مكتب إسرائيلي في دمشق ومنطقة اقتصادية في جبل الشيخ.. إلى أين وصلت المفاوضات مع إسرائيل؟

سيريا مونيتور

اختتمت في العاصمة الفرنسية باريس الجولة الخامسة من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة الأميركية، بعد توقف دام قرابة شهرين، في محاولة لإعادة تحريك مسار سياسي أمني تعثّر في جولته الرابعة بسبب فجوات عميقة بين موقفي الطرفين.

الجولة التي عقدت يومي الإثنين والثلاثاء وصفت من قبل الأطراف المشاركة بأنها “إيجابية” وحققت “اختراقاً”، وجاءت نتيجة ضغوط مباشرة مارسها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لدفع الجانبين إلى استئناف الحوار بعد وصوله إلى طريق مسدود.

وحضر الاجتماع من الجانب السوري وزير الخارجية، أسعد الشيباني، ورئيس جهاز المخابرات العامة، حسين سلامة، وضم الوفد الإسرائيلي سفير إسرائيل في واشنطن، يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكري لنتنياهو، اللواء رومان غوفمان، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي غيل رايخ، في حين حضر المبعوث الأميركي المبعوث الخاص إلى سوريا، توم باراك، إلى جانب مستشاري الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

جولة أخيرة وخلاف مستمر

وتكمن أهمية الجولة الخامسة في كونها عقدت بعد فشل أربع جولات، جرت آخرها في تشرين الأول الماضي، نتيجة الخلاف الجوهري حول الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية التي احتلت بعد سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024.

ففي حين تطالب الحكومة السورية بانسحاب كامل إلى خطوط ما قبل هذا التاريخ، وتفضل اتفاقاً أمنياً يعيد العمل باتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، ترفض تل أبيب أي انسحاب دون ضمانات أمنية شاملة، وتربط الأمر باتفاق سلام كامل.

وتعتبر إسرائيل أن اتفاق فض الاشتباك بات “ملغى عملياً”، في ظل ما تصفه بمخاوف أمنية من استخدام الأراضي السورية كنقطة انطلاق لهجمات ضدها.

بيان مشترك ببصمة أمريكية

ومساء أمس الثلاثاء، أصدرت الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا بياناً مشتركاً عقب الاجتماع، أكد أن اللقاء انعقد تحت رعاية الولايات المتحدة، وأنه ركز على احترام سيادة سوريا واستقرارها، وضمان أمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار للطرفين.

وأعلن البيان التوصل إلى تفاهمات أبرزها إنشاء آلية اندماج مشتركة (خلية اتصال متخصصة)، تكون منصة دائمة:

  • للتنسيق في مجالات تبادل المعلومات الاستخبارية
  • خفض التصعيد العسكري
  • والتواصل الدبلوماسي
  • واستكشاف الفرص التجارية، وذلك بإشراف أميركي مباشر.

وأوضح البيان أن هذه الخلية ستستخدم لمعالجة الخلافات بشكل فوري ومنع سوء الفهم، معتبراً أن ما جرى يعكس “روح الاجتماع” وإرادة فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين.

واعتبر المبعوث الأميركي إلى سوريا أن نتائج محادثات باريس تمثل “اختراقاً”، مؤكداً أن الحكومة السورية الجديدة أوضحت “بشكل لا لبس فيه” أنها لا تضمر أي نيات عدائية تجاه إسرائيل.

وفي تصريحات لصحيفة “جيروزاليم بوست”، قال باراك إن الطرفين يسعيان للانتقال من “حالة الإنكار إلى تعاون حقيقي وازدهار مشترك”، وبناء علاقة قائمة على الشفافية والشراكة، تعالج إرث الماضي وتؤسس لمستقبل من التعاون.

وأضاف المبعوث الأميركي أن إعطاء الأولوية للفرص الاقتصادية والحوار المفتوح يشكل مدخلاً أساسياً لعلاقات مستدامة، معتبراً أن هذا المسار، تحت قيادة الرئيس ترمب، يقود إلى تعاون طويل الأمد.

من جانبه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي استئناف الحوار السياسي مع سوريا بدعم أميركي، في إطار رؤية الرئيس ترامب لتعزيز السلام في الشرق الأوسط.

تأكيد على أمن الدروز السوريين

وأكد البيان أن إسرائيل شددت خلال المحادثات على ضمان أمن مواطنيها ومنع أي تهديدات على حدودها، إلى جانب التزامها بالاستقرار والأمن الإقليميين، والحاجة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع سوريا، مع الاتفاق على مواصلة المحادثات وبناء الثقة، بما في ذلك التأكيد على أمن الأقلية الدرزية في سوريا.

خطوط حمراء إسرائيلية

ونقلت صحيفة “معاريف” العبرية عن مصادر سياسية إسرائيلية أن الأميركيين قدموا مقترحات لتسهيل التقدم نحو تفاهمات أمنية، رغم إدراكهم حجم الهوة بين الطرفين.

ووفق الصحيفة، وضعت إسرائيل “خطوطاً حمراء” تشمل: رفض أي نقاش حول الجولان المحتل عام 1967 أو قمم جبل الشيخ التي احتلت عام 2024، مقابل “خطوط خضراء” تتضمن استعداداً للانسحاب من بعض الأراضي التي سيطرت عليها مؤخراً، وتعديل اتفاقية فصل القوات لعام 1974، بشرط ضمانات أمنية صارمة تشمل نزع السلاح ومنع أي نشاط معاد.

تردد في الموقف السوري

وأشارت المصادر إلى أن السوريين رفضوا القبول بأي احتلال، محذرين من أن “كل ما هو مؤقت يتحول إلى دائم”، في حين يسعى الأميركيون إلى صيغة تفاهمات أمنية محدودة تخفف التوتر وتوقف انتهاك السيادة السورية، دون الوصول إلى اتفاق سلام شامل.

في مقابل ذلك، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول سوري، دون أن تكشف اسمه أو صفته، قوله إن دمشق لا يمكنها الانتقال إلى أي ملفات استراتيجية مع إسرائيل دون جدول زمني واضح وملزم لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط الأسد.

وأوضح المسؤول أن جولة باريس انتهت، بمبادرة أميركية، إلى تجميد فوري لكل الأنشطة العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا، في خطوة اعتبرت إجراء لخفض التصعيد وبناء الثقة.

وأكد المسؤول السوري أن المباحثات تندرج ضمن اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية فوق كل اعتبار، وتمنع إسرائيل من التدخل في الشأن السوري الداخلي.

غرفة عمليات في الأردن

وكشف موقع “أكسيوس” الأميركي أن الولايات المتحدة طرحت مقترحاً لتشكيل قوة مهام مشتركة تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، يكون مقرها في العاصمة الأردنية عمان، لإدارة الوضع الأمني في جنوب سوريا.

ووفق المقترح، تتولى القوة الإشراف على مباحثات نزع السلاح، وبحث انسحاب القوات الإسرائيلية، مع تجميد جميع الأنشطة العسكرية للطرفين في مواقعها الحالية، إلى حين استكمال الترتيبات التنفيذية.

وضمن المسار ذاته، اقترحت الولايات المتحدة إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة منزوعة السلاح على الحدود بين سوريا وإسرائيل، تشمل مشاريع في الطاقة المتجددة والزراعة والسياحة، بمشاركة المجتمع الدرزي، وبدعم تمويلي من شركاء إقليميين لم تكشف أسماؤهم.

وأكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن الطرفين اتفقا على تسريع وتيرة المفاوضات وعقد اجتماعات أكثر انتظاماً، مع اتخاذ خطوات لبناء الثقة، في إطار السعي إلى اتفاق أمني منسجم مع رؤية ترمب للمنطقة.

مكتب إسرائيلي في دمشق

وفي تطور لاحق، نقلت قناة “آي 24 نيوز” العبرية عن مصدر سوري قالت إنه مقرب من الرئيس السوري أن دمشق منفتحة على فتح مكتب اتصال إسرائيلي في العاصمة السورية، شريطة ألا يتمتع بصفة دبلوماسية.

وأشار المصدر إلى انفتاح سوريا على إنشاء غرفة عمليات أمنية مشتركة مع واشنطن لتحقيق الاستقرار في جنوب البلاد، ونزع سلاح الميليشيات الخارجة عن القانون، لافتاً إلى أن إسرائيل طلبت تأجيل البت في اتفاقها الأمني مع “قسد” إلى حين إبرام اتفاقها الخاص مع دمشق.

سلام اقتصادي أم احتلال ضمني؟

من جانب آخر، كشف مسؤول الشؤون السياسية في “القناة 12” العبرية، أميت سيغال، تفاصيل مقترح أميركي سوري لما وصفه بـ”سلام اقتصادي”، يتضمن إنشاء منطقة اقتصادية واسعة منزوعة السلاح، تشمل مشاريع طاقة رياح، وخط أنابيب نفط، ومراكز بيانات، ومصانع أدوية، وحتى منتجع تزلج.

ووفق الصحفي الإسرائيلي، قد تحقق الخطة لسوريا نمواً اقتصادياً يقدر بنحو 4 مليارات دولار، وزيادة في إنتاج الطاقة وفرص العمل، دون أن تكون مشروطة بانضمام دمشق إلى “اتفاقيات إبراهيم”، ما يجعلها مساراً منفصلاً عن السلام السياسي التقليدي.

Read Previous

مسلحون يهاجمون آبار نفطية بريف دير الزور وتهديدات “داعش” تطال الأهالي

Read Next

تصريحات حكومية: الجيش لا يزال يتعامل مع “قسد” بمبدأ الرد على مصادر النيران

Most Popular