سيريا مونيتور – درعا
يشهد الجنوب السوري خلال الأيام الأخيرة أزمة متجددة في توفر مادة الغاز المنزلي، تزامنت مع ارتفاع الطلب الموسمي ودخول شهر رمضان، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة أمام مراكز التوزيع وعودة السوق السوداء للنشاط بوتيرة متسارعة.
وتبدو الأزمة أكثر وضوحًا في محافظات درعا والقنيطرة حيث اشتكى مواطنون من صعوبة الحصول على أسطوانة الغاز بالسعر الرسمي، في ظل تفاوت واضح بين الكميات المعلنة وحجم الطلب الفعلي في الأسواق المحلية.
مشهد الطوابير يعود من جديد
منذ بداية الأزمة، عادت مشاهد الاصطفاف أمام منازل المعتمدين إلى الواجهة. عشرات الأسطوانات تُصفّ يوميًا بانتظار وصول سيارات التعبئة، فيما يضطر كثيرون للانتظار لساعات طويلة دون ضمان الحصول على المادة.
ويأتي ذلك في وقت يُعد فيه الغاز المنزلي عنصرًا أساسيًا في حياة الأسر، لا سيما مع زيادة الاستهلاك خلال شهر رمضان، حيث تتضاعف الحاجة لإعداد وجبات الإفطار والسحور، ما يزيد من الضغط على منظومة التوزيع.
مصادر محلية تشير إلى أن الكميات التي تصل إلى بعض المناطق لا تتناسب مع عدد المسجلين، الأمر الذي يؤدي إلى توزيع جزئي وعودة شريحة واسعة من المواطنين دون الحصول على مخصصاتهم.
فجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء
رغم بقاء السعر الرسمي للأسطوانة ضمن التسعيرة المحددة، إلا أن ضعف التوافر فتح الباب مجددًا أمام السوق السوداء، حيث تجاوز سعر الأسطوانة في بعض المناطق ضعف السعر النظامي.
هذا التفاوت خلق حالة من التوتر الاجتماعي، خصوصًا مع اعتماد نسبة كبيرة من السكان على دخل يومي محدود، ما يجعل شراء الأسطوانة بالسعر المرتفع عبئًا إضافيًا على ميزانيات الأسر.
ويرى متابعون أن تكرار سيناريو السوق السوداء في كل أزمة يشير إلى خلل في آلية الرقابة أو في تنظيم سلاسل الإمداد، سواء على مستوى النقل أو التوزيع المحلي.
التبريرات الرسمية… وزيادة الطلب الموسمي
في المقابل، تربط الجهات الرسمية الازدحام بارتفاع الطلب خلال شهر رمضان، مؤكدة أن توريدات الغاز مستمرة وأن معامل التعبئة تعمل بطاقتها المعتادة، مع توقعات بتحسن تدريجي خلال الأيام المقبلة.
وتشير البيانات الرسمية إلى استمرار عمليات التوريد عبر المنافذ الحدودية وعبر مصادر داخلية، مع التأكيد على عدم وجود انقطاع كلي في المادة، بل ضغط مؤقت ناجم عن زيادة الاستهلاك.
غير أن مراقبين اقتصاديين يرون أن تكرار الأزمة في مواسم محددة يعكس هشاشة في منظومة التوزيع، حيث يؤدي أي ارتفاع في الطلب إلى اختناق سريع في السوق، ما يستدعي مراجعة آليات التخزين الاحتياطي وخطط الطوارئ.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
لا تقتصر آثار انقطاع الغاز على مشهد الطوابير فقط، بل تمتد إلى أبعاد أوسع تمس الاستقرار المعيشي. إذ تضطر بعض الأسر للجوء إلى بدائل أقل كفاءة وأكثر كلفة، مثل الحطب أو وسائل تسخين بدائية، ما يزيد الأعباء المالية ويطرح مخاوف تتعلق بالسلامة.
كما أن تكرار الأزمات المرتبطة بالمواد الأساسية يعمّق شعور عدم الاستقرار الاقتصادي، ويؤثر على الثقة بين المستهلكين وجهات التوزيع، خاصة في ظل تضارب الروايات بين الوفرة النظرية والندرة العملية.
وتزداد حساسية الأزمة في الجنوب السوري نظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها المنطقة، حيث يشكل أي ارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الأساسية ضغطًا مباشرًا على مستوى المعيشة.
الحاجة إلى حلول مستدامة
يرى مختصون أن معالجة أزمة الغاز لا تقتصر على زيادة الكميات المؤقتة، بل تتطلب ضبطًا أدق لسلسلة التوزيع، وتعزيز الرقابة على حلقات النقل والتخزين، إضافة إلى اعتماد آليات شفافة تتيح تتبع حركة الأسطوانات من مصدرها حتى وصولها إلى المستهلك.
كما يشيرون إلى أهمية بناء مخزون احتياطي استراتيجي يغطي فترات الذروة الموسمية، لتفادي تكرار الاختناقات التي تترافق مع المناسبات أو التغيرات المناخية.
أزمة تتكرر… والرهان على الاستقرار
مع استمرار الضغط على مراكز التوزيع، يبقى المشهد في الجنوب السوري مرهونًا بسرعة الاستجابة الرسمية وقدرتها على تحقيق توازن بين العرض والطلب خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي ظل الوعود بتحسن قريب، ينتظر المواطنون ترجمة تلك التعهدات إلى واقع ملموس يخفف من أعباء الطوابير وارتفاع الأسعار، ويعيد الاستقرار إلى واحدة من أكثر المواد الأساسية ارتباطًا بالحياة اليومية.
حتى ذلك الحين، يبقى انقطاع الغاز عنوانًا إضافيًا للأزمة المعيشية في الجنوب السوري، في مشهد يعكس التحديات المستمرة التي تواجه إدارة الموارد والخدمات الأساسية في البلاد.