حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

سيريا مونيتور ـ معبد الحسون

الفصل التاسع من رواية:

حـيـنَ نُـفِـخَ فـي الـصُّور

كنتُ أراه مساءً عند حلول المغرب، عقب أذان المؤذن..

بعد زوال الغسق الكاذب ودخول العتمة في الغسق الصادق. كنت أراه في كل مرة وهو يتطوحُ بجلبابه، ويُعَدِّل طاقيته بطريقة خرقاء، وبقدمه اليمنى العرجاء والشوهاء، التي يستعين عليها أحياناً بعصاه، وأحياناً بكفه اليمنى التي تسنده أن يتهاوى. وهو يحمل بيده كيساً مصنوعاً من القماش. يغدو به ناحية المقبرة، ويعود بعد هنيهة دونه.

كل يوم كان يمضي مسيرته تلك، لم يكد يتخلف عنها يوماً. قلتُ في نفسي ذات مرة:

ــ أين يمضي بكيسه كل ليلة؟

فأجابتني نفسي:

ــ لا ريب بأنه يملؤه نقوداً يفرغها كل ليلة، في موضع ما، تحت التربة في المقبرة.

وحذرتني أمي قائلةً، كأنها كانت تقرأ بعض نواياي التي بيتتها بعزيمة مصممة:

ــ إحذرْ منه يا محمود.. فهذا الرجل يشيعون بأنه متزوج من الجنّية التي تقطن في المقبرة.

ومن خلف شجرة التوت العملاقة، الرابضة في طرف المقبرة، رأيته يهدي كيس القماش للجنّية المجللة بالسواد والوقار. وهي غضبى من تأخره في الوصول، تصرخ في وجهه مؤنبة بغيظ وقسوة:

ــ تأخرت كعادتك كل يوم.

بينما واجه ثورتها الغاضبة، بتحدٍ باسمٍ، كمن يزف إليها بشرى:

ــ أحضرتُ لك اليوم رأسَ طفلٍ مات للتو، ومعه أقدام فتى، وكِلى وقلب شاب، وقدمي صبية صغيرة..

ثم أضاف:

ــ خيرُ طعامِ المرءِ ما خالط اللحم والعظم..

فسكن غضبُها قليلاً، ولم تزد عن أن قالت محذرة:

ــ لا تتأخر عن موعد حضورك بعد اليوم أيها الـ..

فزفر الأعرج مردداً أغلظ الأيمان المؤكدة، التي لم أستوضحها جيداً، في غشوة العتمة، وبسبب كثرة غناء الجنادب المنتشرة في المكان، وعويل الجنيات من حولنا، وهي تنشج بأغنياتها التي تشبه البكاء المختنق.

***

{…. راحت العاصفة تتراقص على شكل أعمدة مخروطية، وهي تلتف التفافاً رهواً كدوائر نحو كلِّ ما تصادفه. فتصعد أعلى القمم الجبلية، أو تهبط بسرعة قافزة أو متلاعبة، فلا يستطاع سبرُ خطوط سيرها وسمت اتجاهها.

وحين خف بطشُها قليلاً، وهمد فوران حركاتها الدورانية، أخذت تنقشع رويداً رويداً. حتى أخذت الرؤية ـ في كل الاتجاهات ـ تعود إلى سابق عهدها كما كانت قبل. كان في المكان بياضٌ ساطع قوي، كالدهان الأبيض المسكوب في كل اتجاه على مدى الأفق.

انقطع كل صوت حول قتيبة. حتى ذلك الأزيز الخفيف لحشرات لا تُستبان بالنظر، كان يفتقده في تلك اللحظة. وأول ما فكر فيه لهنيهة خلت، هو أن يبحث عن صاحبه متقمص روح أبي فرعون الساسي. همس لنفسه:

ــ العاصفة قتلت كل شيء..

نعم. كانت العاصفة قد قتلت كل شيء تقريباً، مثلما توقع. لم يكن هناك روحٌ أو حركة أو نَـفَسٌ أو ظلال أو شجر أو أثر. بياضٌ دهانيٌّ ساطع فقط، بياضٌ دهانيٌّ معدوم الحياة يطمر السهب بأكمله.

عاد مرة أخرى يردد في سره:

ــ العاصفة قتلت كل شيء..

وخلال ذلك تركت ندفاً صغيرة يصعب تبخرها إلا بصعوبة. 

ــ أهو عالم ما بعد الموت؟

قال في نفسه، ثمَّ راح ينادي شيخه ومعلمه أبا فرعون الساسي، ولكن لم يستجب أحد لصوته.

ــ يبدو أن الرجل قد مات في وطأة إحدى الحفر والوهاد، وغمره الثلج فصار قبراً له. كرر النداء الملحَّ مرات عديدة دون فائدة. وأخيراً قرر، دون إبطاء، أن يتابع سيره نحو خراسان، ولكن بمفرده هذه المرة.

وصل بعد جهد مرير وتعب شديد إلى نيسابور. فلم يجد مأوى يلوذ به من شدة الوعثاء وما عانى من الجوع والتعب. فاهتدى بعد أن تسكع ودار لساعات طويلة في

أزقة المدينة وأحيائها، إلى ماخورٍ للبغاء، يديره قوَّاد مسنٌ اسمه عجرم. ولقد تكشف له بعد أيام تالية مضين، أن هذا القوَّاد ليس له من ملك هذا الماخور شيء إلا الإدارة والتعامل مع الزبائن والنزلاء، وأن مالكته الحقيقية هي إحدى العاهرات الهنديات التي كانت تدين بالديانة الهندوسية. لكنها كانت تفضل أن لا يعلم من شأن ملكيتها للماخور أحد من النزلاء.

وفي العودة إلى فتوحات الهند، التي تكللت جميعها بالنصر للسلطان محمود، فقد ظل السلطان محمود ينتقل ظافراً من قتالٍ إلى آخر، في معاركه ضد الهنود، ومن نصرٍ إلى نصر آخر، حتى كانت من أعظم معارك المسلمين معركة سومنات، التي مهدت الطريق لدخول ملايين من الهنود في الإسلام.

كان السلطان محمود، كلما هدم صنماً، قالت الهنود: (إن هذه الأصنام وهذه البلاد، قد سخط عليها الإله “سومنات”، ولو أنه راضٍ عنها لأهلك من قصدها بسوء). فسأل السلطان محمود عن “سومنات” هذا؟ فقيل له: إنه أعظم أصنام الهنود. فقد كانوا يحجون إلى هذا الصنم ليلة خسوف القمر، فتجتمع إليه عوالم لا تحصى‏.

‏وتزعم الهنود أن الأرواح بعد المفارقة تجتمع إليه. فيبثها ثمَّ يعيدها كما يشاء، في أجسام أخرى. بناء على عقيدتهم في التناسخ. وكانوا يقربون إلى الإله سومنات كل نفيس من

ذخائرهم التي يدّخرونها لكي يعطوها للإله سومنات‏. ‏ويعطون سدنته الأموال الكثيرة والنفيسة‏. فعزم السلطان محمود على هدم الصنم. وقاد جيوشه بنفسه حتى وصل إلى

سومنات في منتصف ذي القعدة.

وبعد عدة معارك ناجحة، واجه الهنود وانتصر عليهم….}

                                                 ***

وألهمني:

بِدعةُ المركب أنه يُخادعُ البحرَ ، وبدعةُ من يركبُ المركب أنه يُصَدقُ ذلك ويصادقُ عليه.

وألهمني:

المركبُ آلة. والإبحارُ به حالة.

وألهمني:

لا تُبحرْ.. إلا أن يُبْحَرَ بكَ. فالبحر حاجةُ المركب ولجاجتهُ، فإذا سحرَكَ المركبُ فاخرجْ مني إليه، وإذا بهرَكَ البحرُ فاخرجْ مني إليه.

وألهمني:

البحرُ تيهٌ وأنا وصولٌ.. فإذا أعوزكَ البحرُ إلى المركب سقطتَ من عيني.

وألهمني:

آفةُ المركبِ أنه يَصِلُ، فلا تصلْ. فإن الوصولَ خاتمة، ومن كان بي وتماهى بحكمتي، صعد فوق الخاتمة وخرج وراءها.. لا إزاءَها.

اترك رد