طفل سوري يفارق الحياة وهو ينتظر إعادة التوطين في بريطانيا

إندبندنت – ترجمة: ربى خدام الجامع

أصبح الضعفاء من اللاجئين، وبينهم أطفال معاقون، ممن حصلوا على موافقة لإعادة توطينهم في المملكة المتحدة بعد قدومهم من دول الشرق الأوسط، يفارقون الحياة خلال فترة الانتظار التي تمتد لسنوات، وذلك قبل أن يجري نقلهم إلى المملكة المتحدة. إذ بحسب ما أوردته منظمة الأمم المتحدة، مايزال أكثر من ألفي لاجئ سبق أن حصلوا على قبول ضمن برنامج إعادة التوطين في المملكة المتحدة ينتظرون إجراءات نقلهم إلى هناك، التي قد تمتد لسنين بعد حصولهم على القبول.

وهناك حالات عديدة حدثت فيها وفاة أو أصبح فيها اللاجئ على شفا الموت، بسبب تأجيل دوره بالقدوم لفترة طويلة من الزمن، وذلك نظراً لسوء الظروف التي يضطر فيها اللاجئ للعيش ضمن منطقة ما.

فقد توفي منذ مدة قريبة في بيروت، وتحديداً في شهر شباط الماضي، طفل سوري عمره 13 عاماً يعاني من إعاقة شديدة، واسمه فراس، بعدما حصل على وعد بإعادة توطينه في المملكة المتحدة وذلك في عام 2018، بعدما حذرت أسرته من عدم قدرتها على تحمل نفقات الرعاية الطبية التي يجب أن يتلقاها، أو تأمين الغذاء أو الملابس الشتوية للأسرة، أو حتى الكهرباء لتدفئة المنزل الذي تقيم فيه.

ولهذا قامت صحيفة الإندبندنت برفع قضية هذا الفتى مع قضايا أخرى مماثلة لوزارة الداخلية البريطانية، وكذلك فعلت شركة قانونية بريطانية تقوم بتمثيل اللاجئين في المحاكم، إلا أن وزارة الداخلية رفضت حتى اللحظة التعليق على الموضوع.

طرق آمنة وقانونية

هذا وقد تواردت أنباء وفاة فراس التي وصفها أحد النواب بأنها: “فضيحة بكل معنى الكلمة” في الوقت الذي تتعرض فيه المملكة المتحدة للمزيد من الانتقادات بشأن الخطوة التي اتخذتها لتأمين غطاء قانوني للتعديلات الجديدة التي طرأت على قوانين الهجرة واللجوء والتي أثارت لغطاً وجدلاً كبيراً، حيث انتقدتها هيئة الأمم المتحدة ووصفتها منظمات حقوقية أخرى بأنها “عنصرية”، كونها تتعارض مع اتفاقية اللاجئين المتعارف عليها.

إذ بموجب تلك القوانين، يصبح بإمكان الحكومة البريطانية “ترحيل” طالبي اللجوء وفقاً لاتفاقية عقدت مع دولة تقع في وسط أفريقيا، ألا وهي رواندا، كما يبيح هذا القانون تجريم أي شخص يصل إلى البلاد عبر طريق غير نظامي، مثل عبور بحر المانش بقارب صغير.

ولقد دافعت وزيرة الداخلية بريتي باتيل عن مشروع قانون الجنسية والحدود الذي اقترحته، حيث ذكرت أمام مجلس العموم خلال الأسبوع الماضي بأن الحكومة سعت لإجراء تغييرات لمنع تهريب البشر، وذلك بهدف تأمين “طرق آمنة وقانونية للنساء والأطفال والعائلات”.

إلا أن حالات التأجيل المزمنة بالنسبة لعملية تأمين تلك “الطرق الآمنة والقانونية” جعلت الشعوب المستضعفة تدافع عن نفسها بنفسها، بالرغم من العواقب الكارثية التي حملتها تلك النتيجة في بعض الأحيان.

انتظار بلا نهاية

يحدثنا عمر والد فراس من بيروت عما جرى، فيقول: “لا حدود ليأسي، فقد خاب أملي إلى أبعد حد بعد كل ما حدث لي ولأسرتي، وعندما توفي فراس، فقدت قطعة من قلبي”

فقد حصلت تلك الأسرة على موافقة لإعادة توطينها في بريطانيا في عام 2018، ولكنها بقيت تنتظر أي خبر عن موعد الانتقال طوال أربع سنوات، بالرغم من وفاة فراس خلال مرحلة الانتظار.

إذ بحسب التقارير الطبية فإن فراس كان يعاني من شلل دماغي، وقد دخل المشفى في بيروت بعدما تورم خده الأيمن، وتطورت حالته لتصبح ضيقاً في التنفس ومن ثم التهاباً رئوياً، ليفارق الحياة أخيراً بعد أقل من أسبوعين على دخوله إلى المشفى.

يعتقد عمر بأن فراساً توفي بسبب الظروف التعيسة التي اضطر للعيش فيها.

فقد نزحت أسرته بسبب القصف العنيف على سوريا، حيث هربت إلى لبنان الذي يعاني من أسوأ أزمات اقتصادية في التاريخ المعاصر. إذ منذ عام 2020، خسرت العملة اللبنانية أكثر من 95% من قيمتها، وهذا ما أدى إلى ارتفاع هائل في أسعار الأغذية، كما اضطرت الحكومة اللبنانية التي أصبحت تعاني من ضائقة مالية إلى رفع الدعم بنسب كبيرة عن مواد كثيرة، وهذا يعني زيادة أسعار الأدوية بنسبة وصلت إلى خمسة أضعاف، مع شح كبير في توريد معظم المواد والسلع، ناهيك عن انقطاع الكهرباء التي لم تعد تصل إلى البيوت سوى ساعتين باليوم.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن عمراً، الذي لم يتمكن من إيجاد عمل، غدا غير قادر على تحمل نفقات المعالجة الطبية الكاملة التي يجب أن يتلقاها فراس، وكذلك الأمر بالنسبة لتأمين ما يكفي من الغذاء له، إذ يخبرنا هذا الرجل بأن أسرته تعيش اليوم على كيس من البطاطس نظراً لنفاد بقية أنواع الأطعمة الصالحة للأكل لديها، كما أصبح عليهم أن يتركوا البيت الذي يعيشون فيه، بسبب عدم قدرتهم على دفع بدل الإيجار.

وهنا يبث عمر همومه بالنسبة لمصير ابنته بتول، 12 عاماً، التي تعاني هي أيضاً من شلل دماغي وتحتاج إلى دواء لا يستطيع عمر تحمل نفقاته، ولهذا يقول وكله يأس: “لا أستطيع أن أجد الدواء، كما أنني بلا عمل، ولست أفهم سبب كل هذا التأخير والتسويف بحق أسرة لا تستطيع أن تؤمن قوتها اليومي… أرجوكم، لقد تعبنا أنا وأسرتي من الانتظار، كما أن بتول بحاجة لمعالجة ورعاية بسرعة، أرجوكم”.

بات من الواضح بالنسبة للجميع كيف تم تأمين سكن أخيراً لأسرة عمر في المملكة المتحدة، إلا أن ذلك لم يحدث إلا بعد وفاة فراس، كما لم يتم تحديد تاريخ واضح لموعد انتقالهم إلى هناك.

<p>Hanan and her family sit on the floor of one of the two rooms they live in</p>

أسرة فراس وهي تفترش الأرض في البيت الذي تقيم فيه

يأس قاتل

ثمة حالات أخرى وعدت فيها أسر أخرى بإعادة التوطين، ولكن توفي فرد من أفرادها خلال فترة الانتظار، فسارة، البالغة من العمر 36 عاماً، وهي سورية كردية، ماتزال تنتظر موعد إعادة توطينها منذ عام 2020، بالرغم من أنها باتت على شفير الانتحار، وذلك لأنها أصبحت عاجزة، كونها تعاني من آلام مزمنة، وهي بحاجة إلى كرسي متحرك، لكنها غير قادرة على تأمينه حيث تعيش في كردستان العراق، كما أن الرعاية الطبية المخصصة لها غير كافية، وعن وضعها تحدثنا فتقول: “لا يمكنني أن أمشي بشكل جيد، بل أحتاج إلى كرسي متحرك، وليس لدي هذا الكرسي بكل تأكيد، ولهذا أمضي معظم وقتي في السرير، ونادراً ما أتحرك، لكني لم أعد أحتمل هذا الوضع، فقد فقدت الأمل ولم يعد لدي مستقبل، كما أنني لا أعمل، ولهذا فإن حياتي متوقفة على سفري إلى بريطانيا، وهذا ما يجعلني أحس بيأس شديد”.

“غيض من فيض”

تحدثنا حنا باينيس، من شركة “محامو دانكان لويس”، وهي المحامية التي تمثل كلاً من عمر وسارة بأن هذه القضايا ليست قليلة، إذ خلال هذا العام، مثلت تلك الشركة 27 أسرة سورية مقيمة في لبنان، وفي شمالي العراق، وفي الأردن وتركيا، وكل تلك الأسر تنتظر موعد سفرها منذ أن تمت الموافقة على إعادة توطينها في المملكة المتحدة قبل سنوات.

وتخبرنا باينيس بأنها تدرك بأن بعض اللاجئين يفارقون الحياة خلال فترة انتظار موعد الرحيل، لكنها تخشى أن يكون ذلك مجرد “غيض من فيض”، ولهذا امتنعت عن الإدلاء بتفاصيل محددة حول قضايا أخرى وذلك لأسباب قانونية.

إذ تخشى تلك الشركة القانونية من عدم تقدير وزارة الداخلية البريطانية للوضع الطارئ لأسرة عمر بشكل كامل، وكذلك الأمر بالنسبة لسارة التي داهمها اليأس، وهذا ما دفع تلك المحامية للقول: “أصبحنا نقلق بشكل أكبر على سارة لأنها باتت على شفير الانتحار، بعد تدهور حالتها النفسية، وفقدانها لأي أمل خلال فترة التشكيك بمسألة إعادة توطينها في المملكة المتحدة”.

“نظام لجوء عادل وصارم”

يذكر أن صحيفة إندبندنت حاولت أن تتواصل مع وزارة الداخلية البريطانية للتعليق على عمليات التأخير بحق حالات إعادة التوطين، حيث طرحت حالة عمر وفراس وسارة على وجه التحديد، كما أخطرت الوزارة بوفاة فراس، إلا أن مسؤولي الوزارة رفضوا التعليق على الموضوع، وتحججوا بأنهم يرفضون الحديث عن حالات فردية، لكنهم اعترفوا بأن العملية يمكن “أن تستغرق وقتاً وذلك حتى يتم إيجاد سكن مناسب يفي بالاحتياجات المحددة لتلك الأسر الهشة”.

في حين أكد أحد الناطقين الرسميين على أنه للمملكة المتحدة “تاريخ طويل في دعم اللاجئين ممن هم بحاجة إلى حماية، إذ منذ عام 2015، قمنا بإعادة توطين أكثر من 26 ألف لاجئ قدموا عبر طرق آمنة وقانونية مباشرة من المناطق التي تسودها نزاعات وانعدام للاستقرار، أي أن ما قدمناه كان أكبر مما قدمته أي دولة أوروبية أخرى. إذ بمجرد أن تحصل الأسرة على قبول من قبل السلطات المحلية، عندها يتم إجراء الترتيبات لاستقدامها إلى المملكة المتحدة في أقرب وقت ممكن عملياً. أما خطتنا الجديدة بالنسبة للهجرة فستقوم بإصلاح ما فسد من نظام اللجوء، بحيث يصبح عادلاً وصارماً في الوقت ذاته، أي أنه يساعد المحتاجين حقاً ممن قدموا عبر طرق آمنة وقانونية، مع منعه لمن يقومون بخرق تلك المنظومة”.

غير أن هذه الخطة الجديدة أثارت جلبة ولغطاً بين صفوف النواب الذين أصابهم الذعر بسببها، إذ يصف النائب ستيوارت سي ماكدونالد من الحزب القومي الأسكوتلندي بقاء أسرة عمر منتظرة لموعد سفرها بالرغم من وفاة فراس بأنها: “فضيحة بكل معنى الكلمة”، ويضيف: “إن ذلك يظهر مدى ابتعاد فكرة وجود “طريق آمن وقانوني” عن الواقع بالرغم من ورودها في قلب خطة الهجرة الجديدة، في حال عدم تمكن بريتي باتيل من تسليم الأماكن المتوفرة القليلة حتى الآن”.

أما النائب المحافظ ديفيد سيموندز فقد وصف حالة فراس بالصادمة، وقال: “ينبغي على وزارة الداخلية أن تكون في موقع يخولها مساعدة هؤلاء الأشخاص في أسرع وقت ممكن”.

“تخلٍّ مخزٍ”

يذكر أن خطة إعادة توطين المستضعفين البريطانية التي انتهت في آذار خلال العام الفائت، التزمت باستقبال 20 ألف لاجئ من سوريا خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2015-2020، وحلت محلها خلال شهر شباط الماضي خطة إعادة التوطين في المملكة المتحدة، التي تعهدت في بداية الأمر بإعادة توطين خمسة آلاف لاجئ من دول بينها سوريا وأفغانستان والسودان خلال سنتها الأولى.

بيد أن وزارة الداخلية حادت عن ذلك الهدف عندما أعلنت عن بقاء تلك الأعداد ضمن مرحلة المراجعة والتدقيق، وهذا ما أثار قلق الجمعيات والمنظمات الخيرية في المملكة المتحدة، وكذلك بين صفوف النواب في البرلمان ووكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، إذ تظهر إحصائيات الحكومة البريطانية حصول 1131 شخصاًَ فقط على حق الحماية من خلال خطط إعادة التوطين خلال الفترة الواقعة ما بين شهري آذار وكانون الأول من عام 2021.

فقد صوتت الحكومة بالرفض على تعديل مشروع ذلك القانون الذي قدمه مجلس اللوردات، والذي يهدف إلى طرح خطة إعادة توطين عالمية، تلتزم بجلب 10 آلاف شخص إلى بر الأمان سنوياً. كما رفض مجلس العموم خلال هذا الشهر النسخة المعدلة من مشروع القرار الساعي لوضع هدف محدد بالأرقام بالنسبة لإعادة التوطين.

وهذا ما أثار المزيد من المخاوف بالنسبة للتغيرات المقترحة الموجودة ضمن مشروع قانون الجنسية والحدود الذي قدمته الوزيرة باتيل، إذ عبر نواب عن قلقهم حيال ترحيل لاجئين إلى رواندا قبل تأمين حماية مناسبة لهم، وهذا ما دفع فيليبو غراندي رئيس مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى أن يعلن خلال الأسبوع الماضي بأن مشروع القانون الجديد “لابد وأن يضعف حماية اللاجئين إلى حد كبير”، ومن المرجح له أن يحرم اللاجئين من حق التقدم بطلب لجوء في المملكة المتحدة.

وقد وصفت منظمة العفو الدولية تلك الخطوة بالعنصرية، كونها: “ترمي باتفاقية اللاجئين عرض الحائط”، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على “تخلي المملكة المتحدة بشكل مخز عن مسؤوليتها تجاه اللاجئين”.

 

في حين ذكر النائب ماكدونالد بأن مشروع القانون الجديد يقلص حق لم شمل العائلات، كما وصف خطة رواندا بأنها: “مريعة بشكل يثير الاستغراب إلى أبعد حد، كونها تستهين باتفاقية اللاجئين بشكل كلي، كما أنها ستكلف مبلغاً طائلاً من الأموال في حال إقرارها، إلى جانب تقويضها لنظم حماية اللاجئين الدولية”.

أما النائب سيموندز فقد أعلن أنه “يدعم مشروع القانون من حيث المبدأ”، كونه يسعى لمنع تهريب البشر، إلا أنه ذكر بأن الحكومة لم تخصص ما يكفي من الموارد حتى يكتب النجاح لتلك العملية، وهذا ما دفعه للقول: “يجب على الحكومة الاستثمار بشكل كبير في الإمكانيات المخصصة لتلك القضايا، وذلك لأنها تستغرق وقتاً طويلاً جداً من الزمن. لذا إن أردنا أن نظهر إدارتنا القوية لحدودنا، عندها ينبغي علينا أن نكون قادرين على اتخاذ قرارات بهذا الصدد، أما حالياً، فتحتاج تلك العملية لوقت طويل”.

<p>The run-down neighbourhood of Beirut where Firas lived with his family</p>

حي تعيس من أحياء بيروت عاش فيه فراس برفقة أسرته

وبالعودة إلى محامي شركة دانكان لويس، يخبرنا هؤلاء المحامون بأن المشكلة تتمثل بحالات التأجيل والبيروقراطية التي تعتري نظام إعادة التوطين الذي يعتمد بشكل كبير على السلطات المحلية التي يترتب عليها تأمين الموارد والسكن والدعم للأسر الوافدة إلى المملكة المتحدة، وتعلق المحامية باينيس على ذلك بقولها: “تلك هي “الطرق الآمنة والقانونية” التي يدافع عنها مشروع قانون الجنسية والحدود، إلا أن وفاة فراس أكدت بأن تلك الطرق بعيدة كل البعد عن كونها آمنة، وذلك لأن التأجيل غير المنطقي يعرض اللاجئين الضعفاء لظروف مؤقتة متقلقلة”.

المصدر: إندبندنت

اترك رد