حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل السادس من رواية (حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور)

أمسكُ المرآة اليدوية بكلتا يديّ، وأنا مضطجعٌ أتهيأ للنوم. يتلاعب بي وسنٌ ثقيل، حتى يطفو السهادُ على ما تبقى من جسدي المكدود من كثرة اللعب. آخر قول سمعته قبل أن أغفو كان صوتَ أمي، وهي تنهرني من مكان بعيد عن فراشي، قائلة:

ــ أُتركْ هذه المرآة الشيطانية من يدك وأنت تنام.. ماذا لو كُسِرتْ وجرحك الزجاج؟

وخلال إطارها المطلي بلون الفضة، وصفحتها النقية الراعشة، أرى الأميرة جلَّنار، وهي تتلفت يمنة ويسرة، باحثة بعينيها عن الفارس شهاب الدين. وفجأة تنظر نحوي وأنا خارج المرآة، وتحركُ سبَّابَتَها داعيةً أن أدنوَ منها أكثر. تقول لي بعبارة صارمة لا تقبل التردد:

ــ سنهرب من هذا المكان أنا وأنت يا محمود. يجب أن نسرع قبل أن يحدثَ ما لا تُحمد عقباه.

أتساءل ببلاهة أطفال:

ــ ماذا تعنين بقولك “ما لا تحمد عقباه”؟

ــ لا وقت الآن للكلام الفارغ.. أدخل إلى قصر الزمردة الذي كنت أسكنه.. تسلل خلسة وحاول أن لا يراك أحد. أحضر خاتمي الذي نسيته تحت وسادتي.. إذهب مباشرة إلى مخدع نومي وإلى فراشي، وانتشل الخاتم بسرعة، وتعال نهرب.

وألِجُ القصر البلوري الشكل، والذي كان محفوراً في تلافيف الزمردة التي تعدل حجم جبل. تهتُ في متاهات القصر. حُجُرَاتٌ لا عدَّ لها ولا حصر، وأدراجٌ نازلة وطالعة. حتى بات يصعب أن اتعرف على مخدع الأميرة جُلَّنار، بَلْهَ أن أعرفَ طريقَ الخروج من هذه المتاهة.

ولاح لي رغيفُ خبز مركون على طاولة خوان فارغة. أدنو منه، فإذا به قطعة كعك لذيذة محشوة بالتمر. هُرِعتُ نحو قطعة الحلوى تلك، وجعلت ألتهمها دون تردد أو مبالاة. فجأة تذكرت الأميرة والخاتم الضائع، فحملت في يدي ما تبقى من قطعة الكعك، وخرجت من المكان مسرعاً.

رأيت الأميرة جلنار لمَّا تزل واقفة تنتظرني في المكان الذي ودعتُها عنده قبل الدخول. وعيناها تقولان أكثر مما تريان. وهجستُ في نفسي مرتاباً: سوف تسألني عن الخاتم الذي نسيته من أصله، فلم أحضره.. لكنها لم تفعل. بل تساءلت:

ــ أين حصتي من الكعكة؟

مددتُ يدي إليها بقطعة الكعك الملتهمة أكثر من نصفها، فنظرت إلي باشمئزاز وريبة؛ كأنما عيناها توشكان أن تقولا:

ــ أكلت أكثرها أيها الـ….!!

ولم تكمل عبارتها المحتقرة. ثم استدارت ومضت مبتعدة عني. فلم أعتِمْ أن رأيتها تتحول نحو بوابة المرآة التي لما أزل أقبض عليها بكلتا يدي، وخرجت من إطارها الفضي، كما يخرج المرء من الباب، مولية مشيحة بظهرها..

قلت في نفسي:

ــ طالما أنها تركت مكانها داخل المرآة وخرجت منها، فلأدخل من بين برواظ المرآة، وأرى ما الذي يمكن أن يراه المرء هنالك في الداخل.

ودخلت في إطار المرآة.

الحياةُ أجملُ مما قيلَ فيها من أقوال. الحبُّ أكبرُ من كلِّ القصائدِ التي وصفتهُ، أو حاولتْ أن تدنو من وصفه، أو خاطرتْ بالاقتراب منه. واللهُ أعظمُ من مضامينِ الكلامِ البشريِّ الذي سعى ليخلُصَ إليه ويستجليه. فأسمعُ صوتَ الألوهة ينادي:

ــ ليس لديَّ ما أقولُهُ زيادةً. فأنتَ أنتَ كلُّ ما يمكنُ أنْ أقول. ليس لديكَ ما تقولُهُ زيادةً.. فأنا أنا كلُّ ما يمكنُ أن تقولَ.. فاخرجْ لوحدِك إلى خلاءٍ من الأرض الواسعة. ونادنِي دون أن تستعينَ بلسانِك. والمسْني دون أن تستعينَ بملمسِكَ. وأبصرني دون أن تستعين بعينيك. فإذا أجابك المشهدُ من حولِـك، فاعلمْ أنَّ لكلِ مشهدٍ سحراً وشاعرية، تتعرف عليها بحواسِكَ. إلا سحري ومشهدي؛ فإنك تتعرفُ عليها بحسِّ الإشارة، لا بحسِّ العبارة..

أجولُ حول ذلك البيت المهجور، الذي يسمونه الخرابة. طالما سألت أختي وصال عنه وعن أسراره الخبيئة، فلم تشفِ ظمأ غليلي بالأجوبة. وخلاصة ما علمت منها، أنه البيت الذي يقيم فيه  الجِنِّي “يوسف الجوال”. وأن يوسف الجوال من الجن المؤمنين، الموكلين بحفظ حارتنا من الأعداء والأشرار.

ــ وهل رأى أحدٌ من أهل حارتنا يوماً، الجِنّي يوسف الجوال؟

فتجيب أختي برسوخ الواثق من القول:

ــ كثيرون من أهل الحارة شاهدوه وتحادثوا معه..

ــ هل يقيم في الخرابة وحيداً فرداً، أم أن له عائلة وأبناء؟

ــ الراجح أنه يقيم وحيداً.. لا أحد يعلم أين تقطن عائلته..

ــ وأنتِ..؟ هل رأيتِهِ بأمِّ العين مرة؟

ــ مرة واحدة.. بعد الغروب بقليل.. لكني لم أُمَيزْ إلا ظلالَ مظهرِهِ المجلل بالسواد.

 ***

{…. بعد أيام وصل إلى مرو.

تعرف على سكير مشتهر يعرفه كل أهل المدينة، ينادونه عباس. كان عباس يتسول في النهار، ويظل يسكر طيلة الليل. فتعلم قتيبة منه حرفة التسول، فكانا لا يُريان  إلا وهما يتسكعان في المدينة معاً. يطرقان البيوت متسولَين، ويجوبان معاً، وهما يجران أسمالهما البالية في أزقة مرو. ولقد ظل قتيبة عائشاً في بيت عباس هذا، حتى أفاق

ذات صباح فوجده قد مات. فقرر الرحيل ومغادرة مرو، بعد موت عباس.

يتنقل دون هدى أو خطة مسبقة في المدن الخراسانية، والتي بات يعرفها ولا تعرفه. الشعور بالغربة أقسى المشاعر التي تعذب الإنسان، فهي تحول تخيلات المرء إلى قسوة غير محتملة. وتجعل جميع الطرق غير محتملة. والإهمال وعدم الاكتراث بشيء يصبح عادة مُلازِمة. حتى ألفى قتيبة نفسه وقد وصل إلى أبْيَوَرْد..

في أبيورد تعرف قتيبة على رجل صوفي ـ أو يدّعي الصوفية ـ يزعم أن روح أبي فرعون الساسي، (وهو من أشهر الشعراء المُكِدِّين البصريين في القرن الثالث الهجري)، قد حلت فيه، فأصبح هو (أبا فرعون الساسي). وهنالك عمل مساعداً له، وخادماً وقائماً بأعمال منزله وشؤون ضيوفه. وكان أبو فرعون الساسي هذا، أو من يزعم أن روح أبي فرعون الساسي قد حلت فيه، شاعراً مشهوراً بين العامة والمكدّين في أبيورد.. كان شاعراً ينشد الأشعار على الدهماء وعامة الناس بأشعار المُكِّدين والمتشردين. 

يدّعي أبو فرعون الساسي الصوفية. ويزعم أن الساسي الذي عاش ومات قبله بعشرات السنين قد عادت الحياة إليه. يُهرّج ويقص القصص. يستجدي ويحتال في الأسواق والمساجد. يروي قصصاً وأشعاراً عن أعلام مختلَقين خرافيين، وعن رحلات خرافية لأماكن لم يسمع بها أحد. (وينظم أشعاراً يمتدح فيها الهريسة ويهجو الرز بحليب، أو

يثني على ليفة الحمام ويذم كيس التفريك.. وقريباً من ذلك شيء كثير..). كما يروي في في إحدى أشهر قصصه التي كان يرويها للناس، أنه حينما مات ودخل جهنم، قابله هنالك ملَـكٌ تعاطف معه ومع قضاياه ودعاواه. وقد روى بأن ذلك الملاك قال له:  

ــ إنك أتعس مخلوق خلقه الله حظاً، وإنه لا أتعس منك في الوجود كله، إلا نعجةٌ في عهد نوح، وجدت مرعىً كبيراً فارغاً، بعد جوع وترحال طويل، وحينما همّت بالأكل جاء الطوفان واقتلعها مع المرعى.

ولقد قال لقتيبة مرة في إحدى رحلات الطريق الطويلة:

ــ ليس كل ما تراه وتسمعه وتألفه حقيقياً وجوهرياً. وليس كل مالا تراه ولا تسمعه أو تألفه مزيفاً وسطحياً. لو كان ذاك كذاك، لكان لغو الناس وثرثراتهم التي لا تنتهي، هي مبنى الحياة ومعناها. ولكان أوكسجين الهواء الذي لا تراه، هو سقط متاعها ونثار غبارها على جنبات الطريق.. 

كما روى للناس كيف كان يُعذب في جهنم، في صحبة أقوام من المشاهير والأعيان. وكيف أنه أتقن الخطابة كلها. فحفظ خطب قس بن ساعدة الإيادي وأشعار أهل الجاهلية من امرئ القيس وزهير. وأشعار أهل الإسلام من الفرزدق، حتى حفظ كلَّ مديحه وهجائه. وتلقى أدب الرسائل من الجاحظ وعبد الحميد الكاتب، وحفظ الأصوات والأغاني وتعلم كل فنون الموسيقا من ابن عائشة والغريض. كما تعرف آداب

الملوك ومجالسها من ابن المقفع. وحفظ غلاميات أبي نواس، ومنه تعلم شعر اللواطة وآدابها، وكذلك استحْفِظَ غزل عمر بن أبي ربيعة كله وحفظه.  

وروى قتيبة فيما بعد، كيف حفظ وتعلم من أبي فرعون الساسي، أو من حلت روحه

فيه، بعض علوم الأولين من أهل الدهرية والإلحاد. ويذكر أنه قال له مرة:

ــ هل يريد الله أن يمنع الشر عن هذا العالم؟ أم أنه غير قادر على ذلك؟ إذن هو ليس كليّ القدرة. هل هو قادر ولكنه لا يريد؟ إذن هو شرير. هل هو راغب وقادر؟ إذن فمن أين أتى الشر؟

وأردف يقول:

ــ هو سؤال أبيقراط القديم منذ أقدم العصور.

ويضيف قتيبة بأنه ـ خلال مكوثه في أبيورد ـ تعلم من أبي فرعون الساسي شيئاً غير قليل من الشعر والفكاهة، ومن فنون الكدية وأشعارها وحيل المُكدِّين. وقد ظل معه حيناً من الوقت حتى انفصلا أخيراً.

ها قد حلَّ شتاءٌ آخر قبل وصول قتيبة إلى بعض بلدات خراسان. على جوانب الطرقات اللاحبة الطويلة، والتي كان يطرقها بصورة عشوائية، رأى بيوتاً كثيرة، مختلفة

البنيان عظيمة الإيوان. كانت تنبعث من الأجواء الشتائية المتلبدة رائحة المطر، ممزوجة بلزوجة الشتاء التي تتغشاها رطوبة خانقة. ثم تبع كل ذلك ندف الثلج الذي تساقط كرياتٍ صغيرة.. الثلج رغم قسوته يحتفظ ويحوز كلَّ آيات الجلال والجمال….}

***

بدا لي في “ائتني”..

وألهَمَنِي:

ائتني في هدأةِ السُّرى أو في جَلوةِ الظهيرة..

 ولا تأتني إن كان لك صديق. ولا تأتني ومعك رفيق. ولا تأتني وأنت ذو نسب. ولا تأتني وفي طيِّ ذكراك حَسَب. ولا تأتني إن كان لك عشيرٌ خليل. ولا تأتني وقد تزودتَ زوادة العشيرة والقبيل. ولا تأتني إن كان لك أمٌّ و أبٌّ. ولا تأتني إن كان لك رب. ولا تأتني إن كان معك مال. ولا تأتني وأنت تطمع في عواقبَ أو مآل. ولا تأتني تُريد الجنة. ولا تأتني هارباً من النار. ولا تأتني لتلقيَ السلامَ وتزوقَ الكلام. فإن جئتَ، فقد جئتَ تنشد رباً. وإن لم تأتِ فقد تَـبِعْتَ قلباً.

وألهَمَني:

إن أتيتني فأنت بادرتي التي بدر منها كلُّ شيء. وإن لم تأتني، فأنت مجرد شيء. فإذا استشعرتَ الخوفَ من مجاهيلي، فقد أسأتَ إلى معاليمي أيما إساءة. مع أنه عندي عزاءٌ لكَ مما تخليتَ عنهُ من أجلي. وقد أحزن حين أنظر إلى العلم والعمل، وأنت تفرحُ حين تنظر إلى العلم والعمل. فلا تنظر إلا حين أنظر.

وألهَمَني:

المعرفةُ كلها طريقي. وطريقي كلها معرفة. فانظر لترَ، ولستُ ضامناً لك أن ترى. وأصخْ لتسمعْ. ولستُ ضامناً لك أن تسمع. وأشرعْ نوافذ قلبك لتعرف. ولستُ ضامناً لك أن تعرف.

وألهَمَني:

إنما الحياةُ بطونٌ تجمع وتدفع، وألسنةٌ تعطي وتمنع، وأيامٌ تخفضُ وترفعُ، فاجعل بيني وبينك رسائل بريد، لا يصلُ إلى فهمها وقراءتها أحدٌ من العالمين. فإذا تبعتَ علمك

تركتني، وإذا تبعت عقلك غادرتني..

وألهَمَني:

المبتهجون دائماً، أغبى عبادي. والواثقون دائماً، أبلدُ مخلوقاتي. فائتني في المخاطرة، فإذا تعفنتِ القلوبُ وجبت المخاطرة. واعلم أن المخاطرة في ساعات الخطر ليست مخاطرة. ولا يجب أن تُسمى كذلك.

اترك رد