ندى ابو قر – سيريا مونيتور
بينما كنتُ أتجوّل في أزقّة إسطنبول، بدا واضحاً أن التنقّل في المدينة ليس حكراً على من يرى.
مسارات أرضية بارزة تقود المكفوفين بثبات في المطارات، وعلى الأرصفة، وداخل محطات المترو ووسائل النقل والأماكن العامة، في مشهد يؤكد فكرة بسيطة لكنها جوهرية: الحركة حق، لا امتياز.
هناك، لا تُعامل وسائل الإتاحة كعنصر تجميلي أو إضافة ثانوية، بل كجزء أساسي من التخطيط اليومي للمدينة، وركيزة من ركائز العدالة الحضرية.
هذه التجربة اليومية أعادت طرح سؤال بديهي: لماذا لا يكون هذا الحق متاحاً في كل مكان؟
فجوة الإتاحة عند العودة إلى سوريا
عند العودة إلى سوريا، تتّضح فجوة كبيرة بين ما هو ممكن التطبيق فعليًا، وما يزال غائباً عن الشارع العام.
إذ تفتقر معظم الأماكن العامة إلى مسارات بلاط مخصّصة للمكفوفين، رغم كونها واحدة من أبسط وأقل وسائل الإتاحة تكلفة، وأكثرها تأثيراً في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية من التنقّل باستقلالية وأمان.
يقول وسيم، وهو من ذوي الإعاقة البصرية و مدرّس في مدرسة مخصّصة للمكفوفين في دمشق، إن مدرسته هي الجهة الوحيدة في سوريا التي تم فيها تركيب مسارات أرضية مخصّصة للمكفوفين، مؤكّداً أن بقية الأماكن العامة ما تزال تفتقر تمامًا لهذه الوسائل الأساسية.
خمس سنوات من المحاولات… وفكرة المسارات غير مفهومة
لم يكن الوصول إلى هذا “الاستثناء” سهلاً.
يوضح وسيم، وهو أيضاً مدير ومؤسس فريق “أقرأ بعيوني” التطوعي، أن فكرة المسارات الأرضية استغرقت نحو خمس سنوات من العمل والمحاولات المتواصلة حتى ترى النور.
ويضيف:
“منذ سنة ونصف تقريباً وأنا أحاول شرح فكرة المسارات للأشخاص والجهات المختلفة، لكن المشكلة الأساسية كانت في الوعي الجمعي. ببساطة، لا أحد يعرف ما هي هذه المسارات ولا أهميتها.”
الصدمة، بحسب وسيم، لم تكن في الشارع فقط، بل حتى في الأوساط الأكاديمية.
“تحدّثت مع دكاترة في كليات الهندسة، واكتشفت أن كثيرين منهم لم يعرفوا سابقاً عن مسارات المكفوفين.”
من بلاطة خشب إلى مبادرة رسمية
كانت أولى محاولات إيصال الفكرة بدائية لكنها صادقة: بلاطة خشبية جرى استخدامها كنموذج أولي لشرح كيفية عمل المسار، وكيف يمكن له أن يغيّر حياة شخص كفيف في تنقّله اليومي.
لاحقاً، تطوّرت الفكرة إلى مقترح متكامل، وقدّم وسيم وفريقه مبادرات لعدد من الجهات، إلا أن معظمها قوبل بالرفض، غالباً بحجة ضعف التمويل أو عدم اعتبار الفكرة أولوية.
استمر ذلك إلى أن تبنّى فريق “ملهم” المبادرة، لتنطلق رسمياً تحت اسم “مسار النور”، ويتم تنفيذ أول مسار فعلي للمكفوفين داخل مدرسة مخصّصة لهم في دمشق.
الأثر الحقيقي… كما يراه الطلاب
بعيدًا عن الأرقام والتقارير، يظهر الأثر الحقيقي للمبادرة في التفاصيل اليومية.
يصف وسيم لحظة ما بعد تركيب المسار قائلًا إن شكل المدرسة تغيّر بالكامل.
“اليوم، ترى جميع الطلاب منتظمين وواقفين على المسار تلقائياً صار جزءًا من حركتهم اليومية.”
الأثر لم يتوقف عند أسوار المدرسة، إذ بدأ الطلاب بنقل الفكرة إلى حياتهم الخاصة.
“كثيراً ما يأتيني طلاب ويقولون: نريد أن نركّب مثل هذا المسار في بيوتنا.”
هذه الجملة، برأي وسيم، تختصر المعنى الحقيقي للإتاحة: أن يشعر الشخص الكفيف أن له حقاً طبيعياً في الحركة، لا منّة ولا استثناء.
حق بسيط… ومطلب ملحّ في إعادة الإعمار
في بلد يستعد تدريجياً لمرحلة إعادة الإعمار، تبرز الحاجة الملحّة لإدراج مفاهيم الإتاحة ضمن التخطيط العمراني منذ البداية، لا باعتبارها حلولاً لاحقة أو إضافات هامشية.
يؤكد وسيم أن مسارات المكفوفين يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي رؤية مستقبلية لإعادة إعمار سوريا، لا سيما أنها:
• سهلة التنفيذ
• ذات أثر مباشر وعميق على حياة شريحة واسعة من المجتمع
من مدرسة واحدة إلى شارع غائب
الواقع الحالي في سوريا يوضح أن مسارات البلاط للمكفوفين ليست رفاهية، بل حق أساسي مؤجَّل.
تجربة المدرسة الوحيدة التي نُفّذت فيها هذه المسارات تثبت أن التطبيق ممكن، وأن الفارق الذي تصنعه هذه الخطوة بسيط في شكله، لكنه جوهري في أثره.
من هذا المنطلق، تبرز مسؤولية الجهات المعنية في تعميم هذه الوسائل في الأماكن العامة، ليس كخيار إضافي أو مبادرة فردية، بل كسياسة عامة تضمن حق التنقّل الآمن والمستقل للمكفوفين.
فالمسار الذي بدأ من مدرسة واحدة، ما يزال غائباً عن الشارع السوري…
رغم أنه لا يطالب بأكثر من حق بسيط: أن يمشي الإنسان بثقة، حتى وإن لم يرَ الطريق بعينيه.