وثائق رُفعت عنها السرية.. كيف اكتشفت الاستخبارات الأميركية موقع الكُبر النووي في دير الزور

أجرى موقع “CBS NEWS” مقابلة مع المحللة السابقة وخبيرة منع انتشار الأسلحة النووية في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ماجا لينوس، تحدثت فيها عن كيفية اكتشاف واشنطن لمفاعل الكُبر النووي السري في دير الزور، وذلك وفقاً لوثائق رُفعت عنها السرية.

تقول المحللة ماجا لينوس إن وكالة الاستخبارات الأميركية حصلت، في وقت مبكر من العام 1997، على معلومات سرية تشير إلى التعاون بين كيانات نووية في كوريا الشمالية مع مسؤولين رفيعي المستوى في سوريا.

وأوضحت المحللة الأميركية، أن هذا الأمر جذب اهتمام الوكالة، ولذلك أعاد المحللون فحص المعلومات التي تم جمعها، بحثاً عن علامات تعاون سابقة، لكن لم يتم الوصول إلى أي شيء، لكن وفقاً للمعلومات المتوافرة عن الأشخاص المعنيين، خلصت الوكالة إلى أن هناك علاقة بين سوريا وكوريا الشمالية تتعلق بالطاقة النووية في أحد المواقع في سوريا، لكن لم يتم تحديد المكان بدقة.

بناء غامض

في العام 2005، تقول لينوس، تلقت الوكالة معلومات استخبارية تشير إلى أن سوريا وكوريا الشمالية تتشاركان في مشروع في منطقة دير الزور شرقي سوريا، إلا أنه لم تتوفر حينها معلومات محددة حول طبيعة المشروع أو الموقع المحدد، إلا أن ذلك أكد أكثر أن هناك تعاوناً مستمراً بين سوريا وكوريا الشمالي يشمل أشخاصاً مرتبطين بالطاقة النووية، بينهم رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية، ورئيس محطة وقود مفاعل يونغبيون النووي في كوريا الشمالية.

مع تكثيف عملية البحث في المنطقة، حددت الوكالة، عبر صور وصلتها، بناءً كبيراً قيد الإنشاء في منطقة نائية بالقرب من نهر الفرات، وأقرب بلدة إليه هو قرية الكُبر، حيث إن أي شيء لافت في الهيكل الخارجي للبناء يمكن أن يوضح الغرض منه، ولم يكن هناك أي دليل على تدابير أمنية أو بوابات أو حراس.

وتضيف لينوس أن حجم البناء وتشييده في منطقة نائية وفي موقع مخفي بين تضاريس المنطقة وقربه من مصدر غزير للمياه، كان أمراً مثيراً للاهتمام، لذلك واصلت الوكالة البحث عن أدلة إضافية حول البناء الغامض تكشف الغرض منه.

ضلوع كوريا الشمالية

في العام 2007، حصلت وكالة الاستخبارات الأميركية من مصدر خاص، دون أن تذكر هويته، على صور بالغة الدقة لأحد المباني، قال المصدر إنها لمنشأة عسكرية سورية في منطقة دير الزور، وقامت الوكالة بعد ذلك بمقارنة الصور الحديثة مع الصور والمعلومات التي توفرت لديها سابقاً.

وتشير المحللة الأميركية إلى أن الاستخبارات الأميركية طلبت من الوكالة الوطنية الأميركية للجغرافيا صنع نموذج حاسوبي ثلاثي الأبعاد للمبنى وفقاً للصور الجديدة، والتي أوضحت أن جميع معالم البناء مثل النوافذ والأبواب وفتحات التهوية في الجدران متطابقة تماماً مع الصور السابقة، وتم التأكيد بأن هذه الصور هي لنفس البناء الذي تم تحديده سابقاً.

وأظهرت الصور، وفق المحللة، الغرض من البناء، حيث كان من الواضح أنه نوع من المفاعلات الذي تستخدمه كوريا الشمالية، وهو مفاعل غازي مبرد بتبريد الجرافيت، وتضمنت مكوناته أنابيب عمودية في الجزء العلوي من المفاعل، ومنافذ التزود بالوقود، ووعاء مفاعل خرساني وبطانة فولاذية، وإمدادات مياه لنقل الحرارة.

تؤكد لينوس أن أوجه التشابه بين هذا البناء مع مفاعل طاقة البلوتونيوم في كوريا الشمالية كانت مدهشة، وكانت هي الدولة الوحيدة التي بنت هذا النوع من المفاعلات خلال الـ 35 سنة الماضية، ما يشير إلى ضلوعها في الأمر.

وبالإضافة إلى ذلك، حصلت وكالة الاستخبارات الأميركية على بعض الصور الحديثة قبل اكتمال البناء، أكدت أن جهداً كبيراً بُذل لتغيير المظهر الخارجي للبناء بهدف إخفاء الغرض منه، حيث كان قبل ذلك يشبه إلى حد كبير مفاعل الطاقة يونغبيون البلوتونيوم في كوريا الشمالية.

وأظهرت الصور جدراناً ستارية وسقفاً خفيفاً تم إضافتها إلى البناء لتغيير مظهره الخارجي وإخفاء التشابه مع تلك المنشأة في كوريا الشمالية.

ووفق ما قالت المحللة الأميركية، فإن واشنطن وبعد قضية أسلحة الدمار الشامل في العراق، قامت بتحليلات مكثفة لاستكشاف إذا ما كان الموقع يمكن أن يكون لأي غرض آخر، إلا أنه افتقر لتخزين الوقود والتربينات اللازمة لإنشاء محطة الطاقة التي تعمل بالنفط، أي أنه لم يتم بناؤه لإنتاج الكهرباء.

كما أنه افتقر إلى الأنابيب التي قد تشير إلى الري أو معالجة المياه، ولم يتم تحديد أي تفسيرات أخرى قابلة للتطبيق، ما كوّن ثقة كبيرة في أن البناء كان مفاعلاً نووياً مصمماً لإنتاج البلوتونيوم.

_100505993_bff54af0-13fc-445b-a15e-da27253c1540.jpg
من صور نشرتها الاستخبارات الأميركية لبناء منشأة الكُبر في دير الزور وأوجه الشبه مع منشأة نووية في كوريا الشمالية

إلى الرئيس بوش

خلال الشهور الأولى من العام 2007، استمرت الوكالة بمراقبة البناء، وكشفت الصور الملتقطة أنه تم تمرير أنابيب مياه من نهر الفرات عبر واد قرب المنشأة تصل إلى خزان مدفون بجوار مبنى المفاعل، ما يسمح بضخ المياه من خلال المبادلات الحرارية في المبنى، وتم إنشاء خط أنابيب منفصل لإعادة الماء الساخن إلى النهر.

وتضيف لينوس، أنه في شهر آب من العام 2007 كانت المدخنة وخطوط الأنابيب على وشك الانتهاء، وكانت هذه مشكلة كبيرة للوكالة، لأن تلك ستكون آخر المؤشرات التي يمكن ملاحظتها بمجرد اكتمالها، فعند ذلك كان من الممكن أن تبدأ عمليات تشغيل المفاعل في أي وقت.

وأوضحت لينوس أنه بعد جمع المعلومات وتأكيدها، كان لابد من تقديم المعلومات إلى الرئيس الأميركي حينها، جورج دبليو بوش، وأكدت الوكالة أن المنشأة التي تم اكتشافها هي جزء من برنامج الأسلحة النووية السوري.

ووفق ما ذكرت المحللة الأميركية، فإن الاستخبارات المركزية وضعت أمام الرئيس ثلاثة أحكام، أولها أن سوريا كانت تبني في المنشأة مفاعلاً مبرداً بالغاز، ويعتمد على الجرافيت، بحيث سيكون المفاعل قادراً على إنتاج مادة البلوتونيوم للأسلحة الكيماوية، ولم يتم تكوينه لإنتاج الكهرباء، ولم يكن من المناسب البحث عنه.

والحكم الثاني أكد أن الاستخبارات المركزية كانت مقتنعة، بناء على مجموعة متنوعة من المعلومات، أن كوريا الشمالية ساعدت النشاط النووي السوري السري منذ 10 سنوات في بناء مفاعل خاص، حيث إن هذا النوع من المفاعلات أنتجته كوريا الشمالية فقط خلال السنوات الـ 35 الماضية، بينما أشار الحكم الثالث إلى أن هذه المنشأة كانت جزءاً من برنامج الأسلحة النووية السورية.

وتوضح المحللة الأميركية، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قدمت تحذيراً استراتيجياً للإدارة الأميركية، التي أقرت بأن شيئاً خطيراً جداً يحدث في الصحراء السوري، ويجب فعل شيء حياله.

وتؤكد لينوس أن المفاعل تم تدميره في وقت مبكر من صباح يوم 6 من أيلول من العام 2007، قبل أن يتم تحميل المفاعل بالوقود النووي أو تشغيله، بواسطة غارة إسرائيلية بالتعاون مع واشنطن، ولم تعرف بها الحكومة الإسرائيلية رسمياً حتى العام 2018.

إنكار وتمويه

وتشير المحللة الأميركية إلى أن ما فعله نظام الأسد حينها هو الإنكار الشديد لحدث تدمير منشأة نووية، ونفى أن يكون لديه منشآت نووية غير معلنة، إلا أن المعلومات التي حصلت عليها الوكالة تؤكد أن ما فعله النظام هو البدء بتفكيك منشأة المفاعل المدمر بسرعة كبيرة، في محاولة لإزالة جميع المعدات أو الهياكل النووية التي يحتمل أن تجرّمه، مشيرة إلى أنه قام بالكثير من العمل خلال الليل وأخفيت المعدات بالقماش لتمويه الموقع ومنع تصويره عبر الأقمار الصناعية.

وبعد نحو شهر من الغارة الإسرائيلية التي دمّرت المنشأة، استخدم النظام هدماً جماعياً محكماً، بهدف تدمير ما تبقى من المنشأة، لأن مكونات المفاعل الرئيسية مصنوعة من الخرسانة المسلحة شديدة الصلابة، ومن الصعب جداً تدميرها، لذلك كشفت الصور بعد ذلك عن الملامح الرئيسية للهيكل الداخلي للمبنى، وبقايا وعاء المفاعل الخرساني، وغرف التبادل الحراري المحمية، وحوض الوقود المستخدم، وأكد أن ما كان يبنيه النظام في المنشأة هو مفاعل نووي، بمساعدة كوريا الشمالية.

kebar-syria17.jpg
من صور نشرتها الاستخبارات الأميركية لموقع منشأة الكُبر قبل تدميره وبعده

وأشارت لينوس إلى أن المعلومات الاستخبارية قالت إن خبراء في الأسلحة الكيميائية من كوريا الشمالية سافروا إلى سوريا بعد وقت قصير من تدمير المنشأة، مما أكد أكثر أن الكوريين الشماليين كانوا يساعدون في مشروع المفاعل النووي السوري.

ووفق المحللة، فإن النظام نجح في نهاية المطاف في إزالة معدات الإدانة، لكن لم يكن هذا هو المكان الذي توقفت فيه جهود التستر، حيث قام النظام بعد ذلك بتجريف تل مجاور، ووضع التراب فوق المفاعل السابق، ثم قام ببناء جديد فوق القديم، وأضاف خط أنابيب مياه يصل إلى منشأة لمعالجة المياه على بعد عدة كيلومترات، بهدف تضليل المفتشين الدوليين ومنعهم من العثور على حطام المفاعل.

يشار إلى أن نظام الأسد سمح لمفتشين دوليين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة موقع الكُبر، وعلى الرغم من جهود الإخفاء، إلا أن الوكالة قالت في تقريرها إن المنشأة التي دمرتها إسرائيل في العام 2007، كانت على الأرجح منشأة نووية قيد الإنشاء.

اترك رد