فوضى اللامركزيات السورية

محمد صبحي

في خضم التجاذبات الدولية ولعبة السباق نحو إثبات مصالح الدول المتصارعة على النفوذ في سوريا تبرز اللجنة الدستورية كورقة بيد اللاعبين الاقليمين والدوليين، فيتم السعي دائما للقفز على القرارات الدولية وتحويل مسارات التفاوض في جنيف إلى مسارات فرعية، بالاستفادة من وقائع السيطرة العسكرية التي تشكلت على الأرض، و بهدف تضمين رسائل سياسية ومشروعات ذات أهداف محددة بين لاعبين يدعمون ميليشياتهم بغية التحكم بالعملية السياسية وسيرها، ومجرياتها الوهمية، المتمثلة في مواقف النظام والمعارضة على حد سواء.
إن أهم مايخسره المجتمع السوري في هذا الواقع المتخم بالجولات، والتفاهمات، والاتفاقات، هو خسارته لقواه الذاتية وتعميق إحساسه بالعجز المطلق لحساب تفتيت الهوية السورية، وتحويلها من هوية جامعة إلى هويات فرعية يمكنها الاتفاق، أو التقاتل متى شاءت محركات الصراع الدولية والاقليمية.
ولايغير من واقع الحال، تصريحات او تلميحات نسمعها على الدوام من مسؤولين، ودبلوماسيين، وسياسيين، غربيين، وامريكيين، وروس حول اقتراب مصير النهاية للنظام ، أو بالأحرى مصير الأسد، والتلميح إلى تغيير قريب يضمن عملية انتقال سياسي ترسم الطريق لمستقبل سوري بدون الأسد، لكن الطابع الذي يميز كل هذه التصريحات، انها لاتتعدى من كونها ذر للرماد في عيون السوريين الذين أنهكتهم الصراعات وباتوا يفضلون أي بداية لحل سياسي كيفما اتفق ولو جاء هذا الحل منقوصا.
آخر أشكال المناورة السياسية التي يجريها النظام على لسان مسؤوليه ويتم التغاضي عنها في كواليس الديبلوماسية الدوليه، رفضه لأي عملية انتقال سياسي تفضي إلى تغيير النظام، وهي من وجهة نظر تحليلية ليست إلا مجرد تلبية لتناقضات المصالح الدولية التي يحافظ عليها او يمثلها بقاؤه، وأهمها الوجود الأضعف لدولة سورية فاشلة، فلا هي قادرة على انهاء الصراع الداخلي، والخارجي، على أرضها والنهوض بشعبها بما تبقى من المقدرات والموارد، ولاهي قادرة على مجابهة الاحتلالات التي أفضت إليها حالة الفوضى والتدخلات التي زعمتها هذه الدول بذرائع شتى تصب جميعا في حالة الشراكة المصلحية مع النظام أفضت إلى رغبات الجميع في تنشيط الثورة المضادة وانهاء الثورة التي تطالب باسقاط النظام ومطلبها المحق في التغيير نحو الحرية والكرامة والديمقراطية.
ويمكن الاشارة في هذا الصدد، أنه لم يتم الاكتفاء بتحريض ورعاية الثورة المضادة، وإنما تم تحميل أوزارها على الثورة الحقيقية، لتحقيق شعارات رغب بها المجتمع الدولي، والسعي للحفاظ على توازن بين القوى المتصارعة، في تحقيق معادلة لاغالب ولامغلوب في سوريا.
والعجب العجاب الذي بات يحيرنا نحن السوريون، ان ذات الغرب المناصر لحقوق الانسان والديمقراطية، لايتوانى أبدا عن اي استغلال يمكن هذا الغرب من النفاذ إلى مصالحه عبر تدخلات ميدانية، تتخذ من المفاوضات والتحكم بالميليشيات باعتبارها وسيلته الناجعة، لجعل هذه الحقوق متكأ تستند إليه مواقف الدول البعيدة، أوالقريبة من الصراع السوري.
وحين يتم طرح اللامركز ية كواحدة من النظم الادارية، في مناطق النفوذ من خلال جغرافيات محددة، يتم فيها توجيه الإدارة المحلية، او الذاتية، لتوفير الخدمات بدرجات متفاوته ويتبع هذه الادارة أو تلك نظام قضائي، وشرطة، وميليشيات تؤمن السيطرة وفق حدود هذه الادارات، فإنها الخطوة الفعلية استنادا إلى السيطرة كأمر واقع، وهي مازالت ذات قواعد واساسيات بائسة لممارسة اللامركزية بمعناها الواسع والفوضوي، والقاهر، لإرادة المجتمع المحلي. والذي يفترض ان تكون هي المنشأ الحقيقي والمبرر لوجود هذه الادارات اللامركزية، ووفقا لإرادته الحرة.
ان مايجري من تطبيقات قسرية لأشكال اللامركزية وضدا من إرادة المجتمع، لايمكن فهمه او تحليله بمعزل عن محركات اقليمية ودولية تحاول السيطرة كليا على ارادة المجتمع السوري وتوجيهه الجهة التي يراد منها تحقيق المصالح لكافة الدولة المتدخلة في الشأن السوري.
حين أقرت اللجنة الدستورية وتم ترويج حقيقة مبنية على الوهم، مفادها بأن التعديلات الدستورية كافية، بعدما تم المرور بسلسلة من الاجراءات المنحرفة وتم اختزال الانتقال السياسي أخيرا بهذه السلة.
فإلى متى سيطول هذا اللعب في أروقة التفاوض وماذا تكسب المعارضة من هذا التماهي مع النظام في اجراءات متتالية الفشل؟
للخروج من الوهن السياسي لابد من أن يمتلك، السوريون زمام المبادة، بتدعيمهم للتماسك الداخلي والبحث عن مخارج أخرى تتضمن كل الأشكال المتاحة والمشروعة في امكانية الوصول الى حقهم، ولن ينقذهم سوى المطالبة بايقاف هذه المهزلة التفاوضية بكل اشكالها، وترك النظام يواجه ازماته ومصيره لوحده لنرى ماإذا كانت الإرادة الدولية قادرة على الاستمرار في هذا الدور البائس في محاولة دعمها لاستمرار النظام ضمن حالة من اللاحسم في كل القضايا وإلى متى ستستطيع انعاشها وقبولها بحالة الموت السريري للنظام بمقابل الأولوية لضمان واستمرار مصالحها.
لابد وان يلتفت المجتمع السوري، عاجلا ام آجلا إلى مواجهة، مصيره العام، بالاعتماد على قواه الذاتية واعلانه الرغبة في استعادة ما أخذ منه عنوة وخارج إرادته الحرة.

اترك رد