فيصل مصطفى الحسن
تنتشر في مدينة الرقة وبعض مناطق المحافظة شبكة معقدة من الأنفاق بأعماق وأبعاد متفاوتة، يمتد جزء كبير منها تحت الأحياء السكنية والمنشآت الحيوية. هذه الشبكة وان كانت من مخلفات مرحلة سوداء سابقة، الا أنها اصبحت واقعا إنشائيا قائما يفرض نفسه على الحاضر والمستقبل. فهي في آنٍ واحد مصدر خطر محتمل، وملف عمراني مفتوح يستدعي معالجة منهجية ومسؤولة. ومن هنا، فإن أي مقاربة جادة يجب أن تنطلق من ترتيب واضح للأولويات، تضع السلامة العامة في الصدارة، وتؤجل التفكير في الجدوى والاستثمار إلى مرحلة لاحقة.
البداية الحقيقية لأي معالجة تكمن في المعرفة الدقيقة. لذلك، تُعدّ الخطوة الأولى إعداد خارطة رقمية شاملة وقاعدة بيانات مركزية توثق مواقع الأنفاق ومساراتها تحت المناطق السكنية وغير السكنية، وتحدد مداخلها ومخارجها، وأبعادها من عمق وعرض وارتفاع وطول، إضافة إلى قياس سماكة الغطاء الترابي فوقها ورصد مؤشرات الهبوط أو التشقق على السطح. من دون هذا الأساس العلمي، يصبح اتخاذ القرار أقرب إلى التخمين منه إلى التخطيط.
بعد استكمال مرحلة التوثيق والمسح، تأتي خطوة تصنيف الأنفاق بحسب مستويات الخطورة كمرحلة حاسمة تالية. وعلى ضوء هذا التصنيف، تُحدد آليات التدخل المناسبة وفق درجة الخطورة، وطبيعة النفق، وموقعه، مع اعتماد معالجات هندسية مدروسة تضمن أعلى معايير السلامة والأمان.
بعد ضمان السلامة ومعالجة المخاطر، يمكن دراسة توظيف بعض المقاطع الآمنة ضمن إطار تخطيطي مدروس، سواء لخدمة البنى التحتية، أو كملاجئ محدودة، أو كمخازن طوارئ، أو كمواقع توثيق حضري. كما يمكن النظر في استخدامات إنتاجية محددة شريطة استيفاء متطلبات العزل والأمان. غير أن أي خيار يجب أن يستند إلى تقييم دقيق يوازن بين كلفة التأهيل وكلفة البدائل، ويأخذ بعين الاعتبار متطلبات التدعيم ومخاطر التشغيل والصيانة على المدى البعيد.
ونظراً لحساسية هذا الملف وتعقيداته، يصبح من الضروري إنشاء وحدة فنية متخصصة داخل مجلس المدينة، وكذلك في المجالس المحلية التي تواجه المشكلة ذاتها، تتولى تحديث الخرائط بشكل دوري، ومتابعة مؤشرات الهبوط، وتنسيق أعمال التدخل، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في الإبلاغ عن أي تطورات مقلقة.
إن التعامل مع أنفاق الرقة ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مشروعا متكاملا لإدارة المخاطر، لا مجرد فرصة استثمارية محتملة. فالرهان الأول هو حماية الأرواح وضمان استقرار العمران، أما البحث عن أوجه الاستفادة فيأتي لاحقاً، ضمن إطار تخطيطي مدروس يوازن بين الأمان والجدوى، ويؤسس لمدينة أكثر استقراراً على المدى الطويل.