سيريا مونيتور – نادر دبو
تُطرح مسألة الجنوب السوري، ولا سيما المناطق المحاذية للجولان المحتل، غالبًا ضمن توصيفات عامة تفتقر للدقة، إذ يجري التعامل معها باعتبارها منطقة محتلة بالكامل أو ساحة مفتوحة للتوغلات الإسرائيلية، في حين تشير الوقائع الميدانية والسياسية إلى مشهد أكثر تعقيدًا، تلعب فيه روسيا دورًا محوريًا يتجاوز البعد العسكري المباشر.
منذ سنوات، قدمت موسكو نفسها كضامن أمني غير معلن لخطوط التماس بين سوريا وإسرائيل، مستندة إلى تفاهمات دولية وإقليمية، سمحت لها بتسيير دوريات جوية على طول خط وقف إطلاق النار في الجولان، بما في ذلك تحليق المروحيات العسكرية ومراقبة التحركات على جانبي الحدود، دون تجاوز الخط الفاصل.
هذا الدور الروسي لا يجري بمعزل عن الولايات المتحدة، بل يتم ضمن سقف تفاهمات تضمن عدم التصادم مع إسرائيل، التي تحظى بأولوية أميركية واضحة في الحسابات الأمنية للمنطقة. وفي هذا الإطار، تؤدي موسكو دور قناة تنسيق أمني، تساهم في ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وتنطلق المقاربة الروسية من مصالح استراتيجية أوسع، لا ترتبط فقط بجنوب سوريا، بل تشمل الحفاظ على وجودها العسكري في البلاد، ولا سيما قاعدتي حميميم وطرطوس، ما يجعل استقرار خطوط التماس مسألة حيوية بالنسبة لها. لذلك، يمتد نفوذها الأمني ليشمل أكثر من جبهة، ضمن سياسة إدارة التوازنات لا الحسم.
في المقابل، تحاول دمشق الاستفادة من هذا الدور الروسي كورقة سياسية وأمنية، سواء في مواجهة الضغوط الإسرائيلية أو في سياق علاقتها المعقدة مع الولايات المتحدة. وتسعى، في الوقت نفسه، إلى الحد من التوغلات الإسرائيلية، مع إدراكها أن ذلك يتطلب تقديم تنازلات مرحلية ضمن شبكة المصالح الدولية المتداخلة.
وعلى الرغم من قبول إسرائيل بروسيا كوسيط أمني وموازن ميداني في المرحلة الحالية، إلا أن هذا القبول يبقى مشروطًا بضمانات واضحة تتعلق بالأمن على الحدود، وهو ما يفتح الباب أمام دور أميركي أكثر حضورًا في أي ترتيبات مستقبلية، باعتبار واشنطن الراعي الأساسي لأي اتفاق أمني محتمل بين الطرفين.
وتشير المعطيات إلى أن الدور الروسي، رغم أهميته، لا يُنظر إليه كبديل كامل عن الدور الأميركي، بل كجزء من معادلة أوسع، تسعى موسكو من خلالها إلى تثبيت نفسها كصمام أمان مؤقت، وورقة تفاوض أساسية مع الحكومة السورية في مرحلة إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في البلاد.