عتمة الرقة.. فساد وتهالك قطاع الكهرباء يعطل الحياة العامة

أحمد مراد

يعاني قطاع الكهرباء في محافظة الرقة من تدهور كارثي ومستمر، على الرغم من موقعها الاستراتيجي الفريد على ضفاف نهر الفرات، الذي يضم في جنباته أضخم المنشآت الكهرومائية في سوريا.

هذا التدهور هو نتاج طبيعي لتهالك البنية التحتية للشبكات ومحطات التحويل، إضافة إلى الفشل الذريع في الاستفادة من الطاقة الإنتاجية للسدود الرئيسية القائمة على النهر، ما انعكس بشكل مأساوي على واقع الخدمة التي باتت تغيب عن المنازل لمدة تصل إلى 22 ساعة يومياً، أدى ذلك لتعطل الحياة العامة وتراجع الإنتاج الزراعي نتيجة نقص مياه الري، في ظل استغلال متنفذين للكهرباء المنزلية والزراعية في أعمال صناعية خاصة وبشكل شبه مجاني.

العيش بجوار منابع الطاقة.. نعمة ونقمة

 تعتبر الرقة “عاصمة الطاقة” السورية نظرياً، لكن الواقع يروي قصة أخرى؛ حيث تحولت هذه الجيرة من نعمة إلى نقمة تلاحق السكان في تفاصيل يومهم. يضطر الناشط حمزة الملا للاعتماد الكلي على اشتراك “الأمبيرات” (المولدات الخاصة) للحصول على حد أدنى من التيار الكهربائي في مدينة الرقة، مقابل دفع مبالغ شهرية تصل إلى 25 دولاراً، وهو عبء مالي لا تقوى عليه أغلبية العائلات التي ترزح تحت جنح الظلام. ويشير الملا إلى أن الكهرباء أصبحت المعضلة الأكبر، خاصة في شهر رمضان، وفي ظل وضع أمني غير مستقر. فبينما كان يُنظر إلى المدينة والفرات على أنهما المخلّص لأزمة الطاقة في البلاد، باتت أحياؤها غارقة في عتمة موحشة نتيجة غياب العدالة في التوزيع وتراكم سنوات الإهمال.

الإهمال وضعف البنية التحتية للمنشآت

يضم نهر الفرات، في المسافة الممتدة من منبج وصولاً إلى كديران، أضخم ثلاث منشآت كهرومائية في البلاد: سد تشرين شرقي حلب، وسدي الفرات وكديران (البعث) في الرقة. ومع ذلك، لا تتعدى الطاقة التشغيلية لسدي تشرين والفرات حالياً 30% من طاقتهما الإنتاجية. ويعود هذا العجز إلى عدم جاهزية محطات التحويل وخروج معظم العنفات عن الخدمة، حيث لا يعمل حالياً سوى عنفتين فقط في كل سد. وتعد هذه السدود وسيلة إنتاج منخفضة التكاليف إذ تستطيع كمية المياه نفسها توليد الطاقة في السدود الثلاثة تباعاً، إلا أن العوائق الفنية تتشابك مع أزمة مائية سياسية؛ إذ لم يتجاوز الوارد المائي من الجانب التركي 200 متر مكعب في الثانية خلال السنوات الأخيرة، مما هدد بحيرة سد الفرات بخطر الجفاف، رغم أن استثمار هذه السدود بكامل طاقتها كفيل بتأمين الكهرباء لكافة منطقة الجزيرة ومحافظات سورية أخرى.

بدأت الحكومة السورية في إصلاح الجسور في مدينة الرقة، التي تربط شرق وغرب البلاد عبر نهر الفرات، بعد أن دمرتها قوات سوريا الديمقراطية أثناء انسحابها من الرقة، سوريا في 28 يناير 2026.
بدأت الحكومة السورية إصلاح الجسور في الرقة، بعد أن دمرتها قوات سوريا الديمقراطية أثناء انسحابها من المدينة ـ 28 يناير 2026. غيتي

“التقنين هو الحل”

 تظهر الفجوة العميقة بين الإمكانيات والواقع الفني في الأرقام؛ فالعنفة الواحدة في سد الفرات قادرة على توليد 110 ميغا واط ساعي، لكن النقص الحاد في محولات “66-20” يقف حائلاً دون استغلال هذه القدرة. وتضم مدينة الرقة أربع محطات تحويل، يمتلك بعضها 5 مخارج لخطوط “20 ميغا”، لكن غياب المحولات يفرض نظام تقنين قسري. وبحسب مصادر فنية، تلجأ شركة الكهرباء للتقنين بناءً على الحصة الممنوحة؛ فإذا كان الوارد للمدينة 50 ميغا واط بينما استطاعة المحطة المتوفرة لا تتعدى 30 ميغا واط، يصبح من المستحيل تغذية كافة الأحياء، مما يضطر المسؤولين لقطع التيار لساعات طويلة. والمفارقة أن تحسن منسوب المياه بعد الأمطار الأخيرة لم ينعكس إيجاباً على السكان بسبب الحاجة الماسة للصيانة التي تم تجاهلها لسنوات.

الفساد والمحسوبيات ومعامل تستهلك الكهرباء المنزلية

 خلال سنوات سيطرة قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، أشرفت المنظمات الدولية على قطاع الكهرباء تحت مسمى مشاريع “إعادة الاستقرار”، لكن هذه الجهود شابتها حالات فساد واسعة. ورغم تقديم إحدى المنظمات لـ 23 محولة ومعدات ضخمة، إلا أن معظمها بيع في السوق السوداء لمقاولين مرتبطين بمتنفذين، بدلاً من تركيبها في الأحياء المحرومة منذ عام 2017.

هذا الفساد الممنهج عزز تجارة “الأمبيرات” التي يتقاسم أرباحها مستثمرون مع قيادات في شركة الكهرباء. وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن، تحصلت معامل خاصة، كمعمل صهر الحديد التابع لشخصيات محسوبة على “قسد” على قرابة 13 ميغا واط عبر خط مباشر وبشكل شبه مجاني. هذه المعامل صهرت حديد الأبنية المدمرة دون تعويض أصحاب المنازل، تستنزف حصة المواطنين المنزلية بتواطؤ من موظفين خصصوا خطوط “توتر 20” (المخصصة أصلاً للأحياء) لتغذية المصانع ومعامل الثلج فقط.

التعديات على الكهرباء تطول القطاع الزراعي

لم يتوقف الضرر عند حدود المنازل، بل ضرب العصب الاقتصادي للمحافظة وهو الزراعة. يروي المزارع خالد المفلح الخلف لموقع تلفزيون سوريا، كيف انخفض إنتاجه بنسبة 60% بسبب التعديات على خطوط الكهرباء المخصصة لشبكات الري. حيث تستفيد ورشات ومراكز خاصة من التحميل على هذه الخطوط بأسعار رمزية، وبما أن خطوط الري لا تخضع للتقنين لضمان وصول المياه للمحاصيل، فقد أدى هذا التحميل الزائد إلى انخفاض التوتر وتعرض الشبكة لأعطال كبيرة. هذا التلاعب تسبب في حرمان آلاف المزارعين من المياه، فالمحاصيل التي تحتاج 4 ريات سنوياً لم تحصل إلا على واحدة، مما أدى لتصحر قرابة 3 آلاف هكتار من الأراضي المروية، فضلاً عن تعطل محطات ضخ مياه الشرب التي تتغذى من نفس الخطوط المنهكة.

حلول برسم وزارة الطاقة السورية

وفقاً لخبراء وموظفين في القطاع، يجب إعلان حزمة إصلاحات، تبدأ بإعادة هيكلة شاملة، وصيانة محطات التحويل، وتأمين محولات “66-20” جديدة لإنهاء التقنين القسري. كما يجب صيانة الخلايا في المحطات وتأهيل الشبكات الداخلية للقرى، لا سيما في ريفي “تل أبيض” و”سلوك” المنسيين. والأهم من ذلك هو “تنظيف” الخطوط السكنية والزراعية من تعديات المعامل الخاصة، وفرض رقابة صارمة على الموظفين الذين تربطهم مصالح مع أصحاب تلك المنشآت. إن الأولوية يجب أن تكون للمواطن وللقطاع الزراعي الذي يمثل شريان الحياة، بدلاً من ترك مقدرات الفرات تُسرق لصالح “أمراء الحرب” وصناعاتهم، يقول مواطنون من المدينة.

تلفزيون سوريا

Read Previous

أ.ب عن وثيقة: إدارة ترامب أبلغت الكونغرس اعتزامها التخطيط لإعادة افتتاح السفارة الأمريكية في دمشق

Most Popular