حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

 

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل الثالث من رواية الكاتب معبد الحسون (حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور) 

كثرةَ ما ألصقُ وجهي على شباك بيتنا في ليالي الشتاء. أحملقُ في الشارع ليلاً. لا شيء سوى الظلام الذي تكسره أنوار مصابيح الزيت. ولمعان مشاعل أناسٍ يقتربون من بعيد. رجالٌ متجلببون بجلابيبَ خشنة سوداء، وعلى رؤوسهم قبعات برانسَ تشبه برانس الحمام. مطأطئوا الرؤوس ينظرون نحو الأرض، وهم يمضون تحت شباك بيتنا في حارتنا. خُيِّـلَ إليَّ أنني أسمع صوتاً من وراء الجمهور، الذي راح يلاحقهم بنظراتٍ تكاد تشفطهم من شدة فضولها. صوتاً ساخراً يصيح:

ــ إنهم كالغرابيب السود.

أنسلخُ عن زجاج شباك بيتنا الذي كنت أتفرج منه، وأسرِعُ راكضاً نحو الشارع. يلاحقني نداءُ أمي وهي تحذرني:

ــ هؤلاء أهل الجنة والنار يا محمود.. وهم يسيرون نحو جناتِهم ونيرانهم.

ــ ومن هؤلاء الذين يسيرون خلفهم يا أمي؟

ــ هؤلاء هم أهل البكاء ينوحون على من تبقى من الأحياء يا محمود..

ــ ومن هم أهل البكاء يا أمي..؟ ولماذا يبكون..؟

ــ ذهب أهل الجنة بالتُّرَّهات والقشور.. ذهب أهل النار بالتُّرَّهات والقشور.. لم يبقَ إلا أهلُ البكاء ينوحون على من تبقى من الأحياء.. وقد فتقت أماراتُ الرعب فتقاً في أنفسهم، لا راتقَ له مادامت السماواتُ والأرض..

أصلُ إلى الشارع الذي سكب الليلُ عليه ظلاماً كالحبر الأسود السائل، ظلاماً تشققه نيران مشاعل الباكين. وأرى جمهرة من الناس قد تجمعوا ينظرون مواكب الماضين، وهم يحملون المشاعل.

سمعت عجوزاً بقربي يكلمني قائلاً:

ــ أدخلْ إلى مملكة البكاء. تربعْ على عرش البكاء. واجمعْ من حولِك الباكين، وابكِ.. فإنْ لم تبكِ فتباكَ.. فإنّ للبكاءِ حُصةً وحقاً على كل ما هو موجود. ولا تنقضي الحقوقُ وتُستوفى الديونُ إلا بأنْ يُقضى حقُّ البكاءِ ويُستوفى دَيْنُهُ.

وسمعت جارتنا العجوز، العمة تيتة، تناديني من مكان بعيد ورائي:

ــ يا محمود.. في البكاء جزئيةُ سعادةٍ. وفي السعادةِ جُزئيةُ بكاء.

                                                 ***

{…. (هنا كانت فجوة من المؤلف في تتابع السرد. حيث يتوقف فجأة عن سيرته المتتابعة في وصف فتوحات كشمير والهند، ليعود ثانية للحديث عن فتوحات نيسابور وخراسان وسجستان)..

في تلك الأرجاء كانت تفوح روائح لا يمكن تحديدها. تحملها رياح الشمال القادمة من موضع بعيد. وقد اختفت الطيور في أوكارها وسط الأشجار. وقد كان من سبب استيلاء السلطان محمود على سجستان، أنه بعدما صالح خلف بن أحمد، ملك سجستان، عهد خلف بن أحمد بالخلافة إلى ولده الأكبر الطاهر، في عام 393 هـ، بينما كرَّس هو معظم وَقته للعبادة والعلم، وقد كان عالماً ويحب العلماء. وكان يريد مِمَّا فعله أن يوهم السلطان محمود بأنه ترك المُلك وأصبح يُكرِّسُ حياته للآخرة، حتى لا يطمع محمودٌ بمَملكته.

وعندما صار ابنه طاهر هو الملك على سجستان، أصبَح عاقّاً لأبيه، وحاول أبوه الرِّفق

به وملاطفته أملاً في تغيير الوضع، ولكن عبثاً.. وبعد ذلك مرض أحمد بن خلف،   واستدعى ولده “طاهر” لِيَقرأ عليه الوصية، وحينما حضر طاهر دون حرسٍ ـ وكان قد نَسي إساءته لأبيه ـ حين وصل طاهر قبض عليه أبوه ووضعه في السجن، إلى أن مات.

عندما سَمع جيش خلف بالأمر، وبغدره لابنه، عصوه وكرهوه. ونقلوا ولاءهم وطاعتهم إلى السلطان محمود. وجعلوا يخطبون له وباسمه على المنابر. ثمّ أرسلوا إليه بالرسائل يطلبون منه فتح سجستان، وقد وافق السلطان محمود على الأمر، فبدأ مسيرته إلى خلف الذي كان في حصن الطاق، وهو حصنٌ يحيط به خَندقٌ عريضٌ وعميق وراءه سبعة أسوار، وكان له جسرٌ قابلٌ للرفع، رفعوه عند وصول السلطان محمود، وعندها أمر السلطان محمود بِطَمر الخندق ليتمَكَّنوا من عبوره.

ثم يعود المؤلف مرة أخرى للحديث عن فتح كشمير..

كان كل شيء يلمع بغشاء ماء متجمد، في مربعات من الأرض كانت تعتبر مصيف الأمراء والسلاطين ومشتاهم. وبعد مدة من الترحال، كان ثمة زمرةٌ من الجنود المستنزَفين، لا يتجاوز عددهم ستة تقريباً، (هنالك من ذكر أنهم خمسة فقط والعلم عند

الله). ضاعت أسماؤهم في التاريخ، ولم يُعرف عنهم إلا أنهم كانوا صعاليك، من أماكن

متفرقة في جبال الديلم والجوزجان، سرقوا طعاماً وعتاداً وهربوا من الجيش الغزنوي الماضي لفتح كشمير.

ضلوا الطريق أسابيع عديدة، في تلك البراري الصخرية. والتي تآكل البياض فوقها مثل بثور على جلد. غشي الضباب الذي يبدو وكأنه استنزل السماء إلى قريب من الأرض، معظم الأدغال والمفازات والجبال والأهوار. وكان الجنود الستة الفارّون يقتحمون رساتيق (وهي المواضع التي فيها زرع وقرى أو بيوت مجتمعة)، وقرى ومدناً على امتداد خراسان، يسرقون ويغتصبون ويمضون إلى غاية لم تحدد.

حتى وصلوا بعد سنة تقريباً إلى أطراف مدينة أستراباذ في جرجان آخر. حيث يغلب على المكان رعدةُ البرد الحزينة التي تبعث ذكرى أشياء منسية. هنا حيث يتكاثر الثلج، ويختفي كل نَفَس حي من المكان.

ثمة بيت طيني منعزل على طرف مزرعة قمح، قريباً من دسكرة صغيرة، يعيش فيه شيخٌ مسن وثلاث بنات. الصعاليك الستة بقي منهم أربعة فقط. حيث نقص اثنان منهم، ولا يعرف مصيرهم على وجه التحديد. كتب ابن غذامة الطائي بعد ذلك في تاريخه:

ــ أعرف ودياناً في تلك البقاع من الأرض، ما سلكها بشرٌ قَط، إلا اغتالتهم الضباع

والسعالي وكواسر البر….}

 ***            

بدا لي في “المرآة”..

وألهَمَنِي:

إذا نظرتَ إلى المرآة، رأيتَ ألوانَها تَنْحَلُّ إلى أحزان، ورأيتَ الأحزانَ تتوالدُ في المعضلاتِ الجِسام، ورأيتَ عَرَضَ جِسْمِيّةِ المصائبِ، يتفَصَّلُ على قِماشِ الحيرةِ، ورأيتَ المواثيقَ والموثوقات تسلكُ مُدَّخَلاتِ عَمَاءٍ لا ضياءَ فيه.. ثمَّ رأيتَ المرآةَ تخرجُ من أجوبة مَرْئيّاتها إلى أسئلة غيبياتها، والساكناتِ فيها تحكم المتحركات، ورأيتَ الموتى يتكسرون على حِدةِ إشعاعاتِها، والأحياءَ تمْتَصُهُم شقوقُها المكسرة، ورأيتَ على صفحَتِها سمومَ الحياةِ ومخايَلها، تُدافُ في انعكاس الشُعاعِ ـ على ظلامية العدم، ورأيتَ الموتى يخرجونَ من المرآةِ بدلالاتِ الأحياء، والأحياءَ يدخلون المرآةَ بدلالاتِ الموتى، والمسكوتاتِ تنطِقُ داخلَ المرآة، والمنطوقاتِ تسكتُ خارجَ المرآة..

إذا رأيتَ كلّ ذلك، فاستقبل مرآتي، ولا تستقبل المرآة، فإني لا يحوزني الحيّزُ والتصور، والمرآة يحوزها الحَيِّزُ والتصور. فأنتَ في المرآة نبيٌ لا قومٌ له، ولا دعوةٌ ولا أتباعٌ. فاخرجْ من المرآةِ بلا كيفٍ أو تَصورٍ، واستحضرْ رساليتكَ فيك.. لا فيها.

وألهَمَني:

بعني في الأسواق، لن تجدَ شارياً لي. بِعِ الأسواقَ لي، لن تجدَ شارياً لها. ذاكَ ما يُرى في المرآة.. وتوحدْ بي، ولا تدمنْ عِشقَ هذه المدنِ الملوثةِ بأكداسٍ من الناسِ لا شكلَ لها ولا لون، ولا تُـثْبِتُها العينُ في مرآةٍ. فالمرآةُ تُقْسمُ بالعينِ وتستشهدُ بها، والعينُ تُقسمُ بالمرآة وتستشهدُ بها.. ضَعُفَ القاسمُ والمُقْسَمُ به.

وألهمني :

كنتُ بك رفيقاً.. فلم أُلبسْكَ العقلَ كلَّه حتى لا ترى كلَّ ما حولك محضَ جنون .. ولم أُلبِسْك الزينة كلها حتى لا ترى كلَّ ما حولك محضَ قبحٍ.. ولم أُلبسْكَ الطهارةَ كلَّها حتى لا ترى ما حولك محضَ نجاساتٍ..

وألهمني :

 الوقفةُ بي تُعتقُ من كلِّ رِقٍّ.. فليس في وقفتي عبوديةٌ لشيءٍ..

وألهَمَنِي:

المرآة بالرائين.. لا بالمرئيين.

اترك رد