مشهدان سائدان في إدلب وروسيا تتهيأ لركوب الموجة

تيم الحاج

يستطيع المراقب لسير الأحداث في إدلب خلال الشهر الأخير، أن يستخلص من مشهدها، حدثين بارزين، يشغلان ساحتها، ويتصدران أخبارها، يرافقهما تطور قديم جديد تقف وراءه روسيا ونظام الأسد، وهذا الأخير عادة ما ينتهي في نهاية المطاف لصالح موسكو والنظام.

تعيش إدلب اليوم، في جو يحبس الأنفاس لجهة انتظار انتهاء الخلاف بين قادة “حركة أحرار الشام” أحد أهم وأقدم فصائل المعارضة السورية، حيث تتشابك الخيوط في هذا الخلاف داخل الدوائر الضيقة لصانعي القرار في الحركة، التي يبدو أنها شارفت على الانقسام، وفق البيانات التي يصدرها قادتها.

ومما يرجح هذا الاحتمال هو اتساع الشرخ داخل الحركة، ووقوف “هيئة تحرير الشام” إلى جانب أحد الفريقين المتنازعين.

الصراع داخل “حركة أحرار الشام”.. فرقاء قد يشتركون في الخراب القادم

بداية الخلاف الذي مضى عليه قرابة الشهر، برز عندما أعلن مسؤول العمليات العسكرية في الحركة  التابعة للجبهة الوطنية للتحرير تمرده على قيادة الحركة، وذلك على خلفية اتخاذ قائد الحركة قرارات عزل وتعيين طالت موالين للمسؤول العسكري.

كان هذا القيادي المتمرد هو النقيب عناد الدرويش الملقب بـ”أبي المنذر” الذي نفّذ مع بعض المجموعات المسلّحة استعصاء في بعض المقار بريف اللاذقية، بعد صدور قرار مِن قيادة “أحرار الشام” بعزل قائد قطاع الساحل “أبو فارس الدرعاوي” لـ أسباب تنظيمية وأخرى تتعلق بالكفاءة.

ahrar_alsham_0_0.jpg
جابر على باشا وحسن صوفان

وكان قرار الإقالة هذا هو الثاني الصادر عن قيادة “أحرار الشام”، خلال شهر، حيث سبقه قرار بعزل مسؤول المتابعة في الحركة “أبو صهيب”، الأمر الذي اعتبره النقيب عناد استهدافاً مباشراً للموالين له.

بعد تحرك “أبي المنذر” تدخلت قوة عسكرية مِن “قوات المغاوير” النخبوية ضمن “حركة أحرار الشام” مِن أجل إنهاء التمرد، حيث وصلت إلى المقار في ريف اللاذقية مِن أجل وضع يدها عليها، لكنها فوجئت بمساندة “هيئة تحرير الشام” للنقيب عناد، واحتجزت “الهيئة” قيادياً مِن “المغاوير” حاول الوصول إلى مواقع “تحرير الشام” لـ سؤالها عن سبب نشر قواتها في محيط مقار الحركة.

وبعد ذلك، انسحبت “قوات المغاوير” مِن المنطقة مقابل إطلاق “تحرير الشام” سراح القيادي الذي احتجزته.

وبحسب المعلومات التي حصل عليها موقع تلفزيون سوريا فإن النقيب عناد كان ينسّق تحركاته مع قائد “أحرار الشام” المعزول حسن صوفان، الذي خرج مِن الفصيل بشكل كامل بعد قرار عزله بالإجماع مِن قبل مجلس القيادة.

لم يكن هذا أول بوادر الخلاف داخل الحركة، ففي يوم 13 أيلول الفائت، اتخذ مجلس القيادة في “أحرار الشام” قرارات تنظيمية أبرزها تمديد ولاية القائد العام الحالي، جابر علي باشا لمدة عام جديد، وتوسيع صلاحياته ليصبح المسؤول التنفيذي المباشر عن التشكيلات والألوية العسكرية، في خطوة هدفها تعزيز المركزية وتسريع القرارات، وتضييق مساحة تضارب الصلاحيات.

ووفق مراقبين، فإن “هيئة تحرير الشام” وجدت في التمرد الذي حصل داخل “أحرار الشام” فرصة مِن أجل فرض تغييرات ضمن قيادة “الحركة” تتناسب مع رؤيتها لمحافظة إدلب.

ويعتبر قائد “أحرار الشام” الحالي، جابر علي باشا ونائبه العام، علاء فحام، مِن الشخصيات التي ناهضت هيمنة “تحرير الشام” على إدلب سابقاً، لذلك تركّز منذ فترة طويلة على تمتين علاقاتها مع النقيب عناد الذي أيّد، في وقت سابق، فكرة العمل المشترك مع “الهيئة” ضمن غرفة عمليات موحدة، على خلاف القيادة العامة التي تسير بخطوات حذرة في هذا المجال.

ومنذ مطلع تشرين الأول الفائت، حتى اليوم الأربعاء 4 من تشرين الثاني، تتواصل البيانات والبيانات المضادة بين فرقاء الحركة، أحدث تلك البيانات، ما جاء به حسن صوفان القائد السابق للحركة، الذي أعلن قبوله تفويض الجناح العسكري لقيادة الحركة.

وكتب صوفان في قناته الرسمية على تلغرام، إن المحاولات العديدة للصلح التي تخللها العديد من التنازلات حرصاً على لم شمل الحركة قد باءت بالفشل، على حد قوله.

وأضاف أن حالة الشلل والفشل التي عاشتها الحركة خلال الفترة الأخيرة يجب أن تنتهي، وأن تأخذ الحركة دورها على كل الأصعدة خصوصاً على الصعيد العسكري، في ظل وجود استحقاقات مهمة وحاسمة تمس المنطقة المحررة.

سبق هذا البيان بساعات، إعلان قائد حركة “أحرار الشام”، جابر علي باشا، قبوله لمبادرة حملة “ارمِ معهم بسهم” التي أطلقتها أطراف وقيادات في الحركة وفي الجبهة الوطنية للتحرير، لتشكيل لجنة شرعية تحكم بين طرفي النزاع.

وأُطلقت حملة “ارمِ معهم بسهم” في صباح اليوم الأحد الفائت، بهدف القبول بتشكيل لجنة حكم شرعية يرتضيها طرفا النزاع الداخلي في حركة “أحرار الشام”، ويحتكمان لها سعياً لحل النزاع القائم.
أمام هذا المشهد يرى مراقبون أن حالة التشرذم التي أصابت “حركة أحرار الشام” ستنعكس سلباً على واقع إدلب، إذ يستغل النظام ومن خلفه روسيا ذلك، ولعلهما ينتظران أن تتطور الأمور داخل الحركة إلى صراع مسلح كي يشنا هجوماً بات على ما يبدو وشيكاً، وفق ما تدلل عليه تحركات روسيا والنظام.

انسحاب النقاط التركية.. تراجع على الخطوط الحمراء أم تكتيك عسكري

يتعلق الحدث الثاني الذي تشهده إدلب، والذي من الممكن أن يكسر حاجز الهدوء النسبي الذي تشهده، بالانسحابات التركية من نقاط المراقبة في مناطق يحاصرها نظام الأسد.

ورغم الكثير من الغموض حول السبب الذي يدفع تركيا إلى سحب نقاط مراقبتها  التي يحاصرها نظام الأسد، فإن الجيش التركي حسم الشائعات، وسحب بالفعل أولى نقاطه العسكرية الموجودة في مناطق سيطرة النظام (نقطة مورك)، في 20 من تشرين الأول الفائت.

قيادي في الجبهة الوطنية للتحرير، فضل عدم ذكر اسمه، قال قبل نحو شهر: إن الأتراك سيسحبون جميع نقاط المراقبة في مناطق سيطرة النظام، وإن قادة الجبهة الوطنية للتحرير، يعلمون بقرار أنقرة هذا منذ منتصف تشرين الأول الفائت، مشيراً إلى أن انسحاب الأتراك من نقاط المراقبة تلك سيتم ضمن جدول زمني.

وبعد نقطة مورك، بدأ الجيش التركي، أمس الثلاثاء، بإخلاء نقطة المراقبة العسكرية التابعة له، في قرية شير مغار التابعة لجبل شحشبو شمال غربي حماة، حيث رصدت مصادر محلية، خروج عشر شاحنات محملة بالمواد اللوجستية من النقطة.

وثبت الجيش التركي، في 14 من أيار 2018، نقطة شير مغار، وهي النقطة 11 من أصل 12 نقطة مراقبة ثبتها شمال غربي سوريا، بموجب اتفاق “أستانا” بين الدول الضامنة (تركيا، إيران، روسيا).
وأُنشئت 12 نقطة مراقبة تركية في منطقة “خفض التصعيد” شمال غربي سوريا، بدءاً من 17 من تشرين الأول 2017، بعد شهر من توصل تركيا وروسيا في أستانا إلى اتفاق يتضمن إنشاء منطقة آمنة منزوعة السلاح.

الخطوة التركية هذه ربطها محللون باللقاءات التي عقدت في أيلول الفائت، بين لجان الخبراء التركية والروسية، وقد رشح من تلك اللقاءات، حينئذ، رفض أنقرة عرضين متتالين من روسيا، الأول ينص على سحب النقاط التركية من كامل المنطقة الواقعة جنوب طريق M4 وليس فقط المتمركزة داخل منطقة سيطرة النظام، مقابل إعطاء تركيا مكاسب في منطقة سرت الليبية.

في حين، تضمن العرض الثاني إشراك مناطق شرق الفرات مع منطقة إدلب في عملية التوصل إلى تفاهم.

مراقبون توقعوا بعد هذه اللقاءات، أنه في حال شرعت تركيا في سحب نقاط المراقبة من المناطق الخاضعة لسيطرة النظام فهذا يعني أن الطرفين قد توصلا إلى حل وسط بين المطلب الروسي بإخلاء تركيا لجنوب الطريق M4 وبين المطلب التركي المتضمن انسحاب قوات النظام إلى حدود اتفاق “سوتشي”، إلا أن هذا الأخير لم تظهر له ملامح على الأرض بعد، على عكس المطلب الروسي الذي يسير في طريق التنفيذ.

بيانات روسية تحمل تبريرات لشن هجوم في إدلب

اليوم وأمام هذين الحدثين البارزين في إدلب (نزاع قادة أحرار الشام وانسحاب النقاط التركية)، تلوح في الأفق تحركات روسية تدلل في مضمونها على نية موسكو والنظام شن عمل عسكري في إدلب.

تبرز هذه التحركات عبر مسارين الأول تصعيد لعمليات القصف داخل مناطق سيطرة المعارضة، وإصدار بيانات تزعم أن الفصائل تنوي شن هجمات بأسلحة محرمة أو تلك التي تزعم أيضاً استهداف قاعدة حميميم.

هذان المساران استخدمتهما روسيا في أكثر من مناسبة وفي كل مرة كانت تغرق وسائل الإعلام بمثل تلك البيانات قبل أن تبدأ عملا عسكريا، ينتهي بقضمها أجزاء واسعة من مناطق سيطرة المعارضة، وقد حدث ذلك مطلع العام الجاري، حين سيطرت على مدن وبلدات وقرى استرتيجية في إدلب وحماة وحلب.

هل استعدت فصائل المعارضة لهجوم روسي محتمل؟

الناطق باسم الجبهة الوطنية للتحرير، النقيب ناجي مصطفى، قال: إن روسيا والنظام وإيران مستمرون في خروقاتهم، على الرغم من توقيع موسكو لاتفاق التهدئة، مشيراً إلى أن روسيا تراوغ وتكذب في تطبيق الاتفاق، وتحاول باستمرار  التنصل منه.

مصطفى أشار في حديث سابق، لموقع تلفزيون سوريا، أن القوات الروسية وعلى الرغم من تسييرها دوريات مشتركة مع الجانب التركي، فإنها حاولت مع قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية إحداث اختراقات في خطوط التماس، في أكثر من محور لفصائل المعارضة، وخاصة محور الحدادة في جبل الأكراد.

وحول إمكانية انتهاء الاتفاق وعودة المعارك، أكد مصطفى، أن هذا السيناريو في حساب فصائل المعارضة، وأنهم مستعدون له، لأنهم لا يثقون وفق وصفه بـ”الكذب والمراوغة” الروسية.

فصائل المعارضة، بحسب مصطفى، اتجهت منذ هدوء المعارك في آذار الفائت، إلى الاستعداد والاستفادة من التجارب السابقة، وتمت دراسة الجوانب السلبية والإيجابية منها.

وأكد أنهم أقاموا معسكرات عدة لتدريب وتجهيز المقاتلين، استخدموا فيها تكتيكات عسكرية تمكن المقاتل من القدرة على صد ومواجهة أي محاولة تقدم جديدة للنظام والقوات الروسية والإيرانية.

ولفت إلى أنهم تدربوا على كيفية التعامل مع سياسة روسيا في المعارك وهي “الأرض المحروقة”، إلى جانب التدريب على التعامل مع الأسلحة المتطورة الروسية، وخاصة الأسلحة الليلية، وقال إنهم حصنوا الجبهات هندسياً وعسكرياً، ليتمكنوا من استخدامها بشكل جيد في المعارك.

نقلا عن تلفزيون سوريا

اترك رد