، التي اقترفها قدور وجه البغل، بقصد السرقة، ثلاث عشرة

جريمة قتل مؤكدة، وقريب من عددها غير المؤكدات، والتي تحوم شبهاتُها حوله.

وقال مساعده:

ــ سوف نمسك به ونسوقه إلى قفص العدالة، مهما بالغ في التخفي والاختباء.

ويقال بأنه اقتحم منزل الحاج خضر، الرجل السبعيني الطيب العجوز، والذي يقطن في منزله الثري الفخيم وحيداً مع زوجته، بعد أن رضي بقسمته في الدنيا من حرمان الذرية، فانتضى نصل سكينه اللامع كالبرق، ورفعه في وجهه متأهباً.

نبس العجوز، وقد قطع الخوف الشديد جوفه:

ــ أتريد إزهاق روحي أم مالي؟

أجاب قدور بثبات من ليس لديه وقت للتردد أو التراجع:

ــ الاثنين معاً.

ــ استبْقِ عليّ، وسوف أهبك كل ما تطلب من مال!.

ــ لا وقتَ لديَّ أضَيِّعُه في مجادلتك. أخرِجْ كل ما تملك..

فأجفل الحاج خضر متراجعاً بهلع أمام نصل سكينه، الذي التمع في عينيه، وجأر يرتعد رعباً أمام الموت:

ــ أتريدُ الحقَّ أم أخاه؟

ــ لعنَ اللهُ الحقَّ وأخاه.

ــ اتقِ الله في نفسي.. فأنا لم أؤذِ إنساناً في حياتي قط.

ــ أما أنا، فمن عادتي أن أفعل ذلك.. ولا أعرف مهنة أخرى غيرها.

ــ ما تفعله سوف يحاسبك الله عليه أشدَّ الحساب.

ــ ما أفعله هو أعظم قربى أتقرب بها إلى الله.

وبعد مضي أسبوع على جريمة قتل الحاج خضر وزوجته، ونهْبِ كل ما يدخر من مال في

بيته، سمعتُ البرنس يقول:

ــ لا تستهنْ كثيراً بهؤلاء الحمقى والمتشردين. ففي الظروف المواتية، والتربة الاجتماعية الملائمة والخصبة، وفي الأزمنة اللئيمة، قد يصبحون القوة الوحيدة الفاعلة والمؤثرة، التي تصنع الأحداث وتؤثر فيها.

بينما انكفأ الشيخ عبد الواحد على يأسه وهو يجأر بلوعة الفراق على الحاج خضر، صفيِّ روحهِ، وصديقِ تكيته وطلاب علومها:

ــ طوبى لسيفٍ يجعل هاماتِ هؤلاء السفلة، علاماتٍ يُستدل بها في الطريق.

ثم أضاف:

ــ طوبى لمن أقام محكمة الحدود في ضميره، ولمن حيَّ ضميره في طهرانيته. فلم يُؤتَ من وَهَلٍ، ولم يُدخلْ عليه من مُدَّخَل، ولم يُجْهَـزْ عليه على عجل.

وقال أيضاً:

ــ طوبى لإطفاء السراج إذا طلع الصبح.

وقال أيضاً:

ــ طوبى إذا انهتك الستر وغَلبَ السرّ.

وقال أيضاً:

ــ قد تتحالفُ البطنُ مع الجوع ضد الرغيف.. فيهزِمانِهِ.

***

{…. وروى رجل من أبيورد عن عصابة الخمسة عشر رجلاً مرة، أنه مر بتلك المنطقة ذات يوم، متجهاً إلى مدينة قزوين، فرأى رجلاً يقف بعيداً على حافة جبل شاهق. كان الرجل عارياً تماماً، إلا مما يستر وسطه، في ذلك الشتاء الزمهريري، وهو يُطلق سهاماً في الهواء، كأنه يتدرب على تصويب سهامه ليحذق في استعمالها.

يقول الرجل:

ــ حدّقتُ في السماء، فلم أرى طيوراً مُحلقة، أو أيَّ شيء يمكن اصطياده. كان مجرد رجلٍ عارٍ على حافة الجبل في الصقيع، يطلق سهاماً على لا شيء.

جاءت الأخبار فيما بعد، بأن والي الغزنويين على خراسان قرر ملاحقتهم والقضاء عليهم وعلى شرهم قضاء مبرماً. فتفرغ ذلك الوالي لهم، وكان يدعى العميد أبو الفضل المُعز. لكنه عجز عن القضاء عليهم، رغم كل محاولاته. ولعل ذلك بسبب انشغال الغزنويين بمحاربة السلاجقة والهنود في مناطق أخرى خارج خراسان.

واستطردت الأخبار تقول بأن السلاجقة، بعد سيطرتهم على المنطقة، عينوا والياً جديداً، فأرسل سرية صغيرة لا تتجاوز عشرة أشخاص للقضاء عليهم، إثر اختطافهم فتاتين من دسكرة في رستاق مجاور، ولكن السرية علِـقت في ثلوج ألبرز المتراكمة، ثم وجدوا جثث جنود السرية مُصَلَّبين في نتوءات الجبال.

فيما بعد، أثناء لقاء قتيبة بالشيخ ياكتين الشيرازي، وبعد أن استقر به المقام في مغارته، قال له:

ــ أنا من أولئك الذين ماتوا و هم أحياء في منتصف الطريق. فانسحب الطريق من تحت أقدامهم. و دُفِنوا خارج الزمان و المكان. وتمَّ تقييد القضية ضد مجهول. وأنا أيضاً من أولئك الراحلين إلى الله دون دعوة ولا موعد مسبق، ولا خارطة طريق. وممن بيعت جثثهم و بقايا أعضائهم للقواميس و المعاجم. لتصنع منها جملاً و كلماتٍ جديدة.

أنا الدليل على عدم وجود الدليل. والبرهان على عدمية البرهان. وأنا أسطورة هذا العصر الخرافي. و قصة هذا الزمان.

ترفع رأسك وأنت تمشي، فترى من بعيد أجساداً تتدلى على حافة الجبل. بين ندف الثلج البيضاء المتساقطة، وكأنها ظلال تتأرجح بخفة مع الريح.

وحينما أنزلوا جثث الجنود الذين قتلهم أفراد العصابة، وقشعوا الثلج عنها انكشفت لهم الأجساد مسلوخة عن جلودها. فصمم السلاجقة – الذين كانوا وقتها قد سيطروا تماماً على ذلك الجزء من خراسان – أن يرسلوا كتيبة حربية كاملة، قضت عليهم وعادت برأس قائدهم. ولا يُعلم إن كان قتيبة قد تركهم قبل ذلك، أم أنه نجا من الموت في اللحظات الأخيرة.. ربما لأنه كان جندياً صغيراً وهامشياً في تلك العصابة.

انضم بعدها لفترة قصيرة إلى جيش الغزنويين بقيادة السلطان مسعود، الذي زحف نحو جيش طغرلبك السلجوقي، من سرخس وحتى مرو، بيد أن قتيبة قام فجأة أثناء المعارك المتفرقة، بقتل ثلاثة جنود من الغزنويين، وسرقة خيولهم وعتادهم، ولاذ بالهرب نحو الديلم.

وفور هربه انضم مباشرة إلى جيش طغرلبك السلجوقي، الذي هزم جيش السلطان مسعود في داندقان. لكنه لم يطل مكثه طويلاً مع الجيش السلجوقي. فلقد أُودِع السجن مرة أخرى بسبب جريمة لم تُعرف ماهي. وقد وقعت له حادثة عابرة مع عاهرة في ماخور في خوارزم، بعد أن استولى السلاجقة عليها وتوافد عدة جنود إلى ماخورها، حيث روت العاهرة بأن رجلاً يدعى قداح القزويني، (فيما يبدو من سياق القصة، فإنه لم يكن وقتها جندياً سلجوقياً، وإنما مجرد زبون)، وقد سكر سكراً مُتَعْتِعاً، لدرجة أنه بعد أن بدد أمواله على ثلاث عاهرات في ليلة واحدة، وهو يهذي ويترنح، حاول اغتصاب جندي صغير السن، لازال أمردَ، فاجتمع الجنود السلاجقة عليه يضحكون، ويمنعونه من أن يقترب من الجندي. وحيث افترضوا بأنه بلغ من السكر درجة لم يعد يستبين ما أمامه، ولكنه انتفض منهم واتجه إلى الجندي الأمرد مرة أخرى، وهو يخلع ملابسه، فاجتمعوا عليه وجلدوه حتى أدموه، ثمَّ طرحوه خارجاً….}

***

بدا لي في “وضوح مالا وضوحَ فيه “..

وألهَمَني:

بينَك وبين الموتِ وصولاتٌ. إما طردية وإما تطاردية. فإذا فقدتني، أحللتَ الطردية إلى الأبد. فأًحَلْتُكَ إليها.. وإذا وجدْتَني أَحْلَلْتَ التطاردية إلى الأبد، فأَحَلْتُكَ إليها..

الوضوحُ والـ “ما لا وضوحَ فيه”، كما الأحقافُ. تُعْتِمُ كلَّ شيءٍ في هَبَوَاتِ كثبانِها الرملية، وتجلو كلَّ شيءٍ في صحوةِ هدأتها وسكونِ عَصْفِها.

وألهَمَني:

جعلتُ الكونَ كلَّه شُبهةَ وضوحٍ في ما لا وضوحَ فيه، وأوضحتُ لكَ الوضوحَ. فأمكَنْتُكَ من عبورِ بحرٍ وقف الوجودُ كلُّهُ على ساحلهِ. فوضوحُ ما لا وضوحَ فيه يقرُنُ السمعيةَ والبصريةَ في مشهدٍ، لا تحتاجُ فيه إلى أُذُنٍ وَعَينٍ.

وألهَمَني:

المتساكنون في السكينة أدعياءٌ. والصادقون في السكينة أوفياءٌ. ذلك بعض مشهدية الموقف. ومشهديةُ الموقف هي وضوحُ ما لا وضوحَ فيه

وألهمني : إذا جَلَسَتْ نفسُكَ قربَكَ وأنت بين إبداءاتي وإخفاءاتي .. فاتركْ لها المجلسَ وانصرفْ بعيداً .. وإذا جلسَ عقلُكَ قربَك وأنت بين كشفي وحَجْبِي .. فاتركْ له المجلسَ وانصرفْ بعيداً .. وإذا جلستْ المعرفةُ قربَك وأنت بين يقيني وضلالي.. فاتركْ لها المجلسَ وانصرف بعيداً ..

وألهمني:

كيف تُريدُني أن أتَذَكْرَكَ لُبُرْهةٍ .. وأنا لا أنساكَ بُرْهةٍ ..؟

اترك رد