سيريا مونيتور ـ عبد الفتاح النعيمي
في محافظة الرقة، لا يبدو أن معايير العدالة أو المحاسبة تشكّل أولوية لدى القائمين على إدارة المشهد العام، بقدر ما تحضر سياسة “إعادة التدوير” كخيار جاهز وسريع، ليس للنفايات هذه المرة، بل للأشخاص أنفسهم. شخصيات كانت في واجهة العمل مع تنظيم “قسد”، وارتبط اسمها بانتهاكات واضحة وقرارات قمعية بحق الأهالي، تعود اليوم إلى الواجهة من جديد، وكأن شيئًا لم يكن.
هذه الظاهرة، التي باتت مألوفة لدى سكان الرقة، تمثل إهانة مضاعفة: إهانة لتضحيات الشهداء الذين سقطوا، وإهانة للأهالي الذين دفعوا أثمانًا باهظة من أمنهم وكرامتهم واستقرارهم. فبدل أن تكون المرحلة الجديدة فرصة لطي صفحة الانتهاكات وبناء إدارة قائمة على الكفاءة والنزاهة، يتم استدعاء الوجوه ذاتها، بالعقلية ذاتها، وبالأساليب ذاتها، فقط مع تغيير المسميات.
إعادة تدوير الأشخاص هنا لا تعني تصحيح أخطاء أو مراجعة مسارات، بل تعني إعادة إنتاج الفشل نفسه. فكيف يمكن لمن تورط في انتهاكات، أو شارك في إقصاء المجتمع المحلي، أو استغل النفوذ لتحقيق مصالح شخصية، أن يكون جزءاً من أي مشروع إصلاحي أو إداري؟ وأي رسالة تُوجه للأهالي حين يرون من أساء إليهم بالأمس يُكافأ اليوم بمنصب أو دور جديد؟
الأخطر من ذلك أن هذه السياسة تضرب مفهوم العدالة الانتقالية في الصميم. لا تحقيقات شفافة، لا محاسبة علنية، ولا اعتراف بالانتهاكات التي تعرّض لها المدنيون. يتم تجاوز كل ذلك تحت ذرائع “الخبرة” أو “الحاجة الإدارية”، وكأن الخبرة تُقاس بعدد الأخطاء لا بقدرة الشخص على خدمة المجتمع باحترام ومسؤولية.
في الرقة، لا يطالب الناس بالمستحيل. مطلبهم بسيط وواضح: إدارة تحترم تضحياتهم، وتعترف بآلامهم، ولا تفرض عليهم وجوهاً ارتبطت بالقمع والتجاوزات. فبناء أي استقرار حقيقي لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير الأشخاص أنفسهم، بل على قطيعة صريحة مع ممارسات الماضي، ومساءلة حقيقية، وإفساح المجال لطاقات نظيفة لم تتلوث بدماء الناس وحقوقهم.
ما لم يحدث ذلك، ستبقى الرقة تدور في حلقة مفرغة، يُعاد فيها إنتاج الأزمة بوجوه قديمة، وتُدفن فيها آمال الأهالي تحت ركام “إدارة” لا ترى في الإنسان سوى مادة قابلة لإعادة الاستخدام، مهما كان ثمن ذلك من كرامة وعدالة وذاكرة جماعية.