سيريا مونيتور – مظفر إسماعيل
يبيع طفل علبة محارم عند إحدى إشارات المرور في مدينة اللاذقية، بينما يرن جرس الحصة الأولى في مدرسة قريبة. يحمل آخر صندوق بسكويت بين السيارات في طرطوس في وقت يفترض أن يجلس فيه على مقعد الدراسة. يتكرر المشهد يوميا في مدن وأرياف الساحل، ويكشف تحولا مقلقا في مسار آلاف الأطفال الذين انتقلوا من الصفوف إلى سوق العمل.
تسجل المنظمات الدولية أرقاما تعكس عمق الأزمة، إذ تشير تقديرات اليونيسيف إلى أن 7.5 مليون طفل في سوريا يحتاجون إلى دعم إنساني، وأن 2.45 مليون طفل خارج المدرسة، في حين يواجه نحو مليوني طفل خطر سوء التغذية. تعكس هذه المؤشرات بيئة هشّة تدفع بالأطفال إلى العمل المبكر، خاصة في ظل أزمة اقتصادية ممتدة بعد سنوات من الحرب.
اتساع الظاهرة في الساحل
تكشف جولة ميدانية لموقع تلفزيون سوريا خلال الدوام المدرسي في مدن الساحل عن ارتفاع واضح في أعداد الأطفال العاملين، حيث تدفع كلفة المعيشة المرتفعة وتراجع الدخل أرباب الأسر إلى إشراك أبنائهم في تأمين الاحتياجات الأساسية. وتؤكد تقارير صادرة عن اليونيسيف ومنظمة أنقذوا الطفولة ارتفاع أعداد الأطفال المتسربين من التعليم والعاملين دون السن القانونية خلال الأعوام الأخيرة، داخل سوريا وفي دول الجوار.
وأظهرت دراسات سابقة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، قبل توقيع مذكرة تفاهم مع منظمة العمل الدولية للحد من أسوأ أشكال عمل الأطفال، أن نسبة كبيرة من الأطفال يعملون في مهن شاقة وخطرة.
يقول “أبو يامن”، سائق تكسي في اللاذقية، إنه يشاهد يوميا أطفالا يتسولون أو يبيعون السلع البسيطة قرب الإشارات. ويربط الظاهرة بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة التعليم. ويضيف أن كثيرا من الأسر تعجز عن شراء الكتب واللوازم، فتدفع بأطفالها إلى العمل.
أسباب متشابكة للمشكلة
يدفع الفقر الشديد وتدهور القدرة الشرائية الأسر إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، حتى لو كان الثمن خروج الأطفال من المدرسة. يقول “عبدالله”، 14 عاما، إن اختطاف والده قبل عام أدى إلى انقطاع دخل الأسرة. ويوضح أنه ترك المدرسة ليعمل في ورشة ميكانيك سيارات كي يعيل والدته وأخواته.
يساهم النزوح وفقدان السكن في تفاقم المشكلة. يوضح “محمود الإبراهيم”، وهو نازح من إدلب يقيم في طرطوس منذ 2012، أن إيجار المنزل يقترب من مليون ليرة، ما يدفعه للعمل مع زوجته وابنه في الزراعة لتغطية المصاريف. ويؤكد أنه لا يستطيع إعادة ابنه إلى المدرسة في ظل هذا الضغط المالي.
يضعف تراجع جودة التعليم وارتفاع كلفته جاذبية المدرسة لدى بعض الأسر. وتشير شهادات محلية إلى أن انخفاض رواتب الموظفين وندرة فرص العمل لحملة الشهادات يدفعان بعض الأهالي إلى تفضيل تعليم المهن على الدراسة النظامية. وتقول “سعاد”، خريجة اقتصاد، إن أبناءها اتجهوا إلى تعلم مهن يدوية بسبب ضعف العائد من التعليم الأكاديمي مقارنة ببعض الأعمال الحرة.
يساهم ضعف تطبيق القوانين في توسع الظاهرة، ورغم أن التشريعات السورية تنص على تحديد سن أدنى للعمل وحظر تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة، إلا أن الرقابة تراجعت خلال سنوات الحرب، مما سمح بتشغيل أطفال دون محاسبة كافية.
يتأثر أيضا أبناء العسكريين السابقين والموظفين المفصولين من أعمالهم بتراجع الدخل وغياب فرص العمل. تدفع هذه الظروف كثيرين إلى ترك الدراسة والاتجاه نحو أعمال بسيطة مثل الزراعة ورعي الأغنام والبيع في الأسواق.
آثار اجتماعية ونفسية ممتدة
يحرم العمل المبكر الأطفال من التعليم والمهارات الأساسية، ويحد من فرصهم المستقبلية في سوق العمل المنظم. كما يعرضهم لمخاطر صحية نتيجة العمل في بيئات غير آمنة، ويترك آثارا نفسية طويلة الأمد.
يحذر مرشدون نفسيون من أن التعرض المبكر لضغوط العمل القاسية قد يرفع مستويات القلق والعدوانية لدى الأطفال. ويشير “مجد علي”، مرشد نفسي في طرطوس، إلى أن بيئات العمل غير المنظمة قد تفتح الباب أمام أشكال مختلفة من الاستغلال، ما ينعكس سلبا على المجتمع ككل.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن عمالة الأطفال في الساحل لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى ظاهرة ترتبط ببنية اقتصادية واجتماعية مضطربة. ويتطلب الحد منها معالجة شاملة تعالج الفقر، وتدعم التعليم، وتفعل القوانين، وتعيد بناء شبكات الحماية الاجتماعية، حفاظا على جيل يواجه مخاطر مبكرة تهدد مستقبله ومستقبل المجتمع.
تعالج الدراسات الدولية ظاهرة عمالة الأطفال بوصفها نتيجة مباشرة لاختلالات اقتصادية واجتماعية وتعليمية متراكمة، وتؤكد أن أي تدخل فعال يجب أن يستهدف الأسباب البنيوية التي تدفع الأطفال إلى سوق العمل، لا مظاهر الظاهرة فقط.
المعالجة الاقتصادية ومعالجة الفقر
تربط تقارير منظمة العمل الدولية واليونيسيف بين ارتفاع معدلات عمالة الأطفال واتساع رقعة الفقر وانخفاض دخل الأسر. وتبين الأدلة أن تحسين دخل الأسرة يشكل عاملا حاسما في خفض اعتمادها على عمل الأطفال. وتشمل التدخلات الفعالة تقديم تحويلات نقدية مشروطة باستمرار الأطفال في التعليم، ودعم سبل العيش للأسر الهشة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع كلفة المعيشة. وتؤكد الدراسات أن الجمع بين الدعم النقدي والمتابعة التعليمية يحقق نتائج أفضل من الاكتفاء بإجراءات جزئية.
تفعيل التشريعات وآليات الرقابة
تنص القوانين السورية على إلزامية التعليم الأساسي وتحدد سنا أدنى للعمل وتحظر تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة. وتؤكد الأدبيات القانونية أن فعالية هذه النصوص تعتمد على مستوى إنفاذها. لذلك توصي الدراسات بتعزيز قدرات أجهزة التفتيش العمالي، وتكثيف الزيارات الميدانية، وفرض عقوبات رادعة على الجهات التي تشغل الأطفال دون السن القانونية، بالتوازي مع توعية الأسر بمخاطر العمل المبكر وآثاره الصحية والتعليمية. وتشدد المراجع على أن المقاربة العقابية وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع دعم اجتماعي واقتصادي للأسر الفقيرة.