واشنطن بوست: فيديو مجزرة التضامن ينكأ جراح أهالي المفقودين في سوريا

واشنطن بوست – ترجمة: ربى خدام الجامع

على مدار سنين طويلة، تعلقت أسرة صيام بأمل لم شملهم بابنهم وسيم في يوم من الأيام، إذ يعتقدون أنه ما يزال محتجزاً في أحد سجون النظام وذلك بعدما فُقد عند مروره بحاجز للتفتيش قبل عقد من الزمان تقريباً.

إلا أن ذلك الأمل تبخر عندما رأوه في فيديو تم تسريبه حديثاً، فقد كان بين العشرات من السجناء الذين وقفوا معصوبي العينين، وقُيد كل منهم بالآخر، ثم سيق كل منهم، واحداً تلو الآخر، ليطلق عليه الرصاص ثم يرمى في خندق أعدته لهم قوات الأمن السوري.

“لا يمكن لأم أن تتقبل ذلك”

تعلق سهام صيام على ذلك الفيديو المرعب الذي صُور في عام 2013 ونشر أواخر الشهر الماضي بقولها: “لقد صدمنا حتى النخاع… فقد قتلوه بدم بارد… لا يمكن لأم أن تتقبل رؤية ابنها وهو يتعرض للأذى بهذا الشكل”، فكانت تلك تصريحاتها التي أدلت بها لوكالة أسوشيتد برس من مقر إقامتها في ألمانيا حيث تعيش مع أسرتها حالياً.

خلق هذا الفيديو موجة من الحزن والخوف الذي وصلت أصداؤه إلى أسر وعائلات الآلاف من السوريين الذين اختفوا خلال الحرب السورية التي امتدت لفترة طويلة. إذ بعدما نشر هذا الفيديو على الشابكة، هرع الآلاف ليدققوا بشكل مضن في هذا المقطع الذي نشر على الشابكة بحثاً عن آثار من اختفى من أقاربهم.

وحتى في الوقت الذي تحدث فيه جرائم وفظائع مشابهة في أوكرانيا، بقيت المجازر وحالات الاختفاء التي ارتكبت في الماضي خلال سني الحرب السورية بلا أي عقاب ولم يفتح بخصوصها أي تحقيق. ولهذا يتحدث أهالي المفقودين عن ذلك العذاب المضني الذي لا ينتهي والذي يعيشونه كل يوم دون أن يعرفوا أي شيء عن مصير أحبائهم.

فيديو مسرب مقابل حق اللجوء

تواردت أخبار حول قيام أحد رجال الميليشيات الموالية للنظام بتهريب هذا الفيديو من سوريا، حيث أعطاه هذا الرجل لباحثين في جامعة أمستردام، على أمل أن يساعده ذلك في الحصول على حق اللجوء في دولة بعيدة عن سوريا. وقد عمل هذان الباحثان على التأكد من صحة ما ورد في ذلك الفيديو، وتحديد موقعه والتعرف إلى هوية بعض الجناة الذين ظهروا فيه.

كانت صحيفة الغارديان البريطانية أول من نشر هذا الفيديو في أواخر شهر نيسان الماضي، وبعدها انتشرت النسخة الكاملة منه وتم تداولها بشكل واسع على الشابكة.

“الصندوق الأسود”

يعلق على ذلك محمد العبد الله وهو مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة في واشنطن، فيقول: “حتى لو لم يظهر أحباء الأهالي في هذا الفيديو، لا بد لتلك الصور المريعة أن تنحفر في أذهانهم، وسيسأل كل منهم نفسه إن كان أقاربه قد لاقوا المصير ذاته أم لا“.

كما وصف العبد الله السجون السورية بالصندوق الأسود، وذلك لأن من يحتجز أو يقتل فيها تنقطع أخباره ولا يعلم أحد عنه أي شيء.

بيد أن معرفة الحقيقة تجلب معها نوعاً آخر من العذاب، إذ أصبحت سهام وزوجها يشاهدان هذا الفيديو كل يوم، ليتابعا آخر لحظات ابنهما وهو ما يزال على قيد الحياة وليودعاه قبل موته.

ظهر على الفيديو التاريخ التالي: 16 نيسان، 2013، أي بعد مرور يومين على اختفاء وسيم، وهو أب لطفلين، لو عاش لبلغ اليوم التاسعة والثلاثين من عمره، لكنه اختفى عند حاجز للتفتيش بالقرب من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين القريب من دمشق.

المجزرة

يظهر في ذلك الفيديو ومدته 6 دقائق و43 ثانية عناصر من الفرع 227 سيئ الصيت وهو يتبع للمخابرات العسكرية في سوريا، مع رتل مؤلف من قرابة 40 سجيناً يقفون في مبنى مهجور بمنطقة التضامن، وهي ضاحية قريبة من مخيم اليرموك تقع على تخوم دمشق. وطوال ردح طويل من الحرب، تحولت تلك المنطقة لخط جبهة بين قوات النظام ومقاتلي المعارضة.

يظهر السجناء في ذلك الفيديو معصوبي العينين، وقد قيدت أيديهم خلف ظهورهم، ثم يقوم عناصر مسلحون من الفرع 227 باقتيادهم واحداً تلو الآخر ليصلوا إلى حافة خندق مملوء بإطارات سيارات قديمة، وهناك يدفعونهم نحو الحفرة أو يركلونهم وهم يطلقون النار عليهم في أثناء سقوطهم.

خلال تلك اللعبة الوحشية، يخاطب العناصر بعض السجناء، وبينهم وسيم، ويخبرونهم بأن عليهم اجتياز زقاق فيه قناص، لذا عليهم أن يركضوا بسرعة، غير أن السجناء يتعثرون بجثث من سبقوهم، وبعدما تكومت تلك الجثث بعضها فوق بعض في تلك الحفرة، من دون أن تفارق الأرواح أجساد بعضهم التي بقيت تتحرك، أخذ المسلحون يطلقون النار على تلك الكومة.

ثم أضرم المسلحون النار بالجثث، ويفترض أنهم قاموا بذلك لطمس كل معالم المجزرة وآثارها.

أعداد المفقودين في سوريا

ما يزال 102207 أشخاص مفقودين منذ أكثر من 11 عاما أي عند بداية النزاع في سوريا، وذلك بحسب ما أوردته الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وقد ذكرت تلك المنظمة أن المسؤول الأول عن تلك الاختفاءات القسرية هو النظام السوري الذي أخفى 86792 شخصاً، بالإضافة لوجود عدد غير معلوم ممن اختفوا في متاهة السجون السرية، ويأتي تنظيم الدولة في المرتبة الثانية بما أنه مسؤول عن 8648 حالة من حالات الإخفاء القسري، وفي المرتبة الثالثة تأتي فصائل المعارضة المسلحة التي أخفت 2567 شخصاً، أما البقية فمحتجزون لدى قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة أميركياً أو لدى مقاتلين مرتبطين بتنظيم القاعدة.

أهل وجيران

ذكر أحد من تحدثوا إلى وكالة أسوشيتد برس أن 25 شخصاً من أقاربه أخذهم عناصر تابعون للفرع 227 من بيوتهم في التضامن خلال شهر تموز 2013، ويضيف هذا الرجل الذي طلب عدم ذكر اسمه ما يلي: “إننا متأكدون من أنهم قتلوا بالطريقة ذاتها (أي تلك التي ظهرت في الفيديو)، لأن من أخذهم هم الأشخاص ذاتهم الذين ظهروا في الفيديو”، وأعلن هذا الرجل أن الأهالي يعرفون بوجود العديد من الحفر في منطقة التضامن والتي أحرقت فيها جثث من قتلوا هناك. أما عناصر الأمن الذين ظهروا في الفيديو فقد كانوا جيراناً لأهالي المفقودين وكانوا يعرفون بعضهم بعضا منذ أكثر من ثلاثين سنة حسب قوله.

 

ومن بين أقاربه المفقودين هنالك أطفال وشقيقته التي ذهبت لتتفقد ما حل بأسرتها بعد مرور يومين على اقتياد أفراد تلك الأسرة من البيت، لكنها لم تعد منذ ذلك الحين.

إلا أن مأساة عائلته لا تنتهي عند هذا الحد، إذ بعد مرور بضعة أشهر على ذلك، اعتقل شقيق له على حاجز للتفتيش بما أنه لم يكن موجوداً في البيت عندما اختفت أسرته، وبعد مرور سنوات على ذلك، ظهرت صورة لجثته التي تعرضت لتعذيب شديد ضمن ملف ضم عدداً كبيراً من الصور والوثائق التي هربها أحد المنشقين المعروف باسم قيصر.

في رسالة مفتوحة طالبت 17 منظمة حقوقية ومدنية في 9 أيار الجاري مجلس الأمن الدولي بفتح تحقيق حول عمليات القتل تلك ومحاسبة مرتكبي تلك المجزرة ومن أعطوهم الأوامر، كما استنكرت تلك المنظمات عدم اتخاذ المجتمع الدولي أي إجراء تجاه سوريا، وأعربت أنه سمح للأسد وحلفائه بمواصلة ارتكاب جرائم ضد الشعب السوري مع إفلاتهم من العقاب.

الأهالي وعذاب السنين

يصف أهالي المغيبين في سوريا سنوات العذاب والبحث من دون أي جدوى وما تخللها من بصيص أمل زائف، إذ يخبرنا ماهر الذي يتمنى أن يكون شقيقه المفقود منذ عام 2013 ما يزال حياً وأن يطلق سراحه يوماً ما، أن الأمر يصبح أشبه بضربة جديدة مع كل مرة يتم فيها الإعلان عن إخلاء سبيل عدد من السجناء ويكتشف أن شقيقه ليس بينهم، ويتابع هذا الرجل الذي طلب عدم الكشف عن كنيته بالقول: “يحاول المرء أن يتكيف بمرور السنين، إلا أن الجرح ينكأ مع كل تقرير يخرج للعلن”.

“صناديق الموت”

اختفى شقيق ماهر في أثناء محاولته جلب مساعدات غذائية تقدمها وكالة الأونروا الأممية التي تدعم اللاجئين الفلسطينيين، ويخبرنا ماهر أنه تم اعتقال المئات من الأشخاص عند ذهابهم للحصول على صندوق المساعدات الغذائية، ولهذا أصبح الكثيرون يطلقون على تلك الصناديق اسم صناديق الموت.

وحتى يتجنب الناس الاعتقال، صاروا يرسلون أكبرهم سناً ليأتي بها حسبما أورد ماهر، فقد ذهب شقيقه أربع مرات للحصول على ذلك الصندوق، وفي المرة الخامسة تم اعتقاله.

وفي حال تأكد نبأ وفاته، “سيصبح الجرح مفتوحاً على اتساعه، ثم ستبدأ المعاناة الحقيقية بعد ذلك” برأي ماهر.

تجار الحرب

ثمة حفنة من المتربحين من هذه الحرب تقتات على دم تلك العائلات والأسر، حيث تبتزهم للحصول على مبالغ طائلة من الأموال مقابل وعود كاذبة بالإفراج عن أقربائهم بشكل نهائي.

بعد أيام على خروج هذا الفيديو الذي تظهر فيه عمليات القتل تلك إلى العلن، أصدر بشار الأسد عفواً على المئات من السجناء، ما دفع الأهالي للتجمع في إحدى ساحات دمشق، وهم يحملون صور المفقودين من أقاربهم، ويتوسلون إلى المخلى سبيلهم للإدلاء بأي معلومة عنهم، وذلك بحسب ما ظهر في الفيديوهات التي بثتها قنوات إعلامية تابعة للنظام.

وفي خضم كل ذلك، انتشر المتربحون من هذه العملية، فصاروا يخبرون الأهالي أن بوسعهم أن يدرجوا أسماء أقاربهم وأحبائهم ضمن قوائم المخلى سبيلهم مقابل مبلغ 50 مليون ليرة سورية، ما يعادل 13 ألف دولار أميركي، بحسب ما أورده العبد الله، الذي علق على ذلك بقوله: “كلها أكاذيب”، ومع ذلك ماتزال بعض العائلات تدفع لهؤلاء على أمل الحصول على أية معلومة.

من برلين، ذكرت وفاء مصطفى لوكالة أسوشيتد برس: “كيف أرفض عندما تكون حياة أبي معلقة؟ كيف أرفض حتى لو كنت أعرف أنهم يكذبون؟”

إذ تملأ صور أبيها المفقود منذ أن اقتيد من بيته في عام 2013 جدران غرفتها، ولهذا تتابع بالقول: “إنه لمن الجنون أن يبقى النظام مسيطراً علينا وعلى عقولنا وأجسادنا بعد مرور 11 عاما، وبعدما تركنا البلد،… أي إنه يتحكم بكياننا ووجودنا بالكامل”.

المصدر: واشنطن بوست

اترك رد