سيريا مونيتور – صهيب جوهر
لم يعد ممكناً التعامل مع المواجهة الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران باعتبارها جولة عسكرية تقليدية. اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في 28 شباط 2026 نقل الصراع من مستوى استهداف القدرات إلى استهداف رأس النظام نفسه. الضربة لم تكن موجهة إلى منشأة أو منصة إطلاق فحسب، بل إلى المركز الرمزي والسياسي الذي كان يمسك بخيوط التوازن داخل الجمهورية الإسلامية.
لكن، وعلى الرغم من ضخامة الحدث، لا تشير التقديرات الإسرائيلية والغربية إلى انهيار وشيك للنظام. في تل أبيب، تتقاطع القراءة الأكاديمية مع التقييم العسكري، أن إيران ليست نظاماً هشاً يسقط برحيل خامنئي. الحديث يدور عن دولة كبيرة، تملك مؤسسات متجذرة، وأجهزة أمنية وعسكرية مترابطة قمعية، وقاعدة أيديولوجية لا تزال فاعلة. بعض التقديرات الإسرائيلية تذهب إلى حد القول إن لكل قائد تم اغتياله بدائل متعددة جاهزة داخل المنظومة.
إذن، المسألة ليست “هل يسقط النظام فوراً؟”، بل “هل يبدأ مسار تآكل بطيء نتيجة الضربات والفراغ القيادي؟”.
واشنطن… خطاب عسكري محدود وسقف سياسي مفتوح
في حين يتصرف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفق معادلة مركّبة. على المستوى العملياتي، يعلن أن الهدف هو تحييد “تهديدات وشيكة”، خصوصاً فيما يتعلق بالصواريخ الباليستية، ومنصات الإطلاق، وشبكات الوكلاء. لكن في خطابه السياسي، يتجاوز هذا السقف عندما يخاطب الإيرانيين داعياً إياهم إلى “استعادة دولتهم” بعد انتهاء الضربات.
هذا التباين ليس ارتباكاً، بل آلية إدارة صراع. إذا نجحت الضربات في فرض ردع جديد، تستطيع الإدارة الأميركية تقديم العملية كتحرك دفاعي محدود. وإذا تعثّر الردع أو اتسعت المواجهة، يبقى الباب مفتوحاً أمام رفع السقف والحديث عن تغيير سياسي داخل إيران.
المعضلة هنا أن طهران لا تقرأ الخطاب بهذه البراغماتية. من منظورها، أي إيحاء بتغيير النظام يُحوّل الحرب من مواجهة ردعية إلى معركة بقاء، وهو ما يرفع احتمالات التصعيد ويُقلص فرص التسوية السريعة.
إسرائيل.. الرهان على الإضعاف لا على الضربة القاضية
في المقابل، تبدو إسرائيل أقل غموضاً في تعريف أهدافها. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لطالما اعتبر أن جوهر المشكلة ليس فقط في سلوك إيران الإقليمي، بل في طبيعة النظام نفسه. لذلك تُقرأ العمليات الحالية في إسرائيل كفرصة لإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.
الجيش الإسرائيلي يتحدث عن مراحل واضحة، مرحلة أولى تستهدف الصواريخ الباليستية، ومنصات الإطلاق، ومخازن التصنيع، وقيادات عسكرية مركزية. المرحلة التالية قد تمتد إلى منشآت أكثر حساسية، إذا استمر التصعيد. في حين نشرت مواقع إسرائيلية أن هناك “خطة مبرمجة” لتوزيع الأهداف بين واشنطن وتل أبيب، بحيث يتكامل العمل العسكري بين الطرفين.
لكن داخل إسرائيل نفسها، لا يسود اعتقاد بأن الضربات الجوية وحدها ستُسقط النظام. السؤال الذي يشغل المحللين هناك هو، ماذا عن اليوم التالي؟ ماذا عن مخزون اليورانيوم المخصب؟ ماذا عن مئات الصواريخ التي لم تُستهدف بعد؟ هذه الأسئلة تعكس إدراكاً بأن المعركة لم تُحسم بعد، وأن بنك الأهداف لا يعني بالضرورة نهاية الخطر.
طهران.. إدارة الصدمة وإدارة المخزون
على الجانب الإيراني، يبدو أن الردّ لم يكن ارتجالياً رغم اغتيال خامنئي. التقارير الإسرائيلية تشير إلى أن إطلاق الصواريخ بدأ سريعاً، ما يدل على أن طهران كانت قد أعدّت سيناريو الرد المسبق. لكن اللافت هو طريقة إدارة الرد، عبر رشقات متتالية بعدد محسوب، وليس موجات كثيفة دفعة واحدة.
هذه الاستراتيجية توحي بأن إيران لا تريد حسم المعركة في أيام، بل إدارة حرب طويلة النفس. وفي الوقت ذاته، تعمل على تجنّب “عتبة القتل الجماعي” التي قد تُجبر واشنطن على توسيع الحرب بشكل جذري. إضافة إلى ذلك، تلوّح طهران بخيارات رمادية: هجمات سيبرانية، ضغط على الملاحة، أو تحريك ساحات غير تقليدية.
السؤال الحاسم هنا:
هل تعتبر القيادة الجديدة أن الحرب تستهدف قدراتها، أم بقاءها؟ الجواب سيحدد سقف الرد.
من المؤشرات اللافتة في الجانب الإسرائيلي تشديد الرقابة العسكرية. فإلى جانب منع نشر مواقع سقوط الصواريخ، يجري حظر نشر نسبة الاعتراض وعدد الصواريخ التي تصل إلى العمق. الهدف المعلن هو منع إيران من تقييم فعالية ضرباتها وتحسين دقتها.
هذا الإجراء يعكس إدراكاً بأن المعركة ليست فقط في السماء، بل في إدارة المعلومات. فالحرب النفسية، وصورة “النجاح” أو “الاختراق”، لا تقل أهمية عن عدد الصواريخ الفعلي.
سوريا بعد سقوط النظام السابق.. خارج المعادلة المباشرة
في هذه الحرب، تبدو سوريا للمرة الأولى منذ أكثر من عقد خارج الاصطفاف الإيراني المباشر. سقوط النظام البائد وصعود إدارة جديدة برئاسة أحمد الشرع لم يغيّرا فقط التوازن الداخلي، بل أنهيا عملياً البنية العسكرية الإيرانية التي كانت متجذّرة في البلاد. لم يعد هناك حضور للحرس الثوري، ولا غرف عمليات مشتركة، ولا ميليشيات عابرة للحدود تتحرك بغطاء رسمي. البنية التي استُخدمت لسنوات كذراع متقدمة لإيران في شرق المتوسط تم تفكيكها سياسياً وأمنياً.
لكن غياب الوجود الرسمي لا يعني انتهاء المخاطر. القلق الحقيقي اليوم لا يتعلق بعودة إيرانية عسكرية علنية، بل بمحاولات أكثر خطورة، عبر تجنيد خلايا نائمة، استقطاب عناصر محلية عبر شبكات مالية أو أيديولوجية، أو استثمار روابط قديمة في بعض المناطق التي شهدت وجوداً إيرانياً كثيفاً خلال السنوات الماضية. مثل هذا السيناريو لا يحتاج إلى قواعد عسكرية أو أرتال مسلحة، بل إلى مساحات أمنية رخوة يمكن العمل من خلالها.
التحول في دمشق جعل الدولة السورية الجديدة أمام اختبار سيادي مزدوج. فمن جهة، هناك حاجة واضحة لإثبات أن الأراضي السورية لن تعود منصة صواريخ أو مسيّرات أو رسائل إقليمية بالنيابة عن أي طرف. ومن جهة أخرى، هناك تحدي تفكيك الإرث الأمني لشبكات تراكمت خلال سنوات الحرب، والتي قد تحاول بعض الأطراف إعادة تنشيطها في لحظة اضطراب إقليمي.
إقليمياً، يدرك الفاعلون أن استخدام سوريا كورقة رد غير مباشر سيضعها في موقع حساس للغاية. أي نشاط عسكري ينطلق من أراضيها — حتى لو كان محدوداً — سيعيد إدخالها في معادلة الاستهداف الإسرائيلي وحجة جديدة لتوسيع إسرائيل لعملياتها في جنوبي سوريا، وهو ما تسعى دمشق إلى تجنّبه بأي ثمن. لذلك، من المتوقع أن نشهد تشدداً أمنياً استباقياً، ومراقبة دقيقة لأي تحركات مالية أو تنظيمية يمكن أن تشير إلى محاولة إعادة بناء نفوذ إيراني غير معلن.
وفي الوقت ذاته، يضع هذا المشهد الإدارة السورية الجديدة أمام معادلة دقيقة، فهي تريد تثبيت صورة سوريا كدولة مستقلة القرار، غير منخرطة في محور إقليمي، لكنها أيضاً لا ترغب في الظهور كجزء من الاصطفاف المضاد لإيران في الحرب الدائرة. هذا التوازن سيكون أحد أهم اختبارات السياسة السورية في المرحلة المقبلة.
لذا لم تعد سوريا ساحة مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران كما كانت في السنوات الماضية، لكنها قد تتحول إلى ساحة اختبار أمني صامت. الفارق أن المعركة، إن حدثت، لن تكون بين جيوش معلنة، بل بين دولة تسعى لترسيخ سيادتها وشبكات تحاول إعادة فتح نافذة نفوذ في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
إلى أين تتجه المواجهة؟
المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاث احتمالات رئيسية. قد نشهد صدمة قصيرة تنتهي خلال أيام إذا شعرت طهران أن كلفة التصعيد مرتفعة، خاصة مع حساسية أسواق الطاقة. وقد تتدحرج الأمور إلى جولة تمتد أسابيع، في إطار “عضّ أصابع” متبادل قبل فتح قنوات وساطة. أما السيناريو الأخطر فهو انزلاق تدريجي إلى حرب منخفضة الشدة طويلة الأمد، تتراجع فيها الضربات الجوية الكبرى مقابل تصاعد المواجهات غير المباشرة.
لذا فاغتيال خامنئي غيّر قواعد اللعبة، لكنه لم يحسم نتيجتها. واشنطن تريد حرباً لها نهاية واضحة تفرض ردعاً جديداً. إسرائيل ترى فرصة لإضعاف استراتيجي طويل الأمد. أما طهران، فتخوض أول اختبار وجودي من دون الرجل الذي كان يمسك بخيوط النظام.
بين هذه الحسابات، تقف المنطقة أمام مرحلة قد لا تُعيد فقط رسم ميزان القوى، بل تعريف طبيعة الصراع نفسه: هل هو صراع ردع مؤقت، أم بداية تفكيك بطيء لإيران كما عرفناها خلال العقود الأربعة الماضية؟