قسد والرهان الأخير على العشائر

تزايدت محاولات الاغتيالات في مناطق شرق الفرات الخاضعة لسيطرة قوّات سوريا الديمقراطيّة (قسد) بالتزامن مع تنامي الأصوات المطالبة بإعطاء المكوّن العربي دوراً فعّالاً يمكّنه من المشاركة في الحياة السياسيّة وتقرير مصيره في تلك المناطق، بعيداً عن القرار المتفرّد الذي يرى ناشطون أنّ مجلس سوريا الديمقراطيّة يتّخذه دون مشاورة أو مشاركة أبناء المنطقة.
عدم رضى أبناء شرق الفرات لاسيما في محافظة دير الزور دفع قسد للتوجّه نحو حلول يعتبرها مثقّفو ووجهاء العشائر في المنطقة سطحيّة لا تلامس جوهر المشكلة، فالندوات الحواريّة التي عقدتها مسد مع المكوّن العربي لم تخرج بنتائج ملموسة، ولم تكن تتعدّى تشكيل لجان لدراسة المقترحات التي طرحت في تلك الندوات العشر.
ويقول ناشط من المجتمع المدني ل”المدن”، إن “اللجان المشكّلة لدراسة محصلة الندوات الحواريّة هي مماطلة من جانب مسد وخطوة نحو تمييع المطالب وإفراغها من محتواها” مضيفاً أن التنظيمات الراديكالية في عمومها لا تقبل أي شريك في القرارات المصيريّة.
ويلفت إلى أنّ العوامل التي تساعد على تمكين المكوّن العربي من إدارة مناطقه اقتصادياً وسياسياً شبه معدومة مادامت الولايات المتّحدة لا تريد اتّخاذ موقف جدّي تجاه ذلك.
اغتيالات متكررة
وشهدت مناطق سيطرة قسد في ريف دير الزور محاولات اغتيال متكرّرة طاولت وجهاء وشيوخ عشائر ومثقّفون لهم حضور وكلمة نافذة لدى محيطهم. وإستهدفت آخر محاولات الاغتيال ناصر الطرامي أحد شيوخ عشيرة الشعيطات، ولم تختلف من حيث الطريقة عن سابقاتها، شخصان يستقلّان درّاجة ناريّة في وضح النهار، يحملون بنادق حربية وينتظرون هدفهم في نقطة يعلمون مسبقاً أن الهدف سيمرّ منها، وغالباً تكون بعد اجتماعات مع مسؤولين من قسد.
ويقول الطرامي ل”المدن”، إن هذه المحاولات متكررة، ودائماً تكون الجهة المنفّذة لمحاولة الاغتيال غير معلومة، مضيفاً “محاولة اغتيالنا كانت في وضح النهار وعلى الطريق العام، والدراجة النارية التي يستقلّها شخصان مسلحان كانت تقف في وسط الطريق وليست متخفّية، وبعد إطلاق النار وهروبنا لاحقنا سائق الدرّاجة مسافة ليست بالقصيرة، بينما كان الشخص الآخر يحاول قتلنا برشقات من الرصاص أصابت السيّارة، لكن نجونا بأعجوبة”.
الطرامي الذي لم يتّهم أيّ جهة بمحاولة اغتياله واكتفى بالقول إن كل الاحتمالات ممكنة، أكد بالمقابل أن تلك المحاولات تعكس ضعف المؤسّسة الأمنيّة التي من مهامها حماية المنطقة والمحافظة على أمنها.
مؤتمرات للحوار
بالتزامن مع حالة الانفلات الأمني في ريف دير الزور عقدت الإدارة الذاتيّة مؤتمراً لأبناء الريف الغربي في قاعة المؤتمرات بمجلس ديرالزور المدني بحضور الرئيس المشترك للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية عبد حامد المهباش وعدد من مسؤولي الإدارة الذاتيّة ومسد.
المؤتمر الذي يصرّ أبناء المنطقة على تسميته “الحوار العربي-الكردي” بينما تطلق عليه الإدارة الذاتيّة اسم “حوار أبناء الجزيرة والفرات” تضمّن 8 مداخلات تصبّ جميعها في إطار إعطاء المكوّن العربي دوره السياسي.
وقال أحد الحاضرين ل”المدن”، إن مطالب المؤتمرين انطلقت من سؤال واحد مفاده، أين الدور الحقيقي للمكوّن العربي على المستوى السياسي؟ وبالرغم من حضور شخصيات مهمّة في الإدارة الذاتيّة إلا أن أحداً منهم لم يجب على تلك المطالب، واكتفوا بالقول إنّهم سيحملونها معهم إلى “مسد”.
وأضاف أن مجلس سوريا الديمقراطية قام، منذ أن صدر تقرير من التحالف الدولي الذي ينتقد إقصاء المكون العربي عن صنع القرار السياسي، بزيارات إلى العشائر العربية في المنطقة على مستوى الرئاسة المشتركة بهدف توحيد قوى المعارضة الديمقراطية بمفهومها، إلا أن المكون العربي ينظر بسلبية إلى هذا الموضوع لعدم جدية مسد بذلك.
وأشار إلى الحوار الكردي الكردي لتقاسم السلطة قائلاً: “تركوا لباقي المكونات غير الكردية ما نسبته 20 في المئة فقط وهذا ما لم يقبله العرب، خصوصاً في المناطق ذات المكون الواحد  كدير الزور. وتم إعطاء العرب مناصب مدنية وسياسة إسمية فقط من دون أي تأثير أو جدية”.

وأضاف أن الكادر الكردي هو صاحب القرار بكل شئ، وهذا ما يعكسه لقاء رئيسة الهيئة التنفيذية في مسد مع حزب الإدارة الشعبية في موسكو، من دون أي مشاركة للعرب”.

ذر الرماد في العيون
راهنت قسد على عشائر الفرات، وسعت لاحتوائها من خلال مؤتمرات وندوات وحوارات من دون إعطائها دوراً فاعلاً في القرار السياسي، وهذا ما يراه أبناء المنطقة الرهان الأخير، ففي الوقت الذي تسعى فيه روسيا وإيران لتمكين نظام الأسد من شرق الفرات، وتجاهد لإبقاء المربّع الأمني ومعبر نصيبين على الحدود السورية التركية بيد قوات الأسد، وتتشارك روسيا مع قسد في إدارة معبر الدرباسيّة، لا يتمكن المكون العربي حتى من اتّخاذ قرار بشأن الناطق باسمه.
ويقول عضو مجلس القبائل والعشائر السوريّة ورئيس الهيئة السياسيّة لمحافظة الحسكة مضر الأسعد ل”المدن”، إن مجلس سوريا الديمقراطية يسعى لصناعة دعاية إعلاميّة من دون أي تحرك حقيقي لمشاركة أبناء المنطقة في القرار السياسي، فمن المعروف أنّ التنظيمات الراديكالية ترفض إشراك أي مخالف لرأيها في شؤون عملها.
وأضاف أن كل من التقى بالتحالف الدولي من المكوّن العربي وقام بدور فاعل هو عرضة للتصفية الجسديّة، فالهدف الوحيد لدى قسد هو السيطرة التامة على شرق الفرات وسلب القرار السياسي من أبنائه.
وجهة نظر قسد
يقول مصدر مقرب من الإدارة الذاتيّة إن مسد لا تمانع إعطاء المكوّن العربي أيّ دور، ومستعدّون لذلك، لكن الإدارة الأميركية لا ترى أن هذا ممكن في ظل تمزّق المكون العربي، وعدم وجود جهة منظّمة تمثّلهم.
ويضيف ل”المدن”، أن المنطقة تعاني من تهديدات كثيرة على رأسها تنظيم “داعش” ونظام الأسد والمليشيات الإيرانيّة، وعدم وجود قيادة مركزيّة تدير شؤون شرق الفرات قد يتسبّب في سقوطها بيد أحد تلك الأطراف. ولو وُجد جسم عربي متماسك لما كان للإدارة الذاتيّة أي مشكلة في إشراكه بالقرار السياسي.
الواضح أنّ الخلافات على الدور السياسي تتصاعد بين عشائر شرق الفرات والإدارة الذاتيّة، ويعمّقها شعور أبناء المنطقة بالغبن لعدم إعطائهم دوراً أساسياً في صياغة القرار السياسي، وهذا ما ينذر بمرحلة قادمة عنوانها العريض “حالة الاستقرار مرهونة بالمشاركة السياسية” ويبدو أنّ قسد أمام رهانها الأخير على العشائر.
المدن

اترك رد