سيريا مونيتور ـ مالك الحافظ
مع دخول المرحلة الانتقالية عامها الثاني، وتزامن ذلك مع رفع العقوبات المرتبطة بقانون قيصر، يعود الاقتصاد السوري إلى الواجهة كأحد الحقول الأكثر حساسية في اختبار إمكانات الانتقال من إدارة البقاء إلى منطق التعافي. غير أن رفع العقوبات على أهميته السياسية والرمزية، لا يساوي تلقائياً بداية مسار تنموي، إذ يفتح نقاشاً أكثر تعقيداً حول شروط الإنعاش وحدوده، وحول ما إذا كان الاقتصاد السوري قادراً على مغادرة نموذج الانكماش المزمن نحو أفق إنتاجي مستدام، أم أنه معرّض لإعادة تدوير هشاشة قديمة بصيغ جديدة.
ومن الطبيعي أن يُنظر إلى رفع العقوبات كنافذة تتيح إعادة وصل الاقتصاد السوري بالشبكات المالية والتجارية الدولية، وتخفيف كلفة الاستيراد والتحويلات، وإتاحة هامش حركة أوسع أمام القطاع الخاص. إلا أن القراءة المتأنية تفصل بين الأثر الإجرائي المباشر لهذا التحول وبين قدرته الفعلية على إطلاق دورة تعافٍ. فالعقوبات في التحليل البنيوي، كانت عاملاً معطِّلاً، لكنها لم تكن السبب الوحيد في تدهور الاقتصاد، إذ تراكبت مع اختلالات أعمق تتعلق ببنية الإنتاج، وضعف المؤسسات، وتآكل رأس المال البشري، وانكماش الثقة العامة.
الإنعاش الظرفي وحدود التحول البنيوي
يمكن مقاربة المرحلة الراهنة باعتبارها انتقالاً من “اقتصاد الأزمة” إلى ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”اقتصاد ما بعد الأزمة”، وهو انتقال يُقاس بمدى قدرة النظام الاقتصادي على مغادرة منطق إدارة الصدمة نحو بناء مسار تنموي قابل للاستمرار. حيث يفتح مسار رفع العقوبات ما يُعرف في الاقتصاد السياسي المقارن بـ”اللحظة الحرجة”، أي لحظة مفصلية تتعدد فيها المسارات المحتملة من دون أن يكون أيٌّ منها مضموناً أو حتمياً. بذلك تكون هذه المرحلة محاولة لإعادة تأسيس اقتصادي جديد، ينطلق من واقع مختلف جذرياً عن المرحلة الماضية في سنوات حكم نظام بشار الأسد البائد.
في الأجل القصير، يبرز احتمال تحسن نسبي في بعض المؤشرات المرتبطة بالتجارة والخدمات والتمويل، خاصة في القطاعات القابلة للتفعيل السريع مثل النقل، والاتصالات، وبعض الصناعات الخفيفة، إضافة إلى تحريك جزئي لسوق العمل عبر مشاريع إعادة تشغيل محدودة. غير أن هذا التحسن، إن لم يُدار ضمن رؤية اقتصادية واضحة، قد يبقى محصوراً في نطاق “الإنعاش الظرفي”، أي استعادة حركة دون تغيير في البنية، بما يجعل أثره هشاً وقابلاً للارتداد مع أي صدمة داخلية أو خارجية.
بينما يُلاحظ أن النقاش العام يميل إلى الخلط بين الإنعاش الاقتصادي والتعافي، رغم أن الأدبيات الاقتصادية تميّز بوضوح بين “الإنعاش الدوري” الذي يعكس تحسناً مؤقتاً في النشاط، و”التعافي الهيكلي” الذي يفترض تحولاً في بنية الاقتصاد. ففي المراحل التي تلي الانفتاح المفاجئ، غالباً ما يظهر ما يُعرف بـ”الطلب المكبوت”، حيث تؤدي سنوات الانكماش إلى تراكم احتياجات استهلاكية مؤجلة، ما يخلق انطباعاً سريعاً بتحسن الحركة الاقتصادية، غير أن هذا التحسن يبقى هشاً إذا لم يُرفق بإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، إذ يتحول الاقتصاد إلى ما يشبه “اقتصاد إعادة التشغيل”، الذي يستعيد جزءاً من حركته السابقة من دون أن يبني قاعدة جديدة للنمو.
رفع العقوبات عن سوريا بين الإجراء والتعافي
ويرى ماركوس هولدن، خبير الاقتصاد السياسي المقارن، والمختص في اقتصادات ما بعد النزاعات والتحولات المؤسسية، أن رفع العقوبات عن الاقتصاد السوري يشكّل نقطة تحوّل إجرائية مهمة، لكنه يحذّر من التعامل معها كمرحلة تعافٍ بحد ذاتها. فوفق تحليله، لا يمكن لأي اقتصاد خارج من صراع طويل أن ينتقل تلقائياً من حالة الانكماش إلى مسار النمو لمجرد إزالة القيود الخارجية، لأن جوهر المشكلة يكون غالباً داخلياً ومؤسساتياً أكثر منه ظرفياً.
ويشير هولدن خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن التجربة المقارنة في اقتصادات ما بعد النزاعات تُظهر نمطاً متكرراً؛ يتمثل أن رفع العقوبات يوسّع هامش الحركة، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة البنية الاقتصادية القائمة. ففي غياب مؤسسات تنظيمية فعّالة، يمكن أن يتحول الانفتاح إلى مساحة للفوضى الاقتصادية، حيث تتقدّم الأنشطة السريعة الربح على حساب الاستثمار طويل الأمد، وتُعاد صياغة الريع بأشكال جديدة بدل تفكيكه.
قدرة الدولة وإصلاح المؤسسات
الانتقال من الإنعاش إلى التعافي يتطلب زمناً أطول وإصلاحاً أعمق، يبدأ بإعادة بناء الإطار المؤسساتي للاقتصاد. وهنا تبرز قضايا الحوكمة، واستقلالية القرار الاقتصادي، وإصلاح المنظومة القانونية الناظمة للاستثمار، باعتبارها شروطاً مركزية لإعادة تكوين الثقة. فالتجارب المقارنة في الدول الخارجة من نزاعات تشير إلى أن غياب المؤسسات الفاعلة يحوّل تدفقات رأس المال، إن وُجدت، إلى ريع قصير الأجل بدل أن تكون استثماراً منتجاً.
كما تُظهر تجارب ما بعد النزاعات أن التعافي الاقتصادي يرتبط على نحو وثيق بما تُسميه الأدبيات “قدرة الدولة”، أي قدرتها على التنظيم والتنفيذ وضبط القواعد. وهنا من الطبيعي أن يبرز النقاش الكلاسيكي بين الإصلاح المتدرج وسياسات الصدمة، حيث تشير معظم المقارنات إلى أن المسارات التدريجية تكون أكثر استدامة في البيئات الهشة، رغم بطئها النسبي. غير أن تأجيل الإصلاح المؤسساتي لا يخلو من كلفة، إذ تتراكم ما يُعرف بـ”الكلفة المؤجلة للإصلاح”، فتتحول المشكلات غير المعالجة إلى عوائق مضاعفة في مراحل لاحقة، بما يهدد أي محاولة للانتقال من الإنعاش إلى التعافي.
في تجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون عام 1995، أدى التدفق المبكر للمساعدات والاستثمارات، في ظل دولة شديدة التفكك مؤسساتياً، إلى إنعاش خدماتي ومالي محدود، من دون أن يُترجم ذلك إلى إعادة بناء إنتاجية حقيقية. فغياب مركز قرار اقتصادي موحّد وتعدد الأطر القانونية حوّل جزءاً كبيراً من الموارد إلى اقتصاد ريعي قائم على الوساطة والعقارات، فيما بقيت معدلات البطالة مرتفعة لعقود، ما جعل التعافي شكلياً أكثر منه بنيوياً. وفي حالة العراق بعد عام 2003، أتاح رفع العقوبات والانفتاح السريع على السوق العالمية تدفقات مالية ضخمة، خصوصاً مع عائدات النفط، إلا أن ضعف القدرة المؤسسية واعتماد سياسات أقرب إلى “صدمة اقتصادية” غير مكتملة، أدّيا إلى ترسيخ اقتصاد ريعي هش. فقد جرى تحرير السوق قبل بناء منظومة تنظيمية وقضائية قادرة على ضبطه، ما أسهم في توسع الفساد، وتآكل الثقة، وفشل تحويل الموارد المتاحة إلى قاعدة إنتاجية متنوعة، رغم مرور أكثر من عقدين على انتهاء العقوبات.
في المقابل، تُظهر تجربة فيتنام بعد الحرب مساراً مختلفاً، إذ لم تُراهن القيادة الاقتصادية على الانفتاح السريع وحده، بل على إصلاح تدريجي للإطار المؤسسي ضمن سياسة “دوي موي” منذ أواخر الثمانينيات. فقد سبق تحرير السوق استثمار طويل في بناء جهاز إداري قادر على التنفيذ، وإصلاح تدريجي للقوانين، ما سمح بتحويل الانفتاح الخارجي لاحقاً إلى نمو إنتاجي مستدام، خصوصاً في الصناعة والزراعة، بدلاً من الاكتفاء بإنعاش استهلاكي مؤقت.
القطاع العام والاستثمار
يطرح السياق الراهن في سوريا إشكالية توزيع الأدوار بين القطاع العام، ورأس المال المحلي، والاستثمار الخارجي. فالقطاع العام، بحكم محدودية موارده وتآكل قدراته، لا يستطيع وحده قيادة عملية التعافي، لكنه يظل مسؤولاً عن وضع الإطار التنظيمي وضمان العدالة التنافسية. في المقابل، يمتلك رأس المال المحلي معرفة بالسوق لكنه مثقل بمخاطر عدم الاستقرار وضعف الضمانات، بينما ينظر المستثمر الخارجي إلى البيئة السورية بقدر كبير من الحذر، مرتبطاً بمسألة الاستقرار القانوني والسياسي أكثر من ارتباطه برفع العقوبات بحد ذاته.
كذلك فإن أحد أخطر التحديات يتمثل في احتمال إعادة إنتاج اقتصاد ريعي أو انتقالي هش، يقوم على المضاربات، والوساطات، والأنشطة السريعة الربح، بدل توجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية حقيقية كالزراعة والصناعة التحويلية والطاقة. هذا النمط، وإن بدا جذاباً في المدى القصير، يعمّق التفاوت الاجتماعي ويؤجل التعافي الفعلي، ويجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات حادة.
في المحصلة، يضع رفع العقوبات الاقتصاد السوري أمام فرصة حقيقية، لكنها مشروطة؛ فالتعافي هو مسار تراكمي يتطلب رؤية تنموية واضحة، وإصلاحاً مؤسساتياً متدرجاً، وإدارة دقيقة لتوازنات السوق والدولة. وبينما يفتح الواقع الراهن هامشاً لإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي، تبقى قيمة هذا الهامش رهناً بالقدرة على تحويل رفع القيود من حدث سياسي إلى سياسة اقتصادية متكاملة، قادرة على كسر حلقة الهشاشة بدل إعادة إنتاجها.