الجزيرة السورية حكاية التهميش وتشويه الصورة من البعث إلى الحاضر

سيريا مونيتور – عبدالفتاح النعيمي
على امتداد عقود، لم تكن منطقة الجزيرة العربية السورية، مجرد جغرافيا بعيدة عن المركز بل كانت موضوعاً سياسياً في سردية السلطة، تُعاد صياغته باستمرار بما يخدم بقاء الحكم. فمنذ استقرار سلطة البعث في سوريا، ثم ترسّخها في عهد المقبور ، وصولًا إلى مرحلة الفار، تشكّل مسار طويل من التهميش البنيوي، لم يقتصر على الاقتصاد والإدارة، بل امتد إلى الوعي العام وصورة الإنسان المحلي في الصورة المشتركة للوطن.
غير أن التهميش المادي لم يكن سوى وجه واحد من القصة. الوجه الأعمق كان ثقافياً ورمزياً. فقد عملت السلطة عبر أدواتها الإعلامية، على صياغة صورة نمطية عن أبناء الجزيرة، صورة تُظهرهم خارج الحداثة، أسرى العصبية العشائرية، أو أقرب إلى البداوة الجامدة من المجتمع المدني. لم يكن ذلك اعتباطياً فحين يُقدم مجتمع ما بوصفه متخلفاً أو هامشياً، يصبح تهميشه مقبولاً في الوعي العام، بل ومبرراً.
هنا لعبت الدراما السورية، خصوصاً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، دوراً مؤثراً. فعندما كانت الشخصيات القادمة من الشرق أو الجزيرة تظهر في المسلسلات، كانت غالباً تُرسم بملامح مبالغ فيها لهجة ثقيلة، سلوك خشن، بساطة مفرطة، أو جهل بالمدينة. كان “ابن الجزيرة” يُستخدم درامياً كشخصية طرفية أو كوميدية أو متخلفة اجتماعياً، في مقابل “المدني المتحضر” الأكثر رقياً. ومع تكرار هذه الصور، ترسخت في المخيلة الجمعية السورية ثنائية غير معلنة مركز متحضر وأطراف متأخرة ومتخلفة.
هذه الصورة الدرامية لم تعكس الواقع الاجتماعي للجزيرة، التي عرفت تاريخاً طويلاً من علاقات التضامن والتجارة والزراعة المنظمة والتعدد الثقافي والفكري.
لكنها أدت وظيفة سياسية هي إضعاف الشرعية الرمزية لأي مطالبة بالمساواة أو الشراكة. فالمجتمع الذي يُرى بدائياً، يسهل تجاهل حقوقه ويدار من قبل المركز ويكون وصياً عليه.
بعد التحرير كان الأجدر بالدراما السورية، التي كان يمكن أن تراجع صورتها القديمة، فقد أعادت في بعض الأعمال الحديثة إنتاج القالب ذاته، وإن بلبوس مختلف. فالشخصيات القادمة من الشرق السوري ما زالت تُقدم أحياناً بوصفها ضحية دائمة أو عنصراً فوضوياً أو بيئة حاضنة للعنف، خصوصاً في الأعمال التي تناولت سنوات الثورة. وهكذا انتقل التشويه من صورة “البدائي” سابقاً إلى صورة “المتطرف أو المنكوب” لاحقاً، مع بقاء الجوهر نفسه مجتمع بلا فاعلية تاريخية ذاتية.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس الفقر أو ضعف الخدمات، بل تجريد مجتمع كامل من صورته المتوازنة في الوعي العام. فحين يُختزل الناس في كليشيهات، يُهمَّش تاريخهم، وتُضعف ثقتهم بأنفسهم، ويصبح إقصاؤهم أسهل سياسياً وثقافياً. وهذا ما حدث طويلاً لأبناء الجزيرة العربية السورية.
ومع ذلك، فإن المجتمعات لا تختفي تحت ثقل الصور المفروضة. فقد حافظت الجزيرة، رغم التهميش والتشويه، على منظومات قيمها الأساسية مثل التضامن، الكرامة، والعلاقات الاجتماعية الممتدة على كامل تراب منطقة الجزيرة. وهي عناصر تاريخياً أكثر رسوخاً من أي سردية سلطة عابرة. لذلك، فإن استعادة الدور ليست مسألة خلق هوية جديدة، بل تحرير الهوية القائمة من طبقات التشويه التي تراكمت عليها عبر عقود من التهميش الممنهج..

Read Previous

السعودية تحدد مسار كابل الألياف الضوئية إلى أوروبا عبر سوريا بدلاً من إسرائيل

Read Next

مظلوم عبدي: اجتماع مرتقب مع وزارة التربية لبحث آليات اعتماد اللغة الكردية كلغة تعليم

Most Popular