الأونصة تلامس 5000$.. كيف يبرر الاقتصاديون هذا الارتفاع التاريخي؟

سيريا مونيتور

لدى المستثمرين هذه الأيام الكثير مما يدعو للقلق. سواء كان ذلك انخفاض عوائد السندات، أو ارتفاع أسعار الأسهم إلى مستويات مبالغ فيها، أو الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس ترمب، فإن ردّ فعلهم كان واحدًا: شراء الذهب.

تقول صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها، إنه بعد ثلاثة أشهر فقط من وصوله إلى السعر الذي كان يُعدّ يومًا ما مستحيلًا، وهو 4,000 دولار للأونصة، تجاوزت أسعار الذهب 5,000 دولار في التداولات اليومية. وارتفعت العقود الآجلة بنسبة 2% لتصل إلى 5,095.10 دولارات للأونصة في وقت مبكر من صباح يوم الإثنين، بعد أن أغلقت يوم الجمعة عند مستوى قياسي جديد بلغ 4,976.20 دولارًا. وفيما يلي خمسة عوامل تدفع هذا الارتفاع:

صفقة تآكل قيمة العملات (The Debasement Trade)

من بين أكثر المشترين تفاؤلًا بالذهب أولئك القلقون بشأن قوة الدولار الأميركي وغيره من العملات الرئيسية. فقد اندفعوا إلى شراء المعدن النفيس بوصفه مخزنًا للقيمة يأملون أن يصمد أمام الصدمات الاقتصادية.

وقد منحهم ترمب مؤخرًا أسبابًا كثيرة للحذر. ففي هذا الشهر فقط، سمح بتدخل في فنزويلا للإطاحة بالحاكم القوي نيكولاس مادورو، وصعّد ضغوطه على رئيس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول لخفض أسعار الفائدة من خلال تحقيق لوزارة العدل، كما هدّد بفرض طبقة إضافية من الرسوم الجمركية على الحلفاء الأوروبيين إذا لم يستجيبوا لمسعاه بشأن غرينلاند.

ويُعرف هذا التوجّه في وول ستريت باسم صفقة تآكل قيمة العملات، وهو قائم على الخوف من عجز الحكومات عن كبح التضخم أو خفض الديون، ما يؤدي إلى تآكل قيمة العملات التي يقوم عليها النظام المالي العالمي.

في أوائل عام 2025، اندفع المستثمرون إلى الذهب في حين أسهم سيل الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب في تسجيل الدولار أسوأ نصف أول من العام منذ 50 عامًا. وبعد أن أشار باول في أغسطس إلى أن البنك المركزي سيبدأ خفض أسعار الفائدة رغم استمرار التضخم فوق المستهدف، واصل الذهب ارتفاعه.

وفي الوقت نفسه، أسهم تضخم مستويات الديون والسياسات الاقتصادية التوسعية في أوروبا واليابان في تغذية هذا الاتجاه. ومع تجدد المخاوف من حرب تجارية عبر الأطلسي، أدى بيع مكثف للسندات في اليابان الأسبوع الماضي إلى دفع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات قياسية.

ويقول محللون إن استقرار هذه الركائز الأساسية للأسواق – وكذلك المؤسسات المشرفة عليها – قد يحدد مسار الذهب في المرحلة المقبلة.

وقال دانيال غالي، استراتيجي TD Securities، لعملائه يوم الثلاثاء: “ارتفاع الذهب مرتبط بالثقة. حتى الآن، الثقة انحنت لكنها لم تنكسر. وإذا انكسرت، فسيستمر الزخم لفترة أطول”.

انخفاض أسعار الفائدة

تُعدّ تخفيضات الفائدة التي يجريها الاحتياطي الفدرالي، والتي خفّضت عوائد السندات الحكومية والنقد، عاملًا رئيسيًا آخر يدفع المستثمرين نحو الذهب.

فقد أصبحت سندات الخزانة الآمنة جدًا استثمارًا جذابًا في عام 2022 عندما بدأ الفدرالي برفع أسعار الفائدة لمواجهة تضخم حقبة كوفيد. وارتفعت الأصول النقدية في صناديق أسواق المال – التي تستثمر في السندات – إلى 7.7 تريليونات دولار أواخر العام الماضي، مقارنة بنحو 5.1 تريليونات دولار في أوائل 2022.

لكن السندات الحكومية وصناديق أسواق المال فقدت جزءًا من جاذبيتها الآن بعد تراجع العوائد، ومع احتمال انخفاضها أكثر إذا نجح ترمب في دفع البنك المركزي إلى مزيد من التخفيضات.

إن انخفاض العوائد على الأصول الخالية من المخاطر، مثل سندات الخزانة، يقلّل من كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدرّ عائدًا لكنه يتمتع بإمكانات صعود أكبر.

ويكفي أن يتحول جزء صغير فقط من جبل السيولة المحتفظ بها في صناديق أسواق المال إلى الذهب ليكون لذلك تأثير كبير على الأسعار. ويقدّر محللو “غولدمان ساكس” أن الصناديق المتداولة التي تحتفظ بالذهب تمثل فقط 0.17% من المحافظ المالية الخاصة في الولايات المتحدة، وأن كل زيادة بنسبة 0.01% – ناتجة عن الشراء لا عن ارتفاع السعر – ترفع سعر الذهب بنسبة 1.4%.

 شراء البنوك المركزية

في الوقت نفسه، يواجه المستثمرون منافسة من مشترين لا يشكّل السعر بالنسبة لهم عائقًا كبيرًا: البنوك المركزية.

فبعد سنوات طويلة من كونها بائعة صافية للذهب، تحولت البنوك المركزية إلى مشترٍ صافٍ في عام 2010 بعد إعادة تقييم المخاطر عقب الأزمة المالية العالمية. وتسارعت وتيرة الشراء في عام 2022، عندما فرض الغرب عقوبات على روسيا بسبب غزوها أوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، اتجهت بنوك مركزية في دول لديها علاقات متوترة مع الغرب – مثل الصين – إلى تقليص حيازاتها من الأصول المقومة بالدولار لصالح الذهب، الذي لا يخضع لسيطرة أطراف خارجية.

أما دول أخرى، مثل بولندا، التي يعد بنكها المركزي من أكثر المشترين شراسة للذهب، فتهدف إلى تعزيز استقرار عملاتها من خلال امتلاك أصول لا تحمل المخاطر نفسها المرتبطة بالديون السيادية.

وقال خوان كارلوس أرتيغاس، رئيس الأبحاث في مجلس الذهب العالمي: “البنوك المركزية لا تشتري الذهب فقط لأداء سعره، بل للدور الذي يمكن أن يلعبه في الاحتياطيات الأجنبية. الذهب أداة فعالة جدًا للتحوّط وتنويع الاحتياطيات”.

ارتفاع أسعار الأسهم

كما هو الحال مع الذهب، بلغت مؤشرات أسواق الأسهم مستويات قياسية، لكن هذه الارتفاعات الحادة تجعل المستثمرين أكثر توترًا.

الطريقة الأكثر شيوعًا لتقييم الأسهم هي مقارنة السعر بالأرباح. وأحد المقاييس الشائعة، وهو نسبة السعر إلى الأرباح المعدّلة دوريًا، يشير إلى أن الأسهم لم تكن أغلى مما هي عليه اليوم إلا مرة واحدة خلال المئة عام الماضية: قبيل انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000.

وتُعدّ أسهم التكنولوجيا مرة أخرى مصدر القلق الأكبر، إذ تستطيع شركات ضخمة مثل إنفيديا وتسلا وأمازون دفع مؤشر S&P 500 صعودًا أو هبوطًا بغض النظر عن أداء مئات الأسهم الأخرى.

 الزخم

يبقى الذهب رهانًا جيدًا لمواصلة الصعود، ولو لسبب واحد فقط: ارتفاعاته تميل إلى الاستمرار لفترات طويلة. ففي خمس من السنوات الست التي سبقت 2025، والتي ارتفعت فيها عقود الذهب الآجلة بأكثر من 20%، واصل الذهب الارتفاع في العام التالي. وكان متوسط الزيادة في تلك السنوات يتجاوز 15%، وفقًا لمحللي “سيتي”.

وقد تكرّر هذا النمط في عام 2025، عندما تبع الذهب مكاسب عام 2024 البالغة 27% بارتفاع ضخم وصل إلى 65%.

Read Previous

استقرار في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في تداولات اليوم

Read Next

البدء بتنفيذ دراسة شاملة لإعادة تأهيل المرافق التعليمية والصحية في الرقة

Most Popular