سياسة الذاكرة وتشويه الرموز: كيف تُعاد كتابة سردية الثورة السورية

سيريا مونيتور – عبدالفتاح النعيمي

في السنوات الأخيرة، لم تعد المعركة على الثورة السورية تدور في ميادين القتال وحدها، بل انتقلت بوضوح إلى ساحة الذاكرة والسردية. هناك حيث تُصاغ المعاني وتُعاد كتابة الأحداث وتُحدد الرموز، تبدو بعض الأطراف السورية وحلفاؤها أكثر تصميماً من أي وقت مضى على فرض روايتهم النهائية ثورة بلا شرعية، ثوار بلا شرف، وضحايا بلا أسماء.

لقد شكّلت “التسويات والمصالحات” التي أُبرمت مع عناصر الشبيحة والميليشيات الموالية للنظام وبعض من أزلام النظام نقطة تحول أخلاقي وسياسي خطير. فبدلاً من مساءلة من تورطوا في القمع والقتل والتعذيب، جرى إعادة تدويرهم داخل مؤسسات الدولة أو إبقاؤهم في مواقعهم، بل ومنح بعضهم مناصب جديدة. هذه السياسة لم تكن مجرد إجراء إداري أو أمني، بل رسالة صريحة إلى المجتمع السوري إن العدالة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، وإن دماء الضحايا يمكن طيها في أدراج النسيان الرسمي.

في المقابل، لم يقتصر الأمر على تبييض صورة الجلاد، بل امتد إلى تشويه صورة الضحية والثائر معاً وهنا يدخل الإنتاج الدرامي السوري الرسمي وشبه الرسمي بوصفه أداة سردية شديدة التأثير. فحين تظهر أعمال درامية تتناول الثورة السورية أو سياقها الاجتماعي والسياسي، ثم تتعمد إهانة رموزها أو تصويرهم كمتطرفين أو جهلة أو أدوات فوضى، فإننا لا نكون أمام اجتهاد فني أو قراءة نقدية، بل أمام مشروع متكامل لإعادة هندسة الذاكرة الجمعية.

إن استهداف رموز الثورة ليس تفصيلاً هامشياً، بل هو قلب المعركة الرمزية. فالثورات لا تعيش فقط عبر الوقائع، بل عبر رموزها التي تجسد قيمها وتضحياتها. وعندما يُمس أحد أبرز هذه الرموز، مثل الشهيد المنشد والثائر عبدالباسط الساروت، فإن الرسالة تتجاوز الشخص إلى كل ما يمثله الحلم بالحرية، كرامة الفقراء، وشجاعة المواجهة في وجه الاستبداد. الساروت لم يكن مجرد مقاتل أو منشد كان أيقونة لمرحلة كاملة من الثورة الشعبية السلمية والمسلحة، وصوته في ساحات حمص كان ذاكرة حيّة لجيل كامل.

ولهذا، فإن أي عمل درامي يلمّح إلى تشويه صورته أو الانتقاص من رمزيته لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأشمل الذي يسعى إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن الثورة ذاتها. فحين تُهان الرموز، يُراد إهانة القضية. وحين يُختزل الثائر في صورة سلبية، يُراد اختزال الثورة كلها في انحراف أو فوضى أو مؤامرة.

المفارقة المؤلمة أن هذه الأعمال تأتي في وقت ما يزال فيه مئات آلاف السوريين بين نازح ولاجئ، وآلاف المعتقلين والمغيبين قسراً مجهولي المصير، وعشرات آلاف القتلى بلا عدالة أو إنصاف. أي أن الجرح ما زال مفتوحاً، والذاكرة ما زالت حية لدى الضحايا وذويهم. ومع ذلك، يُطلب منهم — عبر الخطاب الدرامي والإعلامي — أن يقبلوا رواية معاكسة لخبرتهم ومعاناتهم، رواية تُعيد تعريف الجلاد بوصفه حامياً، والثائر بوصفه مخرباً.
هذا ليس فناً بريئاً، بل سياسة ذاكرة. فالسلطات التي تعجز عن تحقيق مصالحة حقيقية قائمة على العدالة الانتقالية، تلجأ غالباً إلى فرض مصالحة سردية قسرية تُمحى فيها أسباب الثورة، ويُجرم فعل الاحتجاج، ويُعاد تأهيل العنف الرسمي بوصفه ضرورة وطنية. وفي هذا السياق، تصبح الدراما أداة ناعمة لإعادة كتابة التاريخ قبل أن يُكتب أصلاً.

إن أخطر ما في هذه المقاربة أنها لا تستهدف الماضي فقط، بل المستقبل أيضاً. فحين يُربّى جيل جديد من السوريين على سردية رسمية تُشيطن الثورة وتُهين رموزها، فإن إمكانية أي تحول ديمقراطي مستقبلي تُقوض من جذورها، لأن الذاكرة الجماعية التي تغذي التغيير تكون قد شُوهت أو أُفرغت من معناها.

من هنا، فإن مواجهة هذه الأعمال لا تكون فقط برفضها العاطفي أو مقاطعتها، بل بكشف بنيتها الدعائية وتحليل خطابها وتوثيق السردية المضادة سردية الضحايا، وسردية الحراك الشعبي، وسردية الرموز التي دفعت حياتها ثمناً لفكرة الحرية. فالمعركة على الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، وربما تكون أطول أثراً.

إن الثورة السورية، مهما تعرضت للتشويه الرسمي، باقية في ذاكرة من عاشها وضحى فيها. ورموزها، وعلى رأسهم الساروت، لا يمكن محوهم بعمل درامي أو خطاب إعلامي، لأنهم أصبحوا جزءاً من التاريخ الاجتماعي العميق للسوريين. قد تنجح السلطة في فرض رواية رسمية داخل مؤسساتها وشاشاتها، لكنها لا تستطيع إلغاء ذاكرة شعب كامل. وفي النهاية، ستبقى الحقيقة التي حاولت الدراما طمسها أن هناك شعباً طالب بالحرية، ودفع ثمناً باهظاً، وما زال ينتظر عدالة لم تأت بعد..

Read Previous

تشمل سحب الرواتب والمستجدات المالية.. المصرف المركزي يطلق خدمات جديدة بالتعاون مع شركة “شخاشيرو”

Most Popular