رحيل طه الطه آخر الوراقين

سيريا مونيتور ـ يوسف دعيس

كان طه الطه رجلاً استثنائياً بكل المقاييس، فمن مراسل في أرشيف مصرف التسليف الشعبي في مدينة الرقة، ومستخدم في نقابة المهندسين مساءً، إلى رجل تحول إلى محور أحاديث الناس في الرقة وسوريا، ومن جامع للجرائد والمجلات والكتب، إلى مؤرشف ودارس لتاريخ الرقة وتراثها، ومن باحث عن الكسر الفخارية والحجارة، إلى مهتم بجمع اللقى والقطع الأثرية النادرة، طه الطه لم يكن في يوم من الأيام مجرد عابر بهذا الكون المترامي الأطراف، بل أراد أن يكون فاعلاً ومؤثراً في حياة الناس وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم، أولى الخطوات كانت مع متابعة ما يُكتب عن الرقة ونهر الفرات، والتاريخ الحضاري لوادي الفرات ووادي البليخ والبادية السورية، ثم توثيق وأرشفة إنتاج المفكرين والأدباء والفنانين في الرقة، ثم توسعت الدائرة لتشمل النتاج الأدبي والفني السوري ثم العربي، أنشأ متحفاً خاصاً أسماه متحف طه الطه، يضم مكتبة ضخمة تحتوي آلاف الكتب والمراجع، والمجلات والجرائد اليومية والأسبوعية، والجرار والأواني الفخارية والقطع الأثرية، وكسر الفخار التي تدلل على تاريخ وادي الفرات الحضاري، ومئات اللوحات الفنية التشكيلية والصور الضوئية، ثم أقام معرضاً فنياً سنوياً، يشارك فيه العديد من الفنانين والأدباء، جرى فيه تكريم أدباء وفنانين وباحثين في الأثار والتنقيب الأثري.

طه الطه مات في أورفا التركية بعيداً عن الرقة وفراتها، الرقة عشقه الأبدي اللامتناهي، ولا عجب أن يموت في اليوم ذاته الذي كان يقيم معرضه الفني السنوي، ولا عجب أن يموت غريباً، فقد دفن في مقبرة أسلافه، فأجداده ينحدرون من أصول أورفلية بعيدة، مات طه شوقاً وحباً لحياة لم ينل منها إلا القليل، لم يكن في يوم من الأيام طارئاً، بل كان رجلاً بمائة وأكثر، كان استثنائياً بكل المقاييس، فقد استطاع على مدى سنوات طويلة أن يؤسس لحالة ثقافية فارقة، تجرأ فيها على راحته ومستقبل عائلته، فحلم بناء المتحف جاء على حساب البيت الذي تقطنه العائلة، والبيت الذي يأوي العيال تحوّل إلى مؤسسة ثقافية، تعجز مؤسسات عن متابعة ما يقوم به، وما يقدمه للمجتمع.

لطه الطه الوراق الأخير، محاولات أدبية كتب من خلالها الشعر والقصة والرواية، يعمل بصمت، يصغي كثيراً وقلما تراه يناقش، ومن النادر أن تراه متشنجاً أو عصبياً، كان يميل إلى الهدوء والرصانة، لا يتحدث إلا بما هو مفيد، مستمع جيد، وقارئ نهم، رغم أنه لم ينل من التعليم إلا الجزء اليسير، وكما يدين للرقة بالحب، فلأهل الرقة دين لهذا الرجل الذي أفنى سنوات عمره في خدمة تراثها وتاريخها الحضاري، فمعه تعرفنا على مواقع الرقة التاريخية وأوابدها وإرثها الحضاري، ومعه أيضاً تعرفنا على بعثات التنقيب الأثرية، ومشاريع الماجستير والدكتوراه التي تختص بتراث الرقة ووادي الفرات ووادي البليخ، وكنوز بادية الرقة.

أخبار طه الطه لا تنتهي، وأفكاره الإبداعية تلاحقنا في حلنا وترحالنا، وتمخضت في يوم من الأيام عن إحياء رحلة من توتول إلى ماري، التي تحاكي زفاف الأميرة شيبتو ابنة ملك حلب من الأمير زمري ليم أمير ماري، رحلتها عبر الفرات من إيمار إلى (توتول) الرقة ثم إلى ماري، وأيضاً تحاكي رحلة الكولونيل البريطاني تشيزني عام 1835، بتمويل من التاج البريطاني لإعادة استثمار الفرات في النقل النهري، وتهدف رحلة من توتول إلى ماري التي أطلقها طه الطه مع مجموعة من الباحثين والأدباء والإعلاميين والفنانين لإعادة اكتشاف حضارة وادي الفرات، والتعرف على أوابده التاريخية، وتوثيق عادات وتقاليد أهل المنطقة، ودراسة تطوير المنطقة اجتماعياً واقتصادياً وسياحياً، واستخدمت في الرحلة سفن بدائية تم تصنيعها محلياً.

آخر أعمال طه الطه، كانت في أورفا التركية، حيث أعاد الوراق تجميع ذاته، والبدء بتوثيق كل ما يخص الرقة وأورفا، وقد قام بتحويل المسكن الذي يقطن فيه (كان اسطبلاً للخيول)، وأعاد ترميمه، وبعث الحياة فيه من جديد، ليعود إلى سيرته الأولى من دون كهرباء، ولا أي وسيلة حضارية للحياة، لكن إرادة الإنسان تصنع المستحيل، فالموقع الذي كان اسطبلاً عادت إليه الحياة على نحو مغاير في طريق الثقافة والفن، لكن هذه المرة على نحو أكثر صمتاً وأقرب إلى روح المتصوف القابع في كهف بمنأى عن الناس وضجيجهم.

طه الطه من مواليد مدينة الرقة عام 1947 عاش في الرقة طويلاً، وفرّ منها، بعد أن سيطر عليها الغربان السود بما يحملون من أفكار وتشدد، اختار أن يموت غريباً على أن يموت بين يدي الدواعش الذين أحرقوا متحفه وما يحتويه من كنوز، وهكذا طوى صفحته الأخيرة في مدينة أورفا التركية، يوم الأحد 27/9/2020 ودفن في مقبرة العائلة (الدامر قول). 

اترك رد