كيف قتلت أميركا مئات السوريين بشكل “قانوني”؟

نيويوركر/أناند جوبال – ترجمة: ربى خدام الجامع

في عام 2017، وعلى مدار أربعة أشهر، قام التحالف الذي تقوده أميركا في سوريا بإسقاط عشرة آلاف قنبلة على مدينة الرقة ذات الكثافة السكانية الكبيرة والتي كانت حينها عاصمة لدولة الخلافة التابعة لتنظيم الدولة. وبذلك تم تدمير حوالي 80% من المدينة التي بلغ تعداد سكانها 13 ألف نسمة.

زرت الرقة بعد فترة قصيرة من تنازل تنظيم الدولة عنها، فوجدت مستوى من التدمير كان من الصعب علي أن أستوعبه، إذ رأيت آثار هياكل المباني السكنية التي انهارت، والمدارس المحروقة، والفجوات التي خلفتها القذائف في الأرض وقد اتسعت كثيراً، وحبال الغسيل التي امتدت بين أعمدة ظلت واقفة، ما يدل على أن الناجين ظلوا يعيشون بين الخرائب بطريقة ما. لم يعرف أحد كم ألفاً من أهالي تلك المدينة قتلوا، أو كم منهم أصبح بلا مأوى أو تحول إلى مقعد على كرسي متحرك، إلا أن الشيء الوحيد المؤكد هو أن تدمير الرقة يعبر عن شيء لم نشهد له مثيلاً في أي نزاع خاضته أميركا منذ الحرب العالمية الثانية.

في ذلك الحين كانت المعركة تدور ضد عدو عازم على إسقاط نظام كامل، فيما بدا حينها شكلاً من أشكال الإطاحة العدمية للعقل والمنطق بحد ذاته. إلا أن الرقة لم تكن نورماندي. إذ بالرغم من أن السوريين حاربوا تنظيم الدولة ببسالة وتكبدوا خسائر في الأرواح خلال ذلك، إلا أن الولايات المتحدة اعتمدت على القوة الجوية الضاربة، ناهيك عن بضع مئات من القوات الخاصة المتواجدة على الأرض، أي أنها خاضت الحرب بأكملها من مسافة آمنة، وهكذا لم يقتل أي أميركي واحد في تلك المعركة. غير أن الولايات المتحدة ماتزال بين الفينة والأخرى تقوم بمعارك برية تقليدية، كما حدث في الفلوجة بالعراق، حيث دخلت القوات الأميركية في عام 2004 بقتال ضار مع المتمردين. بيد أن معركة الرقة، وهي عبارة عن حرب شنتها أميركا من غرف تحكم كالكهوف تبعد عن ساحة المعركة آلاف الأميال، أو عبر طائرات تحلق على ارتفاع آلاف الأقدام في كبد السماء، تمثل الوجه الحقيقي للقتال المعاصر في أميركا.

لقد تم توجيهنا للحكم على مزايا الحروب التي تقوم اليوم من خلال مسارها وسلوكها، إذ تتمسك الأمم المتحدة بقواعد الحرب التي تحرم أي تصرف مثل التعذيب أو الاغتصاب أو اتخاذ الأسرى، فيما تميل المنظمات الحقوقية والمحامون الدوليون إلى تصنيف حرب ما على أنها إنسانية، عندما يتجنب المحاربون إيذاء المدنيين قدر الإمكان. إلا أن “القتل غير المتكافئ يعني: تجنب المخاطر، والحرب العادلة، وأخلاق المحارب” بحسب ما ورد في قاموس أوكسفورد.

الحرب الإنسانية

بيد أن الباحث في العلاقات الدولية نيل رينيك يقف في وجه هذا المعيار، إذ يرى أننا عندما نقيم مدى إنسانية أي حرب، علينا ألا ننظر فقط إلى مصير المدنيين، بل أيضاً إلى مدى تعرض المقاتلين أنفسهم للخطر في ساحة المعركة. ويعتقد رينيك أنه عندما يقوم أحد الطرفين بإبعاد نفسه كلياً عن سائر الأخطار، حتى ولو وجه جل ذلك لحماية المدنيين، فهو بذلك يخرق أخلاقيات الحرب الإنسانية.

إذ يقوم المبدأ الجوهري للحرب الإنسانية على احتمال قيام المقاتلين بقتل بعضهم البعض في أي وقت، ويستثنى من ذلك من أصبحوا عاجزين عن القتال، كما يجب على المقاتلين الابتعاد عن استهداف المدنيين. وقد يغرينا هنا أن نقول بإن المدنيين يتمتعون بهذه المكانة والحماية نظراً لأنهم أبرياء، ولكن المدنيين -كما سبق وأن أشار رينيك- يقومون بإطعام الجوعى في الجيش، وينتخبون القادة المولعين بالحرب، ويعلمون مقاتلي المستقبل. وفي سوريا التي قامت فيها ثورة شعبية، تم حشد مدن بأكملها من أجل الحرب. وهكذا عمل مدنيون بينهم أطفال في نقاط الحراسة، وفي تهريب الأسلحة كما عملوا كجواسيس، فما كان يهم حينها هو نوع الخطر الذي يضيفه شخص ما لمنطقة القتال. إذ منذ اللحظة التي يحمل فيها شخص ما السلاح، سواء أكان يرتدي بزة عسكرية أم لا، لابد حينها من أن يتحول إلى خطر مباشر وفوري. وهذا هو الفرق الدقيق بين الجنود المسلحين والمدنيين المسلحين.

ولكن ماذا إذ لم يكن المقاتلون أنفسهم يمثلون أي خطر مباشر وفوري؟ يرى رينيك أنه في بعض الساحات كتلك الموجودة في باكستان، حيث قام الأميركيون بنشر طائرات مسيرة يتم التحكم بها عن بعد لتقوم بقتل أعدائهم دون أن يقترب أحد منهم إلى ساحة المعركة، في تلك الحالة، لا يمكن للمتمردين المتواجدين على الأرض أن يقاوموا، ما يعني أنهم بالنسبة للخطر الذي يمثلونه، لا فرق بينهم وبين المدنيين. وهنا لا يصح إطلاق صاروخ جهنم على مجموعة من المتمردين يستقلون سيارة بيك آب كما يرى رينيك، لأن ذلك سيكون أشبه بإبادة عائلة تستقل تلك السيارة وهي في طريقها للتمتع بنزهة.

قد يرد أحدهم على ذلك بالقول بإن طالبان الباكستانية تمثل تهديداً مباشراً على المدنيين الباكستانيين، إن لم يكن على الجنود الأميركيين. إلا أن رينيك يؤكد بأن الولايات المتحدة عبر تجنبها النزول إلى ساحة القتال، قد حولت المدنيين إلى أهداف مغرية بالنسبة للمتمردين المتلهفين للقتال. وسواء أكان هذا الزعم صحيحاً أم لا، من الواضح أن القتال الخالي من أية مخاطر حمل الحرب إلى منطقة أخلاقية جديدة، تحتاج منا أن نكتشف ما إذا كانت أفكارنا القديمة حول ساحة المعركة صحيحة أم خاطئة.

فإذا كان بوسعنا أن نميز بين المقاتلين والمدنيين فقط من خلال الخطر الذي يمثلونه تجاه غيرهم من المقاتلين، عندها سيصبح العنف الذي يتم عن بعد ضمن الحرب المعاصرة لا إنسانياً. وقد خلص رينيك إلى أن: “أسلوب القتل الأميركي العقيم والقائم على البيروقراطية والمنفصل عما سواه بشكل متزايد” يحمل نكهة العقاب أكثر من الحرب بمعناها التقليدي. ففي مذكرات باراك أوباما التي نشرت مؤخراً، يتحدث هذا الرجل أنه رغب عندما كان رئيساً بإنقاذ “ملايين الشبان” في العالم الإسلامي الذين “تشوهوا وتقزموا بفعل اليأس والجهل وأحلام الأمجاد الدينية، والعنف المحيط بهم”، لكنه زعم بأنه نظراً للمكان الذي يعيشون فيه، والآلات التي باتت تحت تصرفهم، انتهى الأمر به ليجد نفسه “يقتلهم عوضاً عن ذلك”. وبصرف النظر عن التعميمات الفجة التي أوردها أوباما، يرى رينيك بأن أوباما كان بوسعه إنقاذهم بالفعل، وذلك عبر الحد من الحرب عن بعد بشكل صارم وقاس.

هذا ويعتبر كتاب رينيك جزءاً من توجه أوسع بين الباحثين والناشطين الحقوقيين المناهضين للدمار الذي سببته النزاعات الأخيرة التي خاضتها أميركا خارج حدودها. إذ تشترك دراساتهم بمبحث أساسي وهو: كيف يمكننا أن نستعين بالقواعد لجعل الحرب أكثر إنسانية؟ وفي الوقت الذي يركز فيه رينيك على القواعد الأخلاقية، تهتم معظم الأعمال الأخرى بالقواعد القانونية.

إخضاع الحرب للقواعد

ففي أعقاب معركة الرقة، بدأت منظمة العفو الدولية مع غيرها من المنظمات بالخوض في الركام، حيث وثقت بشكل دقيق مدى التزام هذه القذيفة أو تلك بقوانين الحرب. وهذا العمل مفيد قطعاً، إلا أن هنالك سؤال مربك يلوح خلف تلك العملية وهو: في ظل انجرافنا مع الباعث الذي يدفعنا لإخضاع ساحة المعركة للقوانين، هل نقوم بغض الطرف عن حقائق أخلاقية أعمق حول طبيعة الحرب بحد ذاتها؟

تعتبر فكرة إخضاع الحرب للقواعد فكرة قديمة، إذ تعود على الأقل لأيام أوغسطين الذي رأى بأن الحاكم الشرعي بوسعه أن يشن حرباً عندما يضمر نوايا طيبة أو عندما تكون لديه قضية عادلة. وخلال العصور الوسطى، حاولت الكنيسة أن تحرم القوس والنشاب، وبذلت جهوداً لحماية الملكية الكنسية وغير المقاتلين من العنف في زمن الحرب. إلا أن الدول تأخرت حتى القرن التاسع عشر لتحاول سن قوانين ومعاهدات لتنظيم السلوك في زمن الحرب. وخلال الحرب الأهلية الأميركية، طبق الاتحاد قانون ليبر، الذي سعى للحد من المعاناة التي يتم إنزالها بالعدو دون الحاجة لذلك، مثل التعذيب أو التسميم مثلاً، كما قدس القانون مبدأ الضرورة العسكرية كأي معاهدة قانونية، إذ ورد في ذلك المبدأ أنه: في حال كان هنالك هدف استراتيجي للعنف، أي إذا كان بوسع العنف أن يسهم في كسب الحرب، عندها يصبح العنف جائزاً. وفي اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و1907، اتفقت القوى العالمية على وضع حدود غائمة حول السلوك في زمن الحرب إلى جانب تمسكها بمبدأ الضرورة العسكرية. وهكذا اتفقت الدول على منع الذخائر التي يتم إطلاقها بواسطة منطاد، والتي لم تكن تتمتع بأهمية كبيرة من الناحية التكتيكية، لكنها التزمت الصمت حيال قضية الطائرة المزودة بمحركات.

وعليه تجاهلت الكثير من الدول تلك القوانين الرخوة، فقد حظرت اتفاقيات لاهاي: “الغازات الخانقة”، إلا أن القوى العالمية استهانت بتلك الاتفاقيات وذلك عبر نبذ ما جاء فيها واستعمال تلك الغازات في الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى. وهذه الاتفاقيات تحرم فعلياً الاستهداف المتعمد للمدنيين، ولكن بحلول الحرب العالمية الثانية، تعرف المقاتلون على ميزة عسكرية تتمثل بقصف المدن والبلدات. وفي عام 1942، منعت السياسة البريطانية الطائرات من استهداف المرافق العسكرية، وطلبت منها أن تقوم عوضاً عن ذلك بقصف مناطق الطبقة العاملة في المدن الألمانية “بهدف زيادة الترويع” على حد وصف تشرشل.

وفي عام 1943، أمطرت القوات الجوية البريطانية في عملية غومورا مدينة هامبورغ بوابل من الحديد والنار طيلة سبع ليال، ما أدى لمقتل 58 ألف مدني. كما خلفت عمليات قصف المدن ملايين النازحين والمصابين بالصدمة بين صفوف الألمان الذين هاموا على وجوههم في تلك البلاد المدمرة التي وصفها في. جي. سيبولد فيما بعد بأنها: “مقبرة كبيرة لشعب غريب غامض، تمزقت بين وجودها المدني وتاريخها، فعادت القهقرى إلى المرحلة الثورية للبدو الرحل”. بعد ذلك أتت القنبلة النووية التي تم إسقاطها على هيروشيما وناكازاكي والتي قتل بسببها حوالي 150 ألف شخص. وعموماً يمكن القول بإن غارات الرعب التي شنها الحلفاء قتلت حوالي نصف مليون إنسان. وقد استمر هذا النهج في الحرب الكورية، إذ يتذكر وزير الخارجية حينها دايان راسك ما حدث لاحقاً، فيخبرنا بأن الولايات المتحدة قصفت: “كل حجر قائم على حجر، وكل شيء يتحرك”.

وخلال حرب فيتنام، ظهرت موجة معادية للحرب لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى. إذ من خلال التلفاز، وصلت أخبار تلك الفظائع وعلى رأسها مجزرة ماي لاي مباشرة إلى غرف الجلوس الأميركية، وهكذا قام المعترضون على ذلك من أصحاب الضمير والناشطون المناهضون للحرب باللجوء إلى القانون الدولي لتبرير معارضتهم لتلك المذبحة. كما نجحوا في رسم معالم السلوك الأميركي نجاحاً فاق توقعاتهم.

حرب الخليج الأولى

وبعد الحرب، طور البنتاغون ترسانته عبر اختراعات جديدة مثل الذخيرة الموجهة بالليزر، والتي يمكنها أن تنفذ ضربات دقيقة. كما بدأ الجيش الأميركي بالالتزام بمبادئ معاهدات لاهاي، بالإضافة إلى المبادئ التي وردت في اتفاقيات ومعاهدات أخرى، وهكذا أطلق على تلك القوانين مجتمعة قانون النزاع المسلح. وعليه أصبح القصف الأميركي بهدف الترويع شيئاً من الماضي. وفي حرب الخليج الأولى، جلس المئات من المحامين المختصين إلى جانب الجنرالات في مقر القيادة المركزية في السعودية وغيرها، وذلك لضمان التزام الولايات المتحدة بالقواعد القانونية للحرب، فكان ذلك أكبر انتشار للمحامين المخصصين لكل فرد في التاريخ الأميركي.

وظاهرياً يعتبر التقيد الصارم بالقانون نصراً لقضية الحرب الإنسانية. إلا أن آثار الخراب في سوريا تسرد حكاية أكثر تعقيداً. إذ قبل الاعتداء الأميركي على الرقة بفترة وجيزة، شنت القوات الروسية والسورية حملة عسكرية كبيرة لاستعادة الجزء الشرقي من حلب الذي كان تحت سيطرة الثوار. ودون أي مراعاة للقانون الدولي، تمكن هؤلاء من استعادة المدينة بقوتهم البربرية، فحولوا الأسواق المزدحمة فيها والمشافي إلى خرائب. إلا أن النتيجة النهائية لا تختلف كثيراً عما حدث في الرقة: ضحايا كثر بين صفوف المدنيين، تخريب مبان سكنية بأكملها، شوارع تختنق بركام الخرائب، وأحياء كاملة سويت بالأرض.

مجزرة طوخار في الرقة

وهكذا شن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عدوانه على الرقة بذات الدقة القانونية، حيث قام بفحص كل هدف بعناية، بوجود حشد من المحامين الذين أخذوا يدققون في تفاصيل الضربات بالطريقة ذاتها التي يمحص فيها مستشار تابع لمؤسسة معينة في العقد النهائي الذي تبرمه تلك المؤسسة. وخلال هذه المعركة أعلن قائد التحالف اللواء ستيفان جي. تاونسيند بأنه: “يتحدى أي شخص أن يجد حملة جوية أكثر دقة من هذه في تاريخ الحروب”. وبالرغم من إصرار ناشطي حقوق الإنسان على أنه كان بوسع التحالف أن يقوم بالمزيد لحماية المدنيين، إلا أن تاونسيند كان محقاً، إذ بخلاف روسيا، لم تقم أمريكا بالقصف عشوائياً. صحيح أن الولايات المتحدة سوت كامل المدينة بالأرض، وقتلت الآلاف أثناء تلك العملية، لكنها لم ترتكب جريمة حرب واحدة واضحة المعالم.

في صيف عام 2016، أخذ أهالي قرية طوخار الواقعة على ضفة النهر في شمال سوريا يجتمعون كل ليلة في أربعة بيوت على أحد أطراف القرية، على أمل أن ينجوا من نيران الرشاشات والقذائف. كانت تلك أبعد نقطة عن الجبهة، إذ تقع على مسافة 1600 كلم عن موقع اشتباك القوات التي تدعمها أميركا مع مقاتلي تنظيم الدولة. فكانت طائرة استطلاع تحوم فوق طوخار في كل ليلة لتصور موكب القرويين وهم يغادرون بيوتهم المتفرقة ليتوجهوا إلى ذلك المخبأ المؤقت. ثم أصبحت الأقبية مزدحمة بالفلاحين والأمهات وطالبات المدرسة والأطفال الصغار. وفي 18 تموز، وعند حوالي الساعة الثالثة صباحاً، تعرضت تلك البيوت لتفجير، وأخذ الدخان يغطي سماء الليل، وتناثرت الأشلاء فوق الركام، ودفن الأطفال تحت الجدران المنقضة.

وأمضى الأهالي القادمين من القرى المجاورة أسبوعين في البحث عن الجثث. وفي تلك الأثناء أعلن التحالف عن تدمير “تسعة مواقع لمقاتلي تنظيم الدولة ومقراً للقيادة والتحكم و12 مركبة” وذلك ضمن تلك المنطقة وفي تلك الليلة. وفي نهاية الأمر، وبعدما وردت تقارير حول مقتل الكثير من المدنيين في تلك العملية، اعترف التحالف بقتل 24 منهم. وفي الزيارة التي قمت بها برفقة زميل لي، بعد مرور عام على تلك الغارة، قمنا بتوقيق ما لا يقل عن 120 قتيل مدني في تلك العملية، ولم نعثر على أية أدلة تفيد بتواجد عناصر تنظيم الدولة بالقرب من تلك البيوت الأربعة. كما أخبرتني إحدى الأمهات بأن بعض الأطفال الصغار مسح أثرهم نهائياً، ولم يتمكن أحد من العثور على أي شيء من جثثهم.

وحول ذلك يقول الرائد في القوات البحرية الأميركية أدريان جي. تي. رانكين-غالوي: “قمنا باتخاذ كل الإجراءات خلال عملية الاستهداف… وذلك للالتزام بمبادئ قانون النزاع المسلح”. بيد أن جوهر هذه القاعدة القانونية يقوم على عدم قيام الجيوش بقتل المدنيين عمداً. وصحيح أن أحداً من تسلسل القيادة لم يكن يريد أن ينفذ مجزرة بحق المدنيين في تلك الليلة، وكذلك الأمر بالنسبة للطيار أو لمن يقوم بتوجيه الطائرة أو المحامين، إلا أن الولايات المتحدة أشارت إلى تلك الحقيقة بوصف حادثة طوخار على أنها مجرد خطأ يستوجب الندم لا العقوبة وفقاً للقانون. ولكن، وبالرغم أنه من المنطقي استحضار النية عند الإشارة إلى عقلية فرد ما، وتلك هي الفكرة الكامنة وراء مبدأ القصد الجنائي القانوني، نجد أن ذلك يتعارض مع فكرة عزو الحالة العقلية لمجموعة من الفاعلين مثل جيش أو دولة. إلا أن الواضح هنا هو أنه كان بوسع التحالف أن يتوقع نتيجة أفعاله، فقد بقي يصور المنطقة طيلة أسابيع، وأشارت المعلومات الاستخباراتية إلى أن القرية يقطنها مدنيون لم يكن من الصعب عليهم أن يتجمعوا في مكان واحد. وخلال حملة التحالف ضد تنظيم الدولة، تم إسناد قرارات القصف في أغلب الأحيان إلى فرضيات خاطئة تتصل بحياة المدنيين. ففي الموصل، استهدف التحالف بيتين يعودان لعائلة واحدة بعدما فشل في مراقبة المدنيين خارج البيت ساعة العصر على مدار بضعة أيام، وذلك لأن العراقيين عموماً يهربون من شمس الظهر الحارقة. وهكذا قتل أربعة أشخاص في تلك العملية. ثم إن قانون النزاع المسلح يبرر الأخطاء الحقيقية ويحظر القتل العمد، إلا أن معظم الحروب الأميركية تعمل ضمن المنطقة الرمادية التي ساهم القانون نفسه بخلقها بما أنه هو نفسه غامض ويفتقر إلى الوضوح.

قاعدة النسبة والتناسب

أما الركيزة الثانية التي تقوم عليها تلك القاعدة القانونية فهي قاعدة النسبة والتناسب، إذ يحق للدول قتل المدنيين في حال استهدافها لموقع عسكري، طالما بقيت الخسائر في الأرواح ضمن صفوف المدنيين تتناسب مع الفائدة العسكرية التي يمكن تحقيقها عبر الهجوم. أي أن ذلك يعني بحسب تخمين أي شخص: كيف يمكنك أن تقيس الفائدة العسكرية إزاء الأرواح البشرية؟ فخلال معركة الموصل، صعد قناصان إلى سطح بيت محمد طيب الليلى وهو عميد سابق لكلية الهندسة بجامعة الموصل. وبحسب ما ذكره جيرانه، فإنه أسرع هو وزوجته إلى السطح، وطلبا من القناصين أن يرحلا. ولكن، وخلال ومضة، سوى رأس حربي البيت بالأرض، حيث قتل القناصان والسيد العميد وزوجته وابنته التي كانت في الطابق السفلي. إذن، من المستحيل أن نسأل كيف يمكن أن نحسب مقتل القناصين مقابل مقتل عائلة كاملة، إلا أن معظم المعاهدات تعتبر عملية القتل هذه قانونية. كما أن الكثير من الدمار الذي وقع في الرقة حصل بالطريقة ذاتها التي تعرضت لها أسرة الليلى، ألا وهي الموت بآلاف الغارات التي تعتمد على مبدأ النسبة والتناسب.

وهنا يسارع المسؤولون الأميركيون ليشيروا إلى أن تنظيم الدولة يستحق نصيباً كبيراً من اللوم، فقد نشر مقاتليه بين المدارس والأبنية السكنية، فأقام هؤلاء بين الأهالي من المدنيين. غير أن هذا لا يعفي الولايات المتحدة من المسؤولية بالضرورة. إذ عندما لاقت فكرة مكافحة التمرد رواجاً خلال النزاعات التي قامت في العراق وأفغانستان، سعت القوات الأميركية لكسب القلوب والعقول عبر دخول المراكز السكنية. وهكذا أصبح منظر رتل من عربات الهامفيز المدرعة ذات اللون الرملي وهي تتجول في سوق مزدحم من أكثر المشاهد التي تثير الرعب حد الموت بالنسبة لأي أفغاني. وذلك لأنه في حال قام انتحاري بالهجوم على تلك العربات، عندها سيتهمه الأميركيون بعدم احترام المدنيين المحيطين به، وذلك حتى لو أتاهم بقوة القانون تحت ستار النسبة والتناسب.

بيد أن التناقض في السلوك العسكري الأميركي لم يمر دون أن ينتبه إليه أحد، إذ اتهمت منظمات حقوقية في مرات عدة الولايات المتحدة بارتكاب جرائم حرب، ومن بينها معركة الرقة. إلا أن الولايات المتحدة بوسعها أن تقدم دفاعاً مقنعاً في كل قضية تقريباً، وذلك لأن مثار الخلاف ليس قيام الولايات المتحدة بقتل المدنيين أو عدم قيامها بذلك، بل إن الخلاف يقع في تأويل القانون وتفسيره، وذلك لأن الولايات المتحدة تستعين بتأويل فضفاض للقتل العمد وللتناسب وهذا التأويل لا تتبناه المنظمات الحقوقية.

وبعد وقوع تلك الوفيات، لم يظهر محكم مستقل ليحاكم الولايات المتحدة على ما فعلته، بل فقط القوات المهزومة هي التي يتم جرها إلى المحاكم الدولية. وهكذا يترك البنتاغون ليحاكم نفسه بنفسه، والأغرب من ذلك أن الأحكام تصدر دوماً لصالحه. وعليه يمكن القول إن غموض القانون يبيح للولايات المتحدة تصنيف الجرائم مثل التي ارتكبتها في طوخار على أنها حوادث، حتى ولو كانت تلك النتائج الكارثية متوقعة، أي يمكن تفاديها.

ما البديل؟

ولكن كم عدد المدنيين الذين قتلوا في الرقة مع إمكانية تجنب قتلهم؟ يمكننا إعادة بناء الأدلة بالنسبة لطوخار، لكننا نفتقر لذلك في أغلب الأحيان مع بقية الحوادث. إذ مع غياب الشفافية في عملية الاستهداف، يصبح للجيش القرار النهائي هنا. ولكن ثمة طريقة واحدة يمكننا من خلالها أن نعرف وبشكل بدهي متى كان هنالك بديل أمام القوات المسلحة عن التسبب بالمعاناة للمدنيين. إذ عندما أصبحت القوات الأميركية في مواجهة مع مسلحين من تنظيم الدولة على سطح بناء سكني، كان بوسعهم إما استخدام قنبلة موجهة بالليزر وزنها 500 باوند، أو التقدم نحو العدو راجلين، متحدين نيرانه ببسالة، وهكذا يمكن للبناء أن ينجو بعد معركة من الطراز القديم. إذ في الماضي، كانت الجيوش تختار الطريق الأصعب، فخلال الحرب العالمية الثانية، عندما قام طيارون فرنسيون من قوات الحلفاء بتنفيذ غارات جوية على مقاطعة فيكي، والتي تعتبر جزءاً من وطنهم، حلق هؤلاء على ارتفاعات منخفضة، وذلك ليتجنبوا قصف المدنيين، بالرغم من أن ذلك زاد من فرص تعرض طائراتهم للإسقاط. أما بالنسبة للجيش الأميركي، فالقوانين عمياء عن مسألة المخاطر، إذ لا يراعي القانون قدرة القوات المسلحة على تجنيب المدنيين أي معاناة دون الحاجة لذلك، وذلك عبر تعريض أنفسهم لخطر أكبر. فبالنسبة لنيل رينيك، تشن الحروب بصورة حصرية عبر الطائرات المسيرة، ولهذا تطرح نقطة الخلاف العميق بين ما هو قانوني في ساحة القتال وما هو أخلاقي.

ولعل ذلك هو السبب الذي يدفع الجيش الأميركي اليوم للتقليل من شأن فضيلة الشجاعة الأصيلة على المستوى العسكري. فتاريخياً، كانت تلك الفضيلة محور مفهوم الجندي الجيد لدرجة أن الأسلحة والتكتيكات التي تفتقر إلى الشجاعة كانت تثير اعتراضات بين صفوف الجنود. ولهذا كتب رينيك أنه منذ أن دخلت الطائرة لأول مرة ضمن الترسانة المعاصرة خلال العشرية الأولى من القرن العشرين، دخل الطيارون المقاتلون معارك ضارية تذكرنا بشجاعة الفرسان في أيام المبارزات التي كانت تجري في القرون الوسطى. إلا أن التكتيكات التي تتم على بعد مسافات طويلة مثل قذائف الهاون والقصف الجوي لا علاقة لها بالشجاعة أو البسالة. وهنا يتذكر أحد الطيارين من الحرب العالمية الأولى فيقول: “إنك لا تجلس في خندق مليء بالوحل في الوقت الذي يقوم فيه شخص آخر ليست بينك وبينه أي عداوة شخصية بإطلاق قذيفة عليك، من مسافة تبعد خمسة أميال، ليقطعك بها إرباً”، ويختتم حديثه بالقول: “هذا ليس بقتال، بل إنها جريمة قتل تنفذ بدم بارد وبكل وحشية وحقارة”. في حين كتب طيار بريطاني عن الحرب العالمية الثانية فقال: “كنت طياراً مقاتلاً ولم أكن طياراً مفجراً، وأشكر الله على ذلك. ولا أعتقد أني كنت سأطيع الأوامر لو كنت طياراً مفجراً، لأنني لن أحس حينها بقيمة الإنجاز وأنا أقوم بإسقاط القنابل المتفجرة على المدن الألمانية”.

وبالرغم من أن القنص يتسبب بدمار أقل، إلا أنه أثار المستوى ذاته من القلق، فخلال الحرب العالمية الأولى، استنكر عميد بريطاني تلك العملية ووصفها بأنها: “جريمة ترتكب بدم بارد، شنيعة بالنسبة لأكثر الناس قسوة، ومقيتة بالنسبة للجميع ما عدا الأكثر انحرافاً بيننا”.

وخلال الثورة الأميركية، قام ضابط بريطاني شاب بالتدرب على مسدسه لإصابة الأهداف، ليقرر بعد ذلك بأنه: “ليس من الرائع أن تطلق النار من الخلف على شخص لم يتسبب بأي أذى وتبرأ من واجبه بكل هدوء”، والشخص المعني هنا ما هو إلا جورج واشنطن.

الشجاعة وأكياس الجثث

وفي عام 2014، أثارت صورة “القناص الأميركي” جدلاً حول قيام بطلها وهو الرامي الأسطوري باختلاق أجزاءاً من حكايته. إلا أن رينيك أشار إلى أن أحداً لم يشكك بالشرعية الأخلاقية لعملية القنص بحد ذاتها، وهذا مؤشر على مدى غياب الشجاعة من قواعد ساحة المعركة في المعارك التي تقوم اليوم. إذ إن هذا الرجل حتى لو بالغ في دور الشجاعة وأهميتها تاريخياً، بات من الواضح أن الجيش الأميركي اليوم يقطع مسافات طويلة هرباً من المخاطر، ويبرر سلوكه هذا عبر تمجيد قانون النزاع المسلح. إن الجيش الذي يعزز قيمة الشجاعة قد تنتهي به الأمور إلى حماية المزيد من المدنيين، ولكن مع الشجاعة تظهر أكياس الجثث، التي بمجرد أن تصل إلى الولايات المتحدة سنضطر إلى مناقشة الأسئلة العصية التي يسمح لنا القانون بغض الطرف عنها، أولها: هل كانت القضية تستحق موت هؤلاء الأميركيين؟ وما هو هدف هذه الحرب؟ هل كان لابد من خوضها؟ وإذا كان الجواب نعم، فهل كان يجب أن نخوضها بطريقة مختلفة؟ تلك هي الحوارات التي لا يهتم الجيش ولا المنظمات الحقوقية بخوضها على ما يبدو.

وهنا قد يرى منتقدون بأن الدمار في سوريا يكشف القيمة المحدودة لقوانين الحرب، حيث تواجد جيشان حاربا بموجب قواعد مختلفة تماماً، ما أدى لوقوع نتائج متطابقة تقريباً في كل من الرقة وحلب. عندها سيرد المدافعون بالقول بإن تلك القواعد، مهما كانت غامضة أو متساهلة بشكل صريح، أفضل من عدم وجود أية قوانين على الإطلاق. وكلا الرأيين يبدو لي صحيحاً، بيد أن التركيز على الشرعية القانونية جعلنا نستريح لفكرة الحرب نفسها على ما يبدو. فقد تبين للمنظمات الحقوقية بأن الولايات المتحدة مسؤولة عن عشرات جرائم الحرب في أفغانستان، إلا أن معظم عمليات القتل الأميركية كانت قانونية، ومنها: قتل ربة بيت كانت تتجول بالقرب من رتل عسكري، قتل فلاح تم إطلاق النار عليه وفقاً لافتراضات خاطئة، التضحية بأسرة كاملة وفقاً لقاعدة النسبة والتناسب. وهنا يبدو الأميركيون وقد اعتادوا على مآسي القتال فقط عندما يتم انتهاك القواعد بشكل صارخ، ولكن طالما بقيت تلك القواعد بلا أي انتهاك، فلابد للحرب أن تنحسر إلى الوراء، لتصل إلى مجرد حالة قائمة موجودة في الوقت الحالي. وفي حال استمرت الحرب الأفغانية لعشرين سنة أخرى، فمن غير المؤكد أن تثير تلك الحرب الكثير من المعارضة في الداخل، بالرغم من أن المعاناة على نطاق واسع قد تصبح كبيرة بحجم مذبحة وحشية انتهت بنصر مبين. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تنفذ تلك المجزرة دون انتهاك القانون وإثارة الاعتراضات ضد ذلك على نطاق واسع، ولذلك سيظل النزاع يغلي على نار هادئة للأبد. وعندها ستجد الولايات المتحدة نفسها في وضع غريب لا يمكنها معه أن تنتصر في حروبها ولا أن تخسرها.

مبدأ الواقعية

وعند مواجهة تلك الحقيقة المرة، يتبنى بعض المفكرين مبدأ الواقعية التي تعلن بفظاظة بأن ساحة المعركة ليست مكاناً لفرض القيود الأخلاقية، إلا أن هذا المبدأ يمكن أن يستخدم لتبرير المعاناة الشنيعة وغير الضرورية. وثمة نهج آخر وهو السلمية، التي بالرغم من كل مزاياها تطالبنا بإدانة الطاغية ومن يقاومون طغيانه بعنف، وفي ذلك ابتعاد عن العرف الأخلاقي المتمثل بـ “الحرب العادلة” التي تؤكد بأن الحرب هي شكل من أشكال الوجود البشري، لذا فإن أفضل شيء بوسعنا أن نتمناه هو أن نقوم بتنظيم متى وكيف تشن تلك الحرب، وذلك هو جوهر فكرة قوانين الحرب.

ولكن، وبالرغم من أن النزاع المسلح لن يختفي عن الوجود خلال فترة قريبة، إلا أن هذا لا يعني أن نقوم باختزال الحرب إلى مسألة الانتهاكات القانونية وقوانين ساحة المعركة. إذ حتى لو لم يكن بوسعنا أن نلغي الحرب، فإنه يجب علينا أن نتصرف بقدر ما نستطيع وأن نقوم بترتيب مؤسساتنا وفقاً لذلك وذلك بحسب رأي إيمانويل كانط. واليوم وفي أميركا، بوسعنا أن نعمل على عزل قرارات البنتاغون وإبعادها عن مقاولي الدفاع وغيرهم من الساعين وراء مصالحهم الشخصية.

والأهم من ذلك أنه بوسعنا أن نرجع عن قرار شن الحرب وأن نحيله إلى القيادة الديمقراطية. إذ بعد أحداث 11 أيلول، أصدر الكونغرس قراراً يقضي بتفويض استخدام القوة العسكرية، والذي استعان به الرؤساء منذ ذلك الحين لتبرير أنشطتهم العسكرية في 14 دولة خلال الـ 37 سنة الماضية ومن بينها الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في سوريا، دون تصريح رسمي أو نقاش عام. وسواء أكانت هذه الكومة من الركام قد ترتبت على عمل تم بطريقة قانونية أم لا، وسواء أوطئت أحذية الجنود الأميركان أرض سوريا أم لم تفعل، لا يبدو ذلك مهماً أمام الحقيقة القائلة بإن الولايات المتحدة لم تكن حرة في أن تسوي مدينة أجنبية بالأرض دون مناقشة رسمية لذلك أو محاسبة على ما اقترفته. ولعله فقط حينما تخضع مغامراتنا في الخارج لقيود وضوابط ديمقراطية، عندها يمكننا أن نحدد بداية الحروب ونهايتها، بوصفها مسألة حياة أو موت، دون أن يقتصر ذلك على تحديد طبيعة السلوك العسكري في تلك الحروب فقط.

المصدر: نيويوركر 

اترك رد