حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل الخامس من رواية (حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور)

ومرة سمعت “طنطل” الحرامي الشهير في مدينتنا، يحدث زميله ـ وهو لصٌ آخر معروف في المدينة:

ــ هذا كله مُسلٍ. ألا تجدُ هذه المواكب الساحرة تبعث على التسلية؟.

فأجابه اللص الآخر، وهو يتثاءب ضجراً:

ــ بالعكس.. أجد النوم في فراش امرأة، يبعث على التسلية أكثر من كل هذا الغباء، وكل هذه السخافات..

وسمعت “قدور وجه البغل” يجيب اللصين من مكان بعيد، مُعَقّباً على قولهما:

ــ قد تكون بلادةُ الأحاسيس وفقدانُ الضمير أكبرَ الإعاقات التي وَصَمتْ الكونَ وشاهتْ الإنسانَ بأبلغَ التشوه.

فجأة نهرني رجل كان يقف بجواري، طالباً مني أن أكرَّ عائداً إلى بيتنا:

ــ إرجع يا محمود.. لا تراقبْ كثرة الباكين في هذه المواكب.. إذا غدوتَ إلى مملكة البُكاء أذعتَ سِرّاً كما لم يُذعْ سرٌ من قبلُ. وكتمتَه كما لم يُتكتمْ على سرٍ من قبلُ.

ثم أضاف:

ــ إذا جالستَ أهل البكاء لتسألهم.. كنتَ أفقرَ جُلاسهم..

وتتابع العمة تيتة حكايتها عن البطريق، وهي تسرد بأسلوبها العذب:

ــ ابتسامة البطريق أمام الكاميرات عيدٌ وطني، وذكرى طهور ابنه مناسبة جليلة. وآخر ظهور لزوجته بفساتينها الجديدة، وهي تستعرضها أمام الجماهير، حدث يفحم الحديث المشوق، وظاهرة من الظواهر الأعجوبة، التي يُذكر بعضُها دون أن يحاط بجملتها. فكلُّ

قولٍ معجزة مشهودة، حيثُ للغة حدودها في التعبير، وحتى البصل يبكي إذا تقطع أمام ناظري البطريق.

*** 

{…. بعد وقت طويل، سوف يسرد على الشيخ ياكتين الشيرازي، كيف هاله ذلك المنظر الذي أبصره في شِعْبٍ ضيق بين الجبال. حين كان يرافق تاجر أغنام في طريقه إلى مدينة نسا، وبينما كانا يسيران في ذلك الشعب الضيق بصعوبة مجهدة. حيث ضيعت الكثبان الثلجية كثيراً من معالم الطريق. همس قتيبة لنفسه:

ــ كأننا كنا نسير بين دفتي كتابٍ يوشك صاحبه على إغلاقه.

فجأة رأى قتيبة ورفيق دربه تاجر الغنم، منظراً أشاع الهول في نفسيهما. فسرت قشعريرة المفاجأة، مختلطة برعدة البرد الذي كان ينخر الأجساد نخراً. فقد رأى في ذلك المدى الذي يستقيم ويلتف، ويهبط ويصعد، جثة امرأة مشنوقة ومعلقة على شجرة.

كانت الأشجار الحراجية توشك أن تخفي منظرها عن المارة والعابرين. وحين روى للشيخ ياكتين الحادث، فيما بعد، أضاف هذه العبارة:

ــ خُيِّلَ إليَّ لأول وهلة وكأنها معلقة في الهواء بين السماء والأرض.. لقد بعثت قشعريرة ورعباً في جسدي.

فاقتربا منها حتى قاربا مشهد جثتها عن كثب. هنالك برزت صورتها كاملة: شجرة

صفصاف مغطاة بالثلج، والغصن الذي تدلى جسدُها منه، كان عالياً إلى حد يبعث على التساؤل: كيف صعدتْ إليه إن كانت قد انتحرت عن قصد؟ أو كيف صعد إليه من شنقها إن كان ثمة من فعل هذه الفعلة؟

بعد لحظات بدا الأمر أيسر تفسيراً؛ فإن من شنقها كان قد عقد الحبل من قمة كثيب مجاور، ثم رماها لتتدلى. فتعاون قتيبة ورفيقه تاجر الغنم ساعة من ذلك النهار، حتى نجحا أخيراً في إنزالها من أعلى الكثيب الذي كانت تتدلى منه، ثمَّ مدداها على الطريق الضيق الذي يسيران فيه. ولم يكن يبدو عليها أيُّ أثرٍ لإصابة أخرى من أي نوع.. وما عدا بضعة خموش ـ كان واضحاً أنها حدثت من أثر مقاومة ضعيفة ـ بقيت على جسدها، ليس سوى قشور متفرقة من الصقيع الذي غطى بعض مساحات جلدها. ويبدو أنّ من شنقها تعمد أن يهتك طرفاً من ثوبها عند أحد ثدييها، أو أنّ انكشافه جاء لسبب غير واضح.

أضاف قتيبة في روايته للشيخ ياكتين:

ــ لم تكن هذه المرة هي الأولى التي أرى فيها جثة امرأة مقتولة. لكنها كانت الأفظع على نفسي. لقد أثارت فيَّ كثيراً من الكمد والألم.

وبعد أن نجحا في إنزالها من علٍ، تعاون هو ورفيقه على دفنها. وعند السؤال الملح عنها

وعن أمرها، وتقصي خبرها، علم بأنها كانت تدعى القهرمانة الحافظة. وكانت موكلة بالجواري الأبكار في قصر الأمير الذي استولى على أملاك كل تلك الضياع بين نسا وأَبْيَوَرْد. وله ابنٌ شابٌ يدعى الأمير سالار البندقي. وقد حاول الابن الشاب اقتحام حرم الجواري الأبكار مراتٍ عدة، فكانت القهرمانة الحافظة تمنعه وتردعه. وتهدده على الدوام بأن ترفع الأمر إلى والده الأمير. فكان يحلف لها الأيمان المغلظة بأنه لن يتجاوز القصد، أو يجترح ما يثير غضب أبيه أو يسبب لها وللجواري أذى وعقوبة.

ولكن تحت ضغطه وإكراهه، استسلمت أخيراً العجوز القهرمانة الحافظة لنزوته ذات ليلة، تحت وطأة التهديدات. وأخذت منه عهداً وأيماناً مغلظة، بأن لا يقرب أية جارية بما يخالف تعاليم والده. وقالت له محذرة: “دونك كل شيء إلا أن تقرب أقفالهن”. فأغوى جارية بكراً لم تكن تزيد عن الخمسة عشر ربيعاً، وافتض بكارتها تلك الليلة. فنُمِيَ الخبرُ إلى أبيه، فما كان من الأب إلا أن عفا عنه وأمر بقتل الفتاة ودفنها، ثم أمر بشنق القهرمانة الحافظة، وتعليقها على شجرة في شِعْبٍ من شعاب الجبال، حتى تأكل الطير والوحوش بدنها المتدلي المعلق بين شعاب الجبل.

أضاف قتيبة:

ــ منذ أن وضحت لي حكايتها، أقسمت أن أتبع ذلك الرجل وابنه، ما استطعت الوصول إليهما، وأن أقتلهما، أحدهما أو كليهما.. من قدرتُ عليه منهما….} 

***

بدا لي في “رِجال”..

وألهَمَنِي:

يجب أن تلاحظَ أنّ هؤلاءِ رجالٌ خفافُ الوزنِ لا قيمةَ لهم. ارتباطهم بالحياةِ مريجٌ هشٌ، وعَقْدُهُمْ مع الموت مشكوكٌ فيه. ويجب أن تُلاحظَ أنهم في دواخلِهم، لا يخجلون كثيراً من الحياة، ولا يتأثرون بأنهم الكائنات الأشدُّ قرباً من العَدَم، ولا يُقْلِقُهُمْ أن وجُودَهُمْ وغيابَهُم يعطي مساواةً بين حاصل وجودِهم وعَدَمِهِ.

ويجب أن تُلاحظَ أنّهم غيرُ عابئين كثيراً، مِن أن التاريخَ لن يَكْتبَ عنهم حرفاً. ربما لأنهُ لم يَلْحظْهُم، ولا آنسَ بهم تَمَيّزاً، وأنهم بشرٌ مثلَ نسائمِ الخريفِ أو ذرات غباره، لا تراها العينُ ولا تسمعُها الأذن.

ولَعَلّ بعضَهم يدركُ، أو لا يدركُ، أنه عارضٌ عابرٌ، كهشيم الأشجارِ اليابس المتساقط في الغابات. أو القش المنداح على قارعةِ طريقٍ ترابيةٍ،  في ممرٍ ضيق وسطَ أشجار حَراجية.

ويجب أن تلاحظ أنهم دوماً مسرورون ومنتفخون. وأنهم دوماً يتمنون موتَ غيرِهِم، لكي يأخذوا حُصّتَهُ المخصصةُ له من أوكسجين الهواءِ في هذه الحياةِ. ويجب أن تُلاحظَ أنهم يسترون تداعيهم، بما يُوهمُ أنها مبادىءٌ وأفكارٌ، وكلماتٌ لها معانيَ في القواميس. وأنهم يتألمون أحياناً من سُعار الكلابِ الذي ابتلوا به، ولا شفاء له، ويتألمون أكثر حين يَرَونَ الشيطانَ ينظرُ إليهم حسداً، ويهزُّ رأسَهُ ويغبطهم مبتسماً، ثم يربتُ على رؤوسِهم ويمضي دونما اكتراثٍ بهم.

ويجب أن تُلاحظَ أنني أريدُ من الجميع أن يقومَ بدوره في هذه الحياة. باستثناء هؤلاء. ويجب أن تُلاحظَ أنهم رجالٌ. بلى إنهم رجال. أمّا أن أكون أكثرَ نصحاً لك، وأن أحزم الكلام والتذكرة،  فالرأيُ والنصحُ مني أن لا تلاحظَهم، حتى لا تُلوثَ دفترَ بصيرتك بمشهدهِم المُقزز، وبما هم عليه. كما يجب أن تُلاحظَ بأن سيدَ المحامين المدافعين عن قضايا الشيطان، ليس الشيطان نفسه، بل قضاياهم عينها.

وألهمني :

طقس العبور التحولي أن تتنصل من عناصر قوتك ، وأن تتبرأ مما تعتقد أنها ميزاتٌ تمتلكها، وتستحقُ أن تُمتدحَ بسببها. فلا تبحث عني في مفردات اللغة ولا تتعرف عليّ بها.. إنك إن فعلتَ، أطلتَ على نفسك المسافة، وأضناك السير.

وألهمني:

طقس العبور التحولي يفضي إلى أن البطولة لا تحتلها الجسمانية، وإنما تتعرف إليها أو تنكرها فيها. إذ ليس الموتُ مهنةً من اختصاصي. وليستِ الحياةُ مهنةً من اختصاص الشيطان، كما تتوهمون.

اترك رد