منهل باريش
في قلب مدينة حلب، التي شهدت أحد أفظع فصول الحرب السورية، يبرز حيّ الشيخ مقصود كرمزٍ للتناقضات السورية العميقة. فقد عاد اليوم إلى الواجهة كبؤرة توتر جديدة، بعد أن كان حاضراً بقوة في واحدة من أكثر محطات المدينة سواداً.
في عام 2016، شاركت وحدات حماية الشعب الكردية «YPG»، إلى جانب قوات النظام السوري، في قطع طريق الكاستيلو، الشريان الحيوي الأخير الذي ربط أحياء حلب الشرقية المحاصَرة بالعالم الخارجي. ولم يكن هذا الطريق مجرد خط إمداد عسكري، بل كان آخر خيط للحياة لمدينة كانت تُخنق ببطء تحت وطأة الحصار.
ومن النقاط المرتفعة داخل الشيخ مقصود، تعرّض مدنيون ومقاتلون من فصائل المعارضة للقنص والاستهداف المباشر، ما رسّخ في أذهان كثير من الحلبيين صورة الحي كجزء من آلة الحصار، لا كملاذٍ محايد أو منطقة خارج دائرة الصراع.
هذا التاريخ لم يُمحَ، بل بقي كامناً تحت سطح المدينة، ينتظر لحظة لينفجر. وقبل ما حصل قبل أيام، قُتل العشرات من مقاتلي فصائل المعارضة ومدنيين، بعد أيام من سقوط النظام. فالذين يجهلون جغرافيا المنطقة، ولا يعلمون بتقدّم المقاتلين الأكراد إلى مناطق جديدة، ضلّوا طرقهم وتعرّضوا للقنص من الأبنية العالية التي تُحكم السيطرة على عقد مواصلات مهمّة داخل حلب، وأخرى تربط المدينة بالشمال السوري.
تلك الذاكرة الثقيلة عادت لتفرض نفسها بقوة مع تجدّد الاشتباكات في الشيخ مقصود والأشرفية، خاصة بعد فشل اتفاق نيسان/أبريل 2025، الذي كان يهدف إلى دمج الإدارة الذاتية في الهيكل الحكومي الجديد. فالشيخ مقصود ليس حيّاً سكنياً عادياً، بل عقدة سياسية وعسكرية محمّلة بتاريخ من الاصطفافات المتناقضة، ما يجعل أي خطاب يُرفع باسمه – سواء تحت عنوان «المقاومة» أو «الدفاع عن الأهالي» ـ محاطاً بكثير من الريبة والأسئلة المفتوحة.
في الواقع، يعكس هذا الحي الوضع الكردي الأوسع في سوريا، حيث يسعى الأكراد إلى الحفاظ على مكاسبهم في شمال شرق البلاد، بينما يواجهون ضغوطاً من دمشق وأنقرة، وغموضاً من الحلفاء الدوليين.
من حصار الكاستيلو إلى عقدة الجغرافيا
على الأرض، بدت المواجهة في بدايتها محكومة بسقف منخفض نسبياً، لكنها سرعان ما تصاعدت إلى قصف مدفعي وصاروخي، ظهر الخميس، ما أدى إلى إعلان الجيش السوري الحيَّين ومناطق ملحقة بهما «مناطق عسكرية مغلقة». وتركّزت الاشتباكات على أطراف الحيّين، خاصة باتجاه بني زيد والليرمون، باستخدام أسلحة متوسطة ونيران قنص، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر خطورة مع استخدام القوة النارية الثقيلة.
هذا الشكل من القتال يعكس توازناً هشّاً بلا شك، حيث ضغط الجيش السوري دون اندفاع كامل إلى معركة شاملة داخل منطقة مكتظّة بالسكان، فيما تعتمد التشكيلات المسلحة داخل الحي على الدفاع المتحرّك والتحصّن داخل الكتل السكنية، مستفيدة من الجغرافيا العمرانية الضيقة والمعقّدة.
ومع ذلك، أدّى التصعيد إلى سقوط ما لا يقل عن 12 قتيلاً، بينهم مدنيون، ونزوح قرابة 159 ألف مدني، بحسب الدفاع المدني. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان مشاهد النزوح القسري التي عرفتها حلب خلال سنوات الحرب السابقة. ووفق تقدير أولي صادر عن وزارة الطوارئ، فقد نزح خلال أيام قليلة عشرات الآلاف، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وتشير شهادات عاملين في الإغاثة إلى أن نسبة ملحوظة من هؤلاء النازحين توجّهت نحو منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي، مستفيدة من الروابط العائلية والطابع الكردي للمنطقة، بحثاً عن مأوى أكثر أماناً. في المقابل، لجأت عائلات أخرى إلى أحياء داخل مدينة حلب أو إلى منازل أقارب لها في الريف القريب.
وأفاد نازحون بصعوبات كبيرة في تأمين السكن والخدمات الأساسية، في ظل ارتفاع تكاليف الإيجار وضعف القدرة الاستيعابية للمناطق المستقبِلة، فيما يحذّر عاملون في المجال الإنساني من أن أي انهيار جديد للتهدئة قد يدفع بموجة نزوح أكبر، خصوصاً باتجاه عفرين ومناطق ريف حلب، في وقت تعاني فيه هذه المناطق أصلاً من ضغط سكاني واقتصادي متزايد. الأمر الذي دفع الدفاع المدني إلى إنشاء 15 مركز إيواء للنازحين، 9 منها في عفرين و6 في مدينة أعزاز شمالاً.
في ذروة هذا التوتر، طرحت وزارة الدفاع السورية صيغة اتفاق تقوم على إخراج المقاتلين الأكراد من الشيخ مقصود والأشرفية بالسلاح الفردي فقط، مع تأمين حافلات لنقلهم، في محاولة لتجنّب مواجهة واسعة. ومن الناحية العسكرية، لم يكن هذا العرض تفصيلاً هامشياً، بل خطوة محسوبة لتفريغ الحي من السلاح المنظّم من دون الدخول في مواجهة مفتوحة ستكون كلفتها الإنسانية باهظة.
السماح بالخروج بالسلاح الفردي وحده اعتُبر تنازلاً مدروساً، يهدف إلى تفكيك البنية القتالية دون إذلال المقاتلين، وإبقاء باب التفاهم مفتوحاً. غير أن الاتفاق لم يصمد طويلاً، إذ رفض مجلسا الشيخ مقصود والأشرفية تنفيذ بند الخروج، فتوقفت الحافلات وعاد المشهد إلى نقطة الصفر صباح الجمعة. هذا التعثّر كشف مرة أخرى أن القرار العسكري لا ينفصل عن البنية السياسية والاجتماعية داخل الحي، وأن أي تفاهم لا يحظى بغطاء محلي حقيقي يبقى هشّاً، مهما بدا متماسكاً على الورق.
إدارة العمليات العسكرية أُسندت ميدانياً إلى قائد الفرقة 60، العميد عواد الجاسم (أبو قتيبة)، الذي قاد المفاوضات من موقع تطويق دون اقتحام كامل. أسلوبه عكس إدراكاً بأن الشيخ مقصود لا يمكن حسمه بالقوة وحدها، وأن أي خطأ في الحساب قد يحوّل الاشتباك المحدود إلى انفجار أوسع داخل مدينة بالكاد بدأت تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الدمار.
وفي الوقت نفسه، أثار التصعيد مخاوف من تدخل تركي، خاصة بعد اجتماع وزير الخارجية التركي مع نظيره السوري في باريس، حيث جرى الاتفاق على تبادل معلوماتي مع إسرائيل برعاية أمريكية.
في المقابل، اختار الجانب الكردي رفع منسوب الخطاب السياسي والإعلامي. ففي تصريح ليل الجمعة، قدّم سيبان حمو، قائد قوات حماية الشعب، روايته لما يجري، واصفاً الهجمات على الشيخ مقصود والأشرفية منذ الخامس من الشهر بأنها «عنيفة جداً» وتُشنّ أمام «صمت العالم». وأعاد التأكيد على أن المقاومة في الشيخ مقصود «ثقافة متجذّرة»، وأن الأهالي قادرون على إفشال كل المخططات، في محاولة واضحة لإعادة تعريف الصراع كمقاومة شعبية لا كأزمة أمنية تتعلق بسلاح خارج سيطرة الدولة.
هذا الخطاب يعكس استراتيجية كردية أوسع تركز على الدعم الدولي، خاصة من الولايات المتحدة، التي ساعدت في تشكيل قوات سوريا الديمقراطية ضد «الدولة الإسلامية». غير أن حمو لم يكتفِ بذلك، بل استعاد اتفاق الأول من نيسان، الذي انسحبت بموجبه قوات سوريا الديمقراطية من الحيّين وسلّمت الحماية إلى المجالس المحلية وقوى الأمن الداخلي، ليؤكد أن «قسد»، وفق روايته، ليست طرفاً مباشراً في المواجهة الحالية.
عبّرت الأمم المتحدة عن «قلق بالغ» إزاء سقوط ضحايا مدنيين واحتمالات النزوح، ودعت إلى وقف التصعيد وفتح ممرات إنسانية. غير أن لغة البيان بقيت إنسانية بحتة، تتجنب تسمية المسؤوليات أو الاقتراب من جذور الأزمة، وكأن ما يجري حادث طارئ لا حلقة جديدة في صراع طويل.
كما رحّبت واشنطن بوقف إطلاق النار واعتبرته خطوة أولى، فيما قال المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك إن استمرار العنف في أحياء حلب الشمالية يقوّض فرص الاستقرار، مؤكداً أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. ويعكس هذا الموقف سياسة أمريكية تميل إلى إدارة الأزمة أكثر مما تسعى إلى حسمها، مع ترك الباب مفتوحاً أمام جميع الأطراف ما دام الوضع لم ينفجر بشكل يفرض تدخلاً أوسع.
في المقابل، شددت تركيا على موقفها الرافض لوجود قوات سوريا الديمقراطية في أحياء حلب، معتبرة ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وبالنسبة لأنقرة، لا يُقرأ ما يجري في الشيخ مقصود بمعزل عن ملف الوجود الكردي المسلح على حدودها الجنوبية، ما يجعل الحي جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، لا مجرد أزمة محلية.
أما إسرائيل، فقد أدان وزير خارجيتها «الهجمات الخطيرة» على المدنيين الأكراد، ودعا المجتمع الدولي إلى عدم الصمت. وهو موقف بدا معزولاً نسبياً عن السياق الإقليمي، لكنه يعكس رغبة إسرائيلية دائمة في استخدام ملف الأقليات كورقة سياسية في الساحة السورية.
أما أوروبا، فغابت سياسياً إلى حدّ كبير، مكتفية بالحضور عبر قنوات الإغاثة ودعم الجهود الإنسانية. وقد عزّز هذا الغياب الانطباع بأن المجتمع الدولي يراقب ما يجري في الشيخ مقصود بقلق، لكنه يترك مصير الحي معلّقاً على توازنات السلاح والسرديات المتصارعة على الأرض.
بين ذاكرة ثقيلة تعود إلى حصار 2016، وواقع ميداني لا يحتمل انفجاراً جديداً، وخطابات متناقضة تحاول كل جهة عبرها إعادة تعريف ما يجري، يقف حيّ الشيخ مقصود مرة أخرى عند مفترق طرق. وفي مدينة دفعت أثماناً باهظة للحرب، يبقى الخوف الأكبر أن يتحوّل الشيخ مقصود إلى عقدة جديدة في جسد حلب المنهك، بدلاً من أن يكون محطة أخيرة قبل تسوية طال انتظارها.
إلا أن الحسم العسكري لصالح السلطة يبدو الخيار الأكثر ترجيحاً، بسبب عدم وجود قوة عسكرية وازنة داخل الحي، وهو ما اتّضح منذ اليوم الأول للهجوم. وعليه، تسعى الإدارة الذاتية إلى الحفاظ على أي وجود تمثيلي كردي، ولو رمزي، مثل «الحماية الكردية» ومجلس محلي لسكان الحيّين، بحسب ما قالت إلهام أحمد فجر السبت، حيث رحّبت بعرض القوى الدولية الوسيطة بإعادة تموضع القوات الموجودة في الشيخ مقصود إلى شرق الفرات بشكل آمن، شريطة ضمان ذلك التمثيل.