باسل المحمد ـ تلفزيون سوريا
تسلّمت وزارة الدفاع السورية قاعدة التنف بعد انسحاب القوات الأميركية منها، في خطوة تنهي قرابة عقد من الوجود الأميركي في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، وتفتح مرحلة جديدة لإعادة ترتيب التوازنات الأمنية والعسكرية في البادية السورية، وسط حديث عن إعادة تموضع أميركي أوسع، وتحولات ميدانية تمتد آثارها إلى أمن الحدود، وملاحقة خلايا تنظيم “داعش”، ووضع مخيم الركبان.
ويوم الخميس، أعلنت وزارة الدفاع السورية، أن وحدات من الجيش تسلّمت قاعدة التنف عقب انسحاب القوات الأميركية منها، مؤكدةً أنها باشرت تأمين الموقع ومحيطه، وبدأت الانتشار على المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، على أن تتولى قوات حرس الحدود توسيع مهامها خلال الأيام المقبلة.
ونشرت وكالة الأنباء “سانا” بياناً أوضحت فيه أن عملية التسلم جرت بعد تنسيق مع الجانب الأميركي، في إشارة إلى ترتيبات مسبقة سبقت الانسحاب.
الخطوة حظيت بمتابعة دولية لافتة؛ إذ وصفت رويترز الحدث بأنه تحول مهم في شكل الوجود الأميركي جنوب شرقي سوريا، مشيرة إلى أن عملية التسليم تمت بعد تنسيق بين دمشق وواشنطن.
من جهتها نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤول أميركي أن تسليم الموقع يأتي في سياق أوسع لإعادة التموضع، ويعكس تقاطع هذه المصادر أن الانسحاب لم يكن مفاجئاً أو نتيجة تصعيد مباشر، بل جزءاً من إعادة ترتيب أدوار في منطقة ظلّت طوال سنوات نقطة تماس حساسة في الصحراء السورية.
وأفادت صحيفة “واشنطن بوست” بأن انسحاباً متوقعاً للعديد من القوات الأميركية، وربما جميعها، من سوريا قد يتم خلال الأشهر المقبلة، في ظل استكمال عملية نقل آلاف المقاتلين المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم “داعش” إلى العراق.
وفي السياق، أعلنت القيادة الوسطى الأميركية (سنتكوم)، الجمعة، عن إكمال مهمة نقل عناصر تنظيم “الدولة” (داعش) من الأراضي السورية إلى جمهورية العراق، في عملية استمرت 23 يوماً.
موقع يتجاوز الجغرافيا.. عقدة حدودية بثلاثة أبعاد
تقع قاعدة التنف في بادية جنوب شرقي سوريا، قرب نقطة التقاء الحدود مع العراق والأردن، وعلى مسافة تقارب 24 كيلومتراً من منفذ الوليد العراقي، وبمحاذاة طريق بغداد–دمشق (M2)
هذا التموضع منحها منذ البداية أهمية استراتيجية مركّبة: فهي تشرف على محور بري حيوي يربط دمشق ببغداد، وتجاور ممرات صحراوية لطالما استُخدمت في التهريب والتنقل غير النظامي، كما تمثل نقطة تماس بين ثلاث بيئات أمنية مختلفة.
وتعززت أهمية الموقع مع وجود منشآت دعم أميركية داخل الأردن، أبرزها “Tower 22”، ما جعل “التنف” جزءاً من شبكة انتشار إقليمية مترابطة. ومن خلال هذه الجغرافيا، تحولت القاعدة إلى نقطة مراقبة متقدمة في عمق البادية، لا تقتصر وظيفتها على الدفاع المباشر عن محيطها، بل تمتد إلى مراقبة حركة الفاعلين المسلحين ومسارات الإمداد في مساحة صحراوية واسعة وصعبة التضاريس.
تطور الأدوار.. من مكافحة “داعش” إلى توازنات النفوذ
تبلور الوجود الأميركي في التنف ميدانياً عام 2016، مع تصاعد عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، وتحولت القاعدة إلى منصة تدريب وإسناد لفصيل “مغاوير الثورة” التابع للجيش الحر، ضمن نطاق أمني عُرف بـ”منطقة الـ55 كم”.
وقد نشأت هذه المنطقة في إطار تفاهمات لخفض الاحتكاك، لكنها عملياً أسست لواقع أمني خاص حول القاعدة، جعلها أشبه بجيب منفصل داخل البادية.
لم يتراجع دور قاعدة “التنف” مع تراجع السيطرة الإقليمية لتنظيم “داعش”، إذ استمرت في تنسيق دوريات لملاحقة الخلايا النائمة لداعش، وضبط محاولات التسلل والتهريب، كما اكتسبت وظيفة استطلاعية أوسع لرصد تحركات جماعات موالية لإيران في محيطها. وتعرضت القاعدة خلال أعوام لاحقة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، ما أدرجها ضمن مشهد التصعيد الإقليمي، وحوّلها إلى نقطة ردع ومراقبة في آن واحد.
تقارير رقابية أميركية مرتبطة بعملية “العزم الصلب” أشارت إلى استمرار تدريب القوة الشريكة داخل نطاق الـ55 كم، وتنفيذ عشرات الأنشطة المشتركة، مع تركيز على مهام دفاعية وحفظ الاستقرار، وبذلك لم تكن التنف مجرد نقطة عسكرية ثابتة، بل مركزاً لإدارة توازن دقيق بين مكافحة الإرهاب وردع نفوذ منافسين إقليميين.
مخيم الركبان.. البعد الإنساني لتحولات “التنف”
لا يقتصر تأثير التحول العسكري في قاعدة التنف على البعد الميداني، بل يمتد مباشرة إلى مخيم الركبان الواقع ضمن نطاق الـ55 كيلومتراً المحيط بالقاعدة، والذي شكّل طوال سنوات النزاع إحدى أكثر النقاط الإنسانية تعقيداً في البادية السورية.
فقد نشأ المخيم في ظروف استثنائية، عند تقاطع الحدود والفراغ الأمني، وتحول تدريجياً إلى تجمع سكاني معزول تحكمه اعتبارات عسكرية وأمنية بقدر ما تحكمه الاحتياجات الإنسانية.
ووفق تقديرات بحثية نقلتها وكالة أسوشيتد برس، تجاوز عدد سكان المخيم خمسين ألف نسمة في ذروة الأزمة، قبل أن ينخفض خلال السنوات الأخيرة إلى ما بين سبعة وعشرة آلاف، تبعاً لاختلاف الفترات الزمنية والمصادر المعتمدة.
هذا التراجع عكس موجات مغادرة بسبب حصار النظام المخلوع والمليشيات التابعة له لهذا المخيم، ومنع قوافل المساعدات الإنسانية من الدخول إليه، لكنه لم يُنهِ حالة الهشاشة التي يعيشها من تبقى في المنطقة الصحراوية النائية.
ماذا يعني انتقال “التنف” إلى السيطرة السورية؟
مع انتقال القاعدة إلى سيطرة الحكومة السورية، تدخل المنطقة مرحلة جديدة عنوانها “ملء الفراغ” وإعادة دمج المثلث الحدودي ضمن منظومة السيطرة الرسمية، ويشير خبراء في المجال العسكري إلى أن المهام المرجّحة ستتركز على ضبط الحدود والممرات الصحراوية، وملاحقة شبكات التهريب، ومراقبة تحركات خلايا “داعش” في البادية.
وفي هذا السياق يوضح الخبير العسكري أحمد حمادة أن تسلّم قاعدة التنف يشكل نهاية مرحلة استمرت قرابة عقد من الوجود الأميركي في تلك البقعة الصحراوية، وبداية مرحلة جديدة في إدارة المثلث الحدودي، فالموقع الذي كان نقطة ارتكاز للتحالف الدولي، ومنصة مراقبة في عمق البادية، ينتقل اليوم إلى إدارة سورية رسمية، وسط حديث عن تنسيق وسياق سياسي–أمني أوسع.
ويوضح حمادي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الولايات المتحدة انسحبت من عدة قواعد مثل الشدادي والعمر شرقي سوريا، إلا أن انسحابها من قاعدة “التنف” الاستراتيجية يعني أن هناك ثقة كبيرة في الحكومة السورية للاضطلاع بالمهمات التي كانت تقوم بها هذه القاعدة مثل ملاحقة خلايا “داعش” وحفظ أمن الحدود، والتنسيق الأمني والاستخباراتي مع كل من الأردن والعراق في هذه الملفات.
وفي هذا السياق نقلت وكالة “فرانس برس” عن مصدر عسكري سوري أن التنسيق سيستمر مع القاعدة من الجانب الأردني.