سحرية الرواية والقصة والقصيدة الرقية بين الوراثتين الجينية والبيئية (2)

أحمد خميس

يقول الروائي والمفكر السوري معبد الحسون: إن القصة ابنة القرية، والرواية ابنة المدينة مستشهداً بتشيخوف الذي كتب الأولى، وبديستوفيسكي الذي كتب الثانية، مؤيداً ذلك بالتفاصيل والتعقيدات التي تتخلل المدن، وهي التي تثري خيال الروائيّ الذي يعتمد في بنائه على الجزئيات، والانتقالات الثقيلة بطيئة الخطى.

على عكس القصة التي يُبنى هيكلها صغيراً بهيئته، غنياً بطرحه ومكثّفاً بأفكاره. (بتصرف) وعلى الرغم من أهمية هذا القول إلا أنني أتفق ولا أتفق معه بالمطلق، لكن دعونا نعتمده نقطة مرجعية أُولى، وحجراً نبني عليه مقالاتنا. لا يخفى على الكثير منا أهمية <<الرقة>> كمدينة على القصة كمنتج أدبي وريادتها لهذا المجال ولعقود طويلة؛ حيث تناقل أبناؤها مشعل الحكاية، والنص القصصي من “خليل جاسم الحميدي” و”ابراهيم الخليل” و”عبد السلام العجيلي”، إلى “موسى عباس” و”يوسف دعيس”و “محمد الحاج صالح” و “أيمن ناصر”. بداية .. فعل الكتابة : هو وجهة نظر ورؤية الكاتب للأشياء، والأحداث، والمواقف من حوله، وانتقالها من الانطباع فالملاحظة فالإحساس، إلى أن تتحول إلى قضية مدوّنة تصوغها مخيلة مرتكزة على جذرها الأول.

هذه الرؤية التي تتشكل بفعل الضمير العام، وتساهم بتشكيله في نفس الوقت حيث تمنحه وتضيف إليه بقدر ما تستمد وتستلهم منه. <<القصة الرقية>> كمفهوم لم تخضع لفعل الكتابة وأدواتها بالمعنى الدقيق؛ أي عبر مؤسسات نشر وتوزيع، ولا لإعادة تدوير حقيقية حيث تخرجها من الإطار الاجتماعي الضيق إلى الفضاء الأرحب؛ فضاء التعريف وتحديد الهوية العامة لهذه المنطقة الجغرافية الأمر الذي جعل ملامحها ضبابية ولن نقول مشوهة وذلك لأسباب عديدة لسنا بصددها، لكن قد تتقدمها الأسباب السياسية التي كانت تثخن بقبضتها على مكان ما دون سواه، وتكيل بمكيالٍ مثقوب غالباً، أو لأسباب أعمّ وتتحمور حول شعور كتّابها الذين آثروا طرح وتناول القضايا الكبرى التي عاصروها وعانوا منها. وبما أن الأدب هو الإطار الفني للجرح كما يقول “موسى عباس” دأب كتّاب الرقة إلى تأطير جراحهم التي عانوها من النكبة إلى النكسة و(حرب تشرين)، وما رافق ذلك من توترات عاشتها المنطقة العربية وسيطرة الأفكار القومية التي غذتها سياسة الحزب الواحد، وتأثّر كثير منهم كغيرهم على امتداد الجغرافية السورية بهذه الأفكار والرؤى؛ فكانت “الحب والنفس” و “بنادق لواء الجليل” (قصص) للراحل عبد السلام العجيلي إبان النكبة و”قلوب على الأسلاك” (رواية) أيام الوحدة السورية المصرية. ورغم قلتها إلا أن الميثولوجيا الرقية كانت حاضرة في الأدب حضوراً بهياً فريداً؛ سواء في سرديات” أحمد ظاهر” وأشعاره الشعبية منها والفصيحة، وكذلك في أدبيات” ابراهيم الجرادي” واستخدامه للمفردة التي تلفظ عن نفسها غبار المحكية إلى الفصحى الجلية.

يقول الشاعر والفنان التشكيلي” أحمد ظاهر” في قصيدته “جَمَل غيده” من ديوان غزالة الماء ” أدري يسابقكِ الحنين إلى الفرات .. لتسكبي .. عطر العذارى في حقول الماءِ ذياكَ المساءْ.. أدري بهودجكِ الحزين يسامرُ الليل المغامر في إنتظار الفجر .. في وله النساءْ ( غيده ) أما آن الأوان ليفرحَ الجملَ الذي من دون كل جِمال خلق الله يرفلُ بالبلاءْ .. الله كم مكثتْ دموعكِ عند أبواب الذي باع البلاد بسكرةٍ ومضى يدندن في انتشاءْ ( غيده) على درب ِالرجوعِ تسائل الطُرّاق عن هذا الخواءْ…. ( غيده) جِمال الناسِ حنّتْ من حنينكِ في البكاء “.

وهنا نلاحظ اتكاء الشاعر على الأسطورة والحكاية، وتطويع الموروث في خدمة النص الحديث، والعودة إلى الصدر الأول والمخيلة الجمعية للبيئة التي انحدر منها في موازنة أدبية خلّابة وانعكاس الماضي في مرآة الجديد ليخلق كياناً شعرياً يطفو على براءة طفل ودهاء شاعر. كذلك فعل الدكتور” موسى عباس ” في قصة ( الجن لا تسكن مدينتي) من مجموعته القصصية” العبور إلى مدين” وهنا يعود الكاتب إلى المصب و الذاكرة الأولى التي تبلورت من خلالها رؤيته للجانب الموحش في ذاكرة ذلك الطفل الذي يخشى الخرائب حيث شخصية الهرط والحنفيش والعفاريت والسعالي التي ذخّرت مخزن الخيال لدي الكاتب فعاد إليه حينما قادته قصته وشعريته.

اترك رد