سوريا في الحساب الروسي الجديد.. شريك أم ملف قيد الإدارة؟

سيريا مونيتور – مالك الحافظ

تحمل الزيارة الثانية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو دلالة سياسية مختلفة عن سابقتها، وتأتي في مرحلة وصلت نحو مراجعة أكثر دقة لمعادلة العلاقة بين دمشق وموسكو.

فالفاصل الزمني القصير نسبياً بين الزيارتين يمكن قراءته كمؤشر على انتقال العلاقة من مرحلة تثبيت الواقع السياسي الجديد في سوريا إلى مرحلة اختبار مدى صلابته واستدامته ضمن الحسابات الروسية الأوسع.

من الاعتراف إلى إعادة تعريف الشراكة

الزيارة الأولى عكست اعترافاً عملياً من موسكو بدمشق التي تشكّلت بعد سقوط نظام بشار الأسد، فكان الهدف آنذاك واضحاً يتمثل بتثبيت خطوط التواصل، وإعادة تأكيد الحضور الروسي في المشهد السوري، وضمان استمرار التفاهمات العسكرية والاقتصادية القائمة.

أما الزيارة الثانية، فتأتي في سياق مختلف يتعلّق بطبيعة الشراكة وحدودها، وبالسؤال الروسي الجوهري حول ما الذي تريده دمشق الجديدة من موسكو، وما الذي تستطيع موسكو أن تريده بدورها من سوريا في هذه المرحلة.

الفارق السياسي بين الزيارتين يكمن في خلفية التوقيت والسياق الدولي، فالزيارة الأولى كانت أشبه بإعلان تثبيت أن روسيا لا تنسحب من سوريا، ولا تعيد تموضعها بعيداً عنها رغم التحولات الإقليمية.

أما الزيارة الثانية، فتطرح سؤالاً أعمق حول شكل الشراكة. فهل ستبقى العلاقة في إطار التعاون الأمني والعسكري التقليدي، أم ستتحول إلى صيغة أكثر اندماجاً في الحسابات الجيوسياسية الروسية؟

من الطبيعي أن تتابع موسكو عن كثب مسار إعادة ترتيب المشهد الإقليمي، من مفاوضات الطاقة في شرق المتوسط، إلى تحولات العلاقة الروسية–التركية، وصولاً إلى اشتداد التنافس مع الغرب في أكثر من ساحة. في هذا السياق، ينظر إلى سوريا كجزء من شبكة مصالح أوسع.

وعليه، فإن الزيارة الثانية يمكن قراءتها باعتبارها لحظة تفاوض غير معلنة حول الدور الذي يُنتظر من دمشق أن تلعبه في هذه الشبكة.

شراكة قيد الاختبار وحدود لا تحتمل المفاجآت

الباحث والمحلل السياسي الروسي المتخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الروسية، أندريه كورتونوف، يرى، أن موسكو لا تتعامل مع دمشق باعتبارها حليفاً مضموناً، وإنما كشريك يحتاج إلى اختبار مستمر. فالتجربة الروسية في المنطقة خلال العقدين الأخيرين، بحسب تقديره، علّمتها أن التحولات الداخلية في دول الشرق الأوسط قادرة على إعادة تشكيل المواقف بسرعة، وأن الخطاب السياسي لا يكفي لتقدير اتجاه السلطة.

كورتونوف يركّز على أن موسكو تتابع بدقة قدرة دمشق على ضبط التوازن بين خطابها الداخلي وخياراتها الخارجية.

بالنسبة له، السؤال الروسي ليس مرتبطاً بولاء سياسي، بل بقدرة دمشق على إنتاج استقرار إداري وأمني يسمح لروسيا بالحفاظ على مصالحها من دون الدخول في استنزاف جديد.

ويتابع بالقول:

“روسيا لا تبحث عن دور سوري إضافي في صراعاتها مع الغرب، بقدر ما تريد التأكد أن الساحة السورية لن تتحول إلى مساحة نفوذ لقوى أخرى تنافسها بصمت”.

ويضيف أن موسكو تراقب أيضاً طبيعة إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي داخل سوريا، فأي إعادة صياغة لشبكات الامتيازات أو العقود أو الأولويات الاقتصادية تعني إعادة تفاوض غير مباشر مع روسيا.

لذلك فإن الزيارة الثانية، في تقديره، جاءت لمراجعة التفاهمات الفعلية على الأرض. هو يعتقد أن الكرملين ينظر إلى العلاقة الحالية بوصفها قابلة للاستمرار، لكن ضمن حدود واضحة تتمثل في ألا تكون هناك مفاجآت في التمركز العسكري، ولا تحولات حادة في اتجاهات الشراكات الاقتصادية، ولا انزياح سياسي يضع موسكو أمام أمر واقع.

حدود النفوذ الروسي ومساحة المناورة السورية

من جانبه، يعتبر فراس مقصد، الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وتقاطعاتها مع روسيا، أن الزيارة الثانية للشرع إلى موسكو تمثل لحظة إعادة تموضع أكثر مما تمثل استمرارية تقليدية للعلاقة.

في تقديره، موسكو تنظر إلى السلطة الانتقالية من زاوية القدرة على إدارة الدولة، وليس من زاوية التقارب السياسي. واستطرد قائلاً “روسيا اختبرت خلال السنوات الماضية حدود الاستثمار في أنظمة مضطربة، وهي اليوم أكثر ميلاً إلى شراكات قابلة للضبط، وليس إلى رهانات مفتوحة”.

ويذهب إلى أن التحدي الأكبر أمام دمشق لا يتعلق بإرضاء موسكو، إنما بإدارة توازن معقد بين روسيا وقوى إقليمية أخرى تتقدم في المشهد السوري.

“كل انفتاح جديد على عاصمة إقليمية يُقرأ في موسكو كإشارة يجب تفسيرها، لذلك فإن العلاقة الروسية–السورية ستدخل مرحلة حساسة من التدقيق المتبادل. موسكو تريد شريكاً مستقراً يمكن حساب خطواته، والسلطة الانتقالية تحتاج إلى الحفاظ على هامش حركة لا يقيّد خياراتها المقبلة”.

في قراءة مقصد، فإن الزيارة الثانية كانت لحظة تفاوض غير معلن حول حدود النفوذ وحدود الاستقلال في آن واحد؛ فالعلاقة بحسب رأيه لن تتجه إلى تصعيد ولا إلى تراجع، لكنها ستُدار من الآن فصاعداً بعقلية مراقبة دقيقة.

يبدو أن موسكو تسعى في هذه المرحلة إلى أمرين متوازيين؛ الأول يتعلق بتحصين العلاقة القائمة من تأثيرات التوازنات الدولية المتغيرة، ولا سيما مع استمرار الضغوط الغربية والعقوبات المفروضة على روسيا. فاستقرار الحضور الروسي في سوريا، سواء عبر القواعد العسكرية أو عبر التفاهمات الاقتصادية، يمنح الكرملين ورقة جيوسياسية مهمة في شرق المتوسط.

أما الأمر الثاني يتعلق بمدى انخراط سوريا الجديدة في الحسابات الإقليمية الروسية. فهل تكتفي دمشق بالحفاظ على العلاقة باعتبارها شراكة أمنية، أم تُبدي استعداداً لتنسيق أوسع في ملفات تتجاوز الجغرافيا السورية؟ هذا السؤال يزداد حساسية في ظل التحولات داخل دمشق، ومحاولتها رسم توازن بين الانفتاح على أطراف إقليمية متعددة والحفاظ على خطوط التواصل مع موسكو.

موسكو بين تقليص الكلفة وبحث دمشق عن شرعية متوازنة

يشار إلى أن موقع ” “Russia Matters حلل في تقريره الأخير المتعلق بكيفية تغير قدرة موسكو على التأثير في سوريا بعد التحولات السياسية، لافتاً إلى أن التقارب بين مصالح واشنطن وموسكو في سوريا قد زاد بعد سقوط نظام الأسد، حيث كلا الطرفين يبحث عن استقرار مؤسسي بدل الصراع المباشر، والانسحاب الجزئي من قواعد بعيداً عن صلب المصالح الأساسية.

كذلك يُظهر التقرير أن موسكو بدأت إعادة توجيه قواها نحو جبهات أخرى، خصوصاً أوكرانيا، مع بقاء تركيزها على الملفات السياسية والاقتصادية في سوريا بدل التوسع العسكري الكبير.

بينما نشر موقع “Defence24” تحليلاً أوضح فيه أن العلاقة الروسية–السورية دخلت مرحلة تختلف عن الماضي. فقبل نهاية 2024، كانت سوريا تُعد أحد أهم حلفاء موسكو في الشرق الأوسط، لكن بعد سقوط النظام السابق، تغيرت المعادلة.

التقرير يُبيّن أن موسكو لا تريد التخلي عن القواعد العسكرية الاستراتيجية مثل حميميم وطرطوس، لكنها في الوقت ذاته تقبل بسقف جديد للتعاون السياسي والاقتصادي مع السلطة الانتقالية.

من منظور موسكو، التعاون الأمني لا يزال مهماً، لكنه مقيد بقدرتها على الزخم السياسي والاقتصادي في بيئة دولية معقدة، بما يشمل العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة.

تجارب الدراسات الحديثة في الانتقالات السياسية تشير إلى أن السلطات الجديدة في الدول الخارجة من النزاع تسعى إلى بناء شرعية خارجية متوازنة من خلال تنويع الشراكات الدولية بدل الاعتماد على فاعل واحد.

سوريا هنا لا تسعى فقط لتعزيز علاقتها مع موسكو، إنما تريد أن تضع نفسها في شبكة علاقات عديدة تضمن لها القدرة على المناورة. وهذا ما يفسّره اهتمام دمشق بإظهار قدرة على الحوار مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في موازاة تعميق العلاقات مع روسيا.

Read Previous

ترمب يطلق المجلس الأول للسلام ويوصي باستقرار الشرق الأوسط

Read Next

مصادر إعلامية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقصف ريف القنيطرة وتعتقل راعي أغنام

Most Popular