سيريا مونيتور
ترجمة: ربى خدام الجامع
بعد عام ونيف على سقوط بشار الأسد، لم يعد هنالك أي مجال للتهاون في معرفة مصير الأسلحة الكيماوية في سوريا والذي ما يزال مجهولاً، واعتبار هذه المسألة قضية تهم المهووسين بضبط هذا النوع من الأسلحة، فهنالك تقارير مقلقة حول قيام موالين للأسد بإعادة ترتيب صفوفهم وتسلحهم من جديد، ما يعني بأن خطر الأسلحة الكيماوية التي استخدمت في السابق ما فتئ يتصاعد من جديد في سوريا.
أما الرد الدولي حيال ذلك فيتمثل حتى الآن بتخصيص موارد لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية المعنية بتنفيذ معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية التي تحرم استخدام هذا النوع من الأسلحة. وعلى الرغم من أهمية دعم هذه المنظمة، فإن ذلك لوحده لا يكفي، إذ حتى تصبح هذه المنظمة فاعلة، تحتاج لشريك لها في دمشق يتمتع بقدرات وإمكانيات، والحكومة السورية الجديدة تأخذ التزاماتها المنصوص عليها في معاهدة الأسلحة الكيماوية على محمل الجد، ولكنها تعاني من فجوات كبيرة في إمكانياتها تحد من فعاليتها، وتحديد مواقع ما تبقى من الأسلحة الكيماوية، وتأمينها وتدمير ما بقي منها، وضمان محاسبة من ارتكبوا جرائم من نظام الأسد باستخدام السلاح الكيماوي يتطلب تقديم الدعم المباشر للحكومة السورية الجديدة، لأن الطريق للتخلص من السلاح الكيماوي في سوريا والالتزام بمعاهدة حظر الأسلحة الكيماوية يمر عبر دمشق، وليس عبر مقر منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في لاهاي.
مخاطر بالجملة
عند سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، بقيت قائمة طويلة من الأسئلة المتعلقة بحجم برنامج السلاح الكيماوي السوري ومجاله ووضعه بلا أي إجابة، بما أن هذا البرنامج يعتبر الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط. وتضمنت قائمة الأسئلة المتكررة التي وضعتها منظمة حظر السلاح الكيماوي بخصوصه 19 قضية عالقة ومن بينها: “وجود كميات كبيرة لم يعلن عنها أو لم يتم التحقق منها من المواد الحربية الكيماوية والذخائر الكيميائية”. وتشمل الأسلحة الكيماوية التي لم يتم حصرها بشكل كامل وصحيح في سوريا 300 طن مربع من غاز الخردل، وعشرات الأطنان من سلائف غازات الأعصاب مثل السارين، والآلاف من الذخائر الكيميائية التي يمكن أن تستخدم لإطلاق تلك الغازات، إذ يمكن لصاروخ واحد محمل بغاز السارين أن يتسبب بقتل مئات الضحايا. وبناء عليه، فإن تلك الغازات والذخائر أصبحت الآن قديمة، ويمكن أن تتحلل بشكل كبير في حال لم تخزن حسب الأصول، غير أن ذلك غير مضمون أصلاً، فلقد عثر مفتشو الأسلحة الأمميون في العراق على غاز خردل فتاك للغاية بعد أن جرى تخزينه لمدة تزيد عن 12 عاماً، أي أنه يمكن لسوريا أن تخفي مخزونها من ذلك الغاز لفترة مماثلة. كما يمكن للأسلحة الكيماوية الأقل فتكاً أن تسبب ضرراً بالغاً وأن ترهب السكان المصابين أصلاً بصدمة بعد أن عاشوا نزاعاً دموياً لعقد ونيف. ثم إن غاز السارين الذين استخدمته حركة أوم شينريكيو الدينية المتطرفة في شبكة مترو طوكيو في عام 1995، لم يكن صافياً إلا بنسبة 35% إلا أن ذلك كان كافياً لقتل أكثر من عشرة أشخاص وإصابة الآلاف.
وعليه، فإن الخطر الذي تمثله بقايا ترسانة الأسد الكيماوية ما يزال يتصاعد بسبب عودة التنظيمات المسلحة للظهور ومناهضتها للحكومة الجديدة في دمشق. ومن المرجح أن الأسد احتفظ بالسلاح الكيماوي في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، أو في محافظة حمص القريبة منهما، وذلك لأسباب أمنية وسرية، وفي تلك المحافظات تعتبر قوة موالي الأسد على أشدها، كما أنهم هناك أكثر نشاطاً من غيرهم في مناطق أخرى، فقد خرجت تقارير عديدة تتمتع بمصداقية عالية وتتحدث عن عودة موالين سابقين لنظام الأسد البائد لتنظيم صفوفهم وللتسلح من جديد، فسهيل الحسن الذي كان في السابق قائداً لقوات النمر سيئة الصيت، يتزعم اليوم هذه المقاومة كما تقول التقارير، بعد أن أصبح أحد كبار مهندسي عمليات استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، ولقد تأكدت تحقيقات دولية ومنظمات حقوقية سورية، ومحللون مستقلون من الدور الذي لعبه الحسن في التخطيط لتنفيذ هجمات بغاز الكلور السام وفي تنفيذ تلك الهجمات أيضاً. ولقد تسببت إحدى تلك الهجمات التي نفذتها قوات النمر على دوما في السابع من نيسان عام 2018، بمقتل أكثر من 40 مدنياً ومدنية. ولهذا لا داعي للاعتقاد بأن الحسن، أو أي ضابط سابق في جيش الأسد، سيتوانون عن استخدام السلاح الكيماوي مجدداً في حال سنحت لهم الفرصة. وفي حال تسنى لموالي الأسد الذين يخططون للعودة أن يجندوا عناصر سبق لهم العمل في برنامج الأسلحة الكيماوية بسوريا، فسيكون لديهم الدافع والقدرة على الخوض في عمليات إرهابية كيماوية ضد الحكومة السورية الجديدة ومؤيديها. وإضافة لذلك، فإن تنظيم الدولة الذي سبق له استخدام الأسلحة الكيماوية في كل من سوريا والعراق، قد وسع مجاله وعملياته الإرهابية منذ الإطاحة بالأسد.
علاقة جديدة مع سوريا
غير أن المجتمع الدولي لم يقف مكتوف الأيدي عند ظهور تلك التهديدات، فلقد تسلمت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية تعهدات بأكثر من أربعة ملايين يورو لتغطية تكاليف عمليات المنظمة في سوريا وذلك خلال الأشهر المتبقية من هذا العام، ولكن المنظمة لم تزر حتى الآن سوى 15 موقعاً من بين ما يربو عن 100 موقعاً يعتقد أن لها علاقة ببرنامج السلاح الكيماوي في سوريا أيام النظام البائد. وخلال تلك الزيارات، أجرت المنظمة لقاءات مع خبراء سابقين في الأسلحة الكيماوية، وجمعت عشر عينات، وحصلت على ستة آلاف وثيقة، وحددت موقعين لإنتاج السلاح الكيماوي لم يعلن عنهما من قبل.
بيد أن التقدم الذي حققته المنظمة في هذا المضمار أتى نتاجاً لعلاقة تعاون مع الحكومة السورية الجديدة، إذ بحسب ما ذكره مسؤول رفيع في الخارجية السورية، فإن الحكومة السورية الجديدة انتقلت “من مرحلة الشك والتلاعب إلى مرحلة الشراكة مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية”. وخير مثال عملي على ذلك تعيين ممثل دائم جديد في مقر المنظمة. كما شكلت سوريا مجموعة عمل وطنية تضم الوزارات ذات الصلة وذلك لضمان عملية التنسيق الداخلي ولتسهيل عملية التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في مجال التحقق والمحاسبة، وأرسلت سوريا فرق استطلاع لتقييم عدد من المواقع التي يعتقد أنها كانت في السابق مخصصة للسلاح الكيماوي بعد أن حددت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية أماكنها، وذلك لمعرفة مدى سلامتها عند ذهاب المفتشين إليها. وإضافة لذلك، سلمت الحكومة السورية منذ فترة قريبة 34 صندوقاً من الوثائق المتعلقة ببرنامج الأسد للأسلحة الكيماوية، وقدمت الحكومة السورية معلومات مهمة للمنظمة أسهمت بتوصل المنظمة لقناعة بأن نظام الأسد هو المسؤول عن الهجوم بغاز الكلور على مشفى في مدينة كفر زيتا خلال فترة الحرب السورية. ففي ظل حكم الأسد، لم تكن الحكومة السورية تسمح لهؤلاء المحققين المتخصصين بالسلاح الكيماوي بدخول البلد أصلاً.
على الرغم من التقدم الحاصل والروح الجديدة للتعاون التي أبدتها دمشق، فإن الحكومة السورية تواجه تحديات بنيوية تحد من قدرتها على التحول لشريك فاعل لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية. إذ في بيان صدر عن مجلس الأمن الدولي خلال الشهر الفائت، قدم المندوب السوري إبراهيم العلبي تقييماً صريحاً لتلك التحديات التي تشمل: “سرية البرنامج الكيماوي الذي وضعه الأسد وتم تعطيله، وعدم وجود ذاكرة خاصة به في المؤسسات، وضعف إمكانيات الدولة، والأخطار المتمثلة بالألغام الأرضية ومخلفات الحرب”.
الاحتياجات السورية
يمثل افتقار دمشق للإمكانيات عقبة كؤوداً أمام العثور على ما تبقى من الأسلحة الكيماوية وتأمينها وإتلافها. أما الاستثمار الدولي في إمكانيات منظمة حظر السلاح الكيماوي حتى تقوم بالتحقق من عملية التخلص من البرنامج السابق للأسلحة الكيماوية بسوريا فيجب أن تقابله مساعدات تقدم لسوريا بشكل مباشر. كما أن الهيئة الوطنية السورية التي تعمل كحلقة وصل رسمية بين الحكومة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية بحاجة لاستكمال عدد الموظفين العاملين لديها إلى جانب حاجتها للاستعانة بمستشارين دوليين يتمتعون بخبرة واسعة لمعرفة تفاصيل عملية التخلص من الأسلحة الكيماوية. وبالطريقة ذاتها، تحتاج فرق الاستطلاع السورية التي سبقت قدوم المفتشين الدوليين إلى تدريب مناسب وتزويد بالمعدات التي تساعدها على تقييم المقار التي يمكن أن تحتوي على مواد كيماوية سامة وذخائر غير منفجرة، إذ تحتاج تلك الفرق لملابس واقية، وكواشف للغازات الكيماوية، ومعدات تطهير، وترياق في حال التعرض بشكل غير مقصود لتلك المواد. كما تحتاج سوريا التي تواجه أكبر تحد للذخائر غير المنفجرة على مستوى العالم، إلى مساعدات لتنفذ عمليات مكثفة لإزالة الألغام في المواقع المهمة، إلى جانب حاجتها لتدريب متخصص ومعدات اختصاصية ومستلزمات تساعدها على إتلاف الأسلحة الكيماوية بشكل آمن، أو إنهاء مقرات إنتاج تلك الأسلحة حال العثور عليها.
إلا أن حزمة المساعدات التي تحتاجها سوريا لتبني قدراتها حتى تصبح شريكة فعالة لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية ليست حزمة رخيصة، لكنها قد لا تكلف ما أنفقته الولايات المتحدة على الصواريخ التي أطلقتها على المقرات الكيماوية السورية في عام 2018 انتقاماً لما حدث في هجوم دوما خلال ولاية ترمب الأولى، فقد بلغت تكلفة الغارات وقتئذ 120 مليون دولار. وخلال الهجوم ذاته، أطلقت المملكة المتحدة وفرنسا مجتمعتين عشرين صاروخ كروز، كلف كل صاروخ منها مليون دولار. لذا فإن مساعدة سوريا على إكمال عملية التخلص من الترسانة الكيماوية تمثل مبلغاً بسيطاً بوسع دول مثل قطر والسعودية والإمارات دفعه ببساطة بعد أن دخلت في عملية استثمار بمليارات الدولارات لإعادة بناء سوريا، لأن هجوماً كيماوياً واحداً ينجح موالو الأسد بتنفيذه على دمشق أو حلب قد يخيف المستثمرين ويلحق نكسة بعملية إعمار البلد لسنين طويلة، ما يعني بأن درهم وقاية خير من قنطار سارين.