الرقة بعد “قسد”.. جدل واسع حول بروز شخصيات عشائرية إشكالية بحجة “التنسيق”

خالد الخطيب ـ تلفزيون سوريا

تشهد محافظة الرقة حالة من الجدل المتصاعد في أوساط الأهالي، على خلفية بروز شخصيات عشائرية توصف محلياً بالإشكالية في المشهد العام، وتولي بعضهم مواقع ضمن مؤسسات خدمية وأمنية في المرحلة الراهنة.

ويستند هذا الجدل إلى سجلات سابقة لهؤلاء، إذ تشير روايات محلية إلى ارتباط بعضهم بالنظام المخلوع وأجهزته الأمنية، في حين ارتبط آخرون بعلاقات وثيقة مع تنظيم “داعش” سابقاً، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكانوا، بحسب منتقديهم، من المنتفعين من نفوذ تلك القوى التي تتابعت في السيطرة على المحافظة أو أجزاء واسعة منها غرب وشرق الفرات.

وتذهب شهادات محلية جمعها موقع تلفزيون سوريا إلى أن عدداً من هذه الشخصيات متهم بالضلوع في انتهاكات وتعديات طالت الأهالي خلال فترات مختلفة، ما جعل ظهورهم مجدداً في مواقع مسؤولية يثير مخاوف وتساؤلات حول معايير الاختيار وآليات التعيين في مؤسسات يفترض أن تكون واجهة لمرحلة جديدة، وفي مواجهة هذا الانتقاد، يدافع هؤلاء عن أنفسهم بالقول إنهم كانوا على تنسيق مسبق مع الحكومة السورية قبيل دخولها إلى الرقة وخروج “قسد” منها، وإنهم لعبوا دوراً في تسهيل سيطرة الجيش والحكومة على المحافظة.

غير أن هذه الرواية تلقى تشكيكاً واسعاً بين الأهالي، الذين يرون في صفة “المنسق” محاولة لإعادة تقديم بعض الأسماء المثيرة للجدل بصورة مختلفة، قد تفتح الباب أمام الإفلات من المساءلة، أو تمنح امتيازات لا تتناسب مع أدوارهم السابقة، ويخشى كثيرون أن تتحول هذه الادعاءات إلى مظلة تبريرية تستخدم لتجاوز الماضي القريب دون مراجعة حقيقية، في وقت تتطلع فيه الرقة إلى إدارة أكثر شفافية تعيد إليها الحياة من جديد.

 

“منسق” مظلة للحماية وتجاوز الماضي؟

من أكثر الإجابات تداولاً اليوم في الشارع الرقاوي عند التساؤل عن أسباب بروز شخصيات عشائرية مثيرة للجدل في المشهد العام، هي العبارة المختصرة: “منسّق مع الحكومة”، عبارة باتت، وفق توصيف الأهالي، كافية لرفع الحرج عن أصحابها، وتحييد أي نقاش يتعلق بماضيهم أو بما يتهمون به من انتهاكات وتعديات خلال السنوات الماضية، ويرى منتقدون أن هذه الصفة تحولت إلى درع معنوي يحمي بعض الأسماء من المساءلة، وربما يحفظ لهم مصالح وثروات تراكمت في ظروف يصفها الأهالي بأنها “ملتوية”.

وتتعدد الأسماء المتداولة في هذا السياق، من شيوخ عشائر ووجهاء وموظفين سابقين، يظهرون اليوم في المناسبات العامة والولائم ويلتقطون الصور في الاحتفاليات التي أعقبت سيطرة الحكومة على محافظة الرقة، في مشهد يثير استغراب شريحة واسعة من الأهالي.

مصادر محلية متطابقة في الرقة قالت لموقع تلفزيون سوريا إن بعض هؤلاء “حاربوا الثورة وثوارها على مدى 14 عاماً، وسفكوا الدماء دفاعاً عن النظام المخلوع، وبعضهم تورط في السلب والنهب، ثم يظهر اليوم بصفة منسق، ويمدح الحكومة الجديدة ويحاول الاستمرار في الانتفاع”، وتضيف المصادر أن بعض الشخصيات المرتبطة سابقاً بالنظام المخلوع و”قسد” يتم استقبالهم اليوم كأبطال ومحررين، ويحضرون الولائم مع مسؤولين وقادة أمنيين، مستندين في ذلك إلى غطاء عشائري يوفر لهم حماية اجتماعية.

وبحسب المصادر، فإن حالة الاستغراب تتفاقم مع منح بعض هؤلاء مواقع وظيفية أو مناصب، في وقت يهمش فيه كثير من أبناء الرقة الذين شاركوا في الحراك الثوري أو يمتلكون مؤهلات علمية عالية، وتطرح المصادر تساؤلاً جوهرياً، هل تكفي صفة “منسق” لتبرير كل هذا؟ ما الدليل على هذا التنسيق؟ وماذا قدموا فعلياً؟

صافي الحسن، وهو من أهالي الرقة، قال في حديث لموقع تلفزيون سوريا إن جوهر الاعتراض لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالمبدأ، خرجنا في الثورة ضد الظلم والفساد والواسطة، واليوم نسمع يومياً أن فلاناً كان “منسقاً” وفلاناً أيضاً، بينما هذه الأسماء معروفة لدى الأهالي بسجلها خلال السنوات الماضية، كيف أصبحوا فجأة في موقع التكريم؟

ويضيف الحسن أن ما يجري يفهم لدى كثيرين على أنه “تستر على الجريمة ودفن للحق”، مشدداً على أن العدالة والمساءلة ينبغي أن تكونا أولوية في هذه المرحلة، ويؤكد أن الطريق الطبيعي لمحاسبة أي شخص متورط في انتهاكات أو فساد هو القضاء، داعياً أصحاب الحقوق إلى التوجه بشكاوى رسمية إلى المحامي العام، ومعتبراً أن “القانون فوق الجميع، ولا ينبغي أن تلغيه أي صفة أو علاقة”.

ويعكس هذا الجدل حالة أوسع من القلق في الرقة، حيث يخشى الأهالي أن تتحول صفة “المنسق” إلى مدخل لإعادة تدوير شخصيات مثيرة للجدل دون مراجعة حقيقية لماضيها، في وقت يتطلع فيه الأهالي إلى مرحلة تقوم على الشفافية والعدالة والمساءلة، لا على التسويات الاجتماعية أو العشائرية التي قد تُفهم على أنها التفاف على حقوق الضحايا.

 

“منسقون” بين الحقيقة والادعاء

في سياق الجدل المتصاعد حول صفة “المنسق” في الرقة، يوضح الصحفي مهاب ناصر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الخلط القائم اليوم يعود جزئياً إلى أن ليس كل من يدعي التنسيق قد مارس تنسيقاً فعلياً أو قدم ما يثبت ذلك، ويشير إلى أن بعض الأسماء التي تتصدر المشهد حالياً بقيت على رأس عملها حتى اللحظات الأخيرة قبل خروج “قسد”، دون أن يظهر لها أي دور فعلي يمكن اعتباره عملاً تنسيقياً لصالح الدولة.

ويضيف ناصر أن التنسيق، بالمعنى الأمني أو الميداني، يفترض أن يترجم إلى أفعال ملموسة، كتمرير معلومات حساسة، أو تنفيذ مهام خلف الخطوط، أو القيام باختراقات ذات أثر واضح، أما الادعاء اللاحق بالتنسيق دون أي دليل أو أثر عملي، فلا يمكن التعامل معه كحقيقة مسلمة، بحسب تعبيره.

ويؤكد ناصر أن الحقوق الشخصية لا يسقطها أي تنسيق أو انشقاق أو تسوية، موضحاً أن هذه الحقوق تبقى قائمة قانوناً، ولا يمكن تجاوزها بأي صفة أو علاقة، ويستشهد بخطوة حديثة في مدينة الطبقة، حيث رفعت أول دعوى قضائية للحق الشخصي ضد قيادي سابق في ميليشيات “قسد” معتبراً أن هذه السابقة تشكل مؤشراً عملياً على أن القانون هو المرجعية الوحيدة، وأن أي عفو أو تسوية لا يمكن أن تحجب حق الأفراد في التقاضي.

ويحذر ناصر من أن تعطيل تطبيق القانون أو الالتفاف عليه تحت عناوين فضفاضة، قد يفتح الباب أمام الفوضى والفتن ويهدد السلم الأهلي، داعياً أصحاب الحقوق إلى سلوك المسار القضائي باعتباره الطريق الآمن والشرعي لاستعادة الحقوق.

وفي توصيفه لما جرى ميدانياً قبيل دخول القوات الحكومية، يشير ناصر إلى أن المدنيين تحركوا من الداخل وقاموا بتحرير المدينة قبل دخول الجيش، لافتاً إلى أن من يوصفون اليوم بأنهم “منسقون” لم يشاركوا في هذا التحرك، ولم ينقلبوا على “قسد”، بل إن كثيرين منهم غادروا بأسلحتهم، في سلوك فُسر لدى الأهالي على أنه محاولة للاحتفاظ بالنفوذ لا الوقوف إلى جانب الحراك المدني.

ويتابع ناصر أن ما يعرف بجماعة التنسيق لم يشاركوا في أي عمل ميداني إلى جانب المدنيين ضد “قسد”، مضيفاً أنه ناقش هذا الملف مع شخصية رفيعة المستوى في الحكومة، حيث تم التوافق على ضرورة التمييز بين تنسيق حقيقي وذي نتائج واضحة، وتنسيق وهمي لم يحقق أي فائدة، كما نقل عن قائد الأمن الداخلي في محافظة الرقة، الذي زاره مؤخراً، تأكيده أن صفة التنسيق لا تمنح حصانة، ولا تعفي من المساءلة، وأن باب القضاء مفتوح أمام أي صاحب حق للتقدم بشكوى ضد أي شخص كان ضمن صفوف “قسد”.

يعكس الجدل الدائر في الرقة اليوم صراعاً بين منطقين، منطق يسعى إلى طي الصفحة سريعاً تحت عناوين عامة مثل “التنسيق” ومنطق آخر يطالب بأن تمر أي مرحلة انتقالية عبر بوابة العدالة والمساءلة، وبين هذين المسارين، يبقى القضاء هو الفيصل الوحيد القادر على فرز الادعاء من الحقيقة، وحماية المجتمع من إعادة تدوير شخصيات مثيرة للجدل دون مراجعة قانونية واضحة، بالنسبة لكثير من الأهالي ليس في الرقة وحدها، بل في حلب ودمشق وحمص وحماة وإدلب وغيرها، لا يمكن بناء مرحلة جديدة على أساس ضبابي، بل على قاعدة صريحة عنوانها، لا أحد فوق القانون، ولا صفة تعلو على حق الضحايا في العدالة.

Read Previous

جيش الاحتلال الإسرائيلي يقيم حاجز تفتيش بين قرية المعلقة وغدير البستان بريف القنيطرة

Read Next

جيش الاحتلال يعلن تنفيذ عملية ليلية جنوب سوريا وتدمير مخزن أسلحة قرب بيت جن

Most Popular