سيريا مونيتور – عبدالفتاح النعيمي
لم تعد مجزرة عين العرب مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى جرح مفتوح في الذاكرة السورية، ووصمة أخلاقية لا يمكن تجاوزها بالبيانات أو التبريرات. ما كُشف من صور ومعلومات حول تصفية مدنيين عُزّل، كانوا معتقلين سابقاً، يضعنا أمام جريمة واضحة المعالم، لا لبس فيها ولا مجال لإعادة تسويقها تحت عناوين أمنية فضفاضة.
الخطير في هذه الجريمة لا يكمن فقط في عدد الضحايا، بل في الطريقة والسياق. فحين يُقتل أشخاص وهم خارج أي اشتباك، ومن دون محاكمة، وعلى يد جهة تسيطر أمنياً على المنطقة، فإننا لا نتحدث عن “تجاوز فردي”، بل عن فشل منظومة كاملة في احترام أبسط القواعد الإنسانية. توصيف الجريمة كحادث فردي لا يصمد أمام الأدلة المرئية ولا أمام شهادات الأهالي، بل يبدو محاولة للهروب من المسؤولية أكثر منه تفسيراً لما جرى.
الصور التي انتشرت، وأظهرت جثثاً بملابس مدنية، لم تكن بحاجة إلى تعليق سياسي كي تفضح الحقيقة. فهي وحدها كافية لنسف روايات الاشتباك والمواجهة، وتؤكد أن ما حدث هو تصفية ميدانية مكتملة الأركان. والأشد قسوة أن بعض الضحايا كانوا قد مرّوا بتجربة الاعتقال، ما يضاعف من حجم الانتهاك ويطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها حول مصير المعتقلين وسلامتهم.
إن القانون الدولي الإنساني واضح وصريح: قتل المدنيين أو المحتجزين جريمة حرب، والمسؤولية لا تقع على من ضغط الزناد فقط، بل على كل من سمح، أو تستر، أو فشل في منع الجريمة. العدالة لا تُختصر بفصل عنصر أو إحالة داخلية، بل تبدأ باعتراف صريح بالحقيقة، وتنتهي بمحاسبة عادلة وعلنية.
مجزرة عين العرب ليست حادثة معزولة، بل تأتي في سياق طويل من الانتهاكات التي يدفع ثمنها المدنيون وحدهم. والتعامل معها كاستثناء عابر يعني القبول الضمني بتكرارها. فالصمت، أو التبرير، أو التخفيف من وقع الجريمة، هو مشاركة غير مباشرة في قتل الحقيقة، بعد أن قُتل أصحابها.
اليوم، المطلوب أكثر من بيانات استنكار وإدانة. المطلوب تحقيق مستقل وشفاف، ومحاسبة حقيقية، واحترام لدماء الضحايا الذين لا صوت لهم. فكرامة الإنسان لا تُجزّأ، وحقوق المدنيين لا تُعلّق على شماعة السياسة أو السلاح.
ستبقى مجزرة عين العرب اختباراً أخلاقياً لكل من يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان والإنسانية. فإما أن تكون العدالة مبدأ لا يُساوم عليه، أو أن تتحول الشعارات إلى غطاء جديد لمجازر قديمة تتكرر بأسماء مختلفة.