ماجد القيسي
تتراكم مؤشرات تراجع الدور الروسي وانحساره في الشرق الأوسط، بعد أن حاولت موسكو إعلاءه منذ انخراطها إلى جانب الأسد في خريف 2015. آخر هذه المؤشرات، موقف موسكو الباهت إلى حد الميوعة تجاه الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي وقعّت معها مطلع هذا العام شراكة إستراتيجية لمدة عشرين عامًا، في امتداد وتوسع لاتفاق شراكة سابق بينهما منذ عام 2001.
قبلها، انهار نظام الأسد، وهو أحد أكبر حلفاء موسكو الإقليميين، أمام هجوم خاطف لهيئة تحرير الشام، فيما امتنعت القوات الروسية المرابطة على الأراضي السورية عن أي حركة لحمايته، باستثناء تسهيل هروب الرئيس السوري السابق، بشار الأسد، لأغراض تخدم السياسات الروسية الضيقة.
إلى جانب التجاوب مع الضغوط الإقليمية، التي ضاعفت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية أوزانها وتأثيرها في الكرملين، باتت موسكو مضطرة إلى اعتماد مقاربة أكثر براغماتية وأقل اندفاعًا في ملفات المنطقة، في محاولة لتقليل الخسائر الإستراتيجية، وحماية ما تبقى من نفوذها المتآكل. فالحرب الأوكرانية استنزفت قدراتها العسكرية والاقتصادية، وأضعفت قدرتها على المناورة السياسية؛ ما دفعها إلى تقديم تنازلات ضمنية، أو غضّ الطرف عن ضربات تستهدف حلفاءها، تجنّبًا لأي تصعيد قد يزيد عزلتها الدولية، أو يستنزف مواردها المتراجعة؛ ذلك أن التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تواجه موسكو منذ عمليتها العسكرية في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، أسقطت معظم أوراق النفوذ التي كانت تحاول مراكمتها في الشرق الأوسط منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015. فخلال أكثر من عامين من الحرب، تكشّف تآكل أي نفوذ فعلي ليد روسيا في المنطقة، لا سيما مع ما بدا من ضعفها عن حماية حلفائها، أو فرض توازن ردع فعال، بل أصبحت موسكو هي الطرف الساعي لاسترضاء العواصم الإقليمية، وليس العكس، فهي تحتاج إلى الرياض وباقي العواصم الخليجية لضمان عدم خفض أسعار النفط عبر رفع الإنتاج في إطار “أوبك بلاس”، وتطمح إلى تحييد دول الشرق الأوسط عن الانخراط في نظام العقوبات الغربية المفروضة عليها. كما تخشى تزويد إسرائيل لأوكرانيا بمنظومات دفاع جوي قد تقوّض هجماتها على كييف، وتُعوّل على طهران في دعم مجهودها الحربي بخبرة التهرب من العقوبات. ومع كل هذه الحسابات، ظهر عجز موسكو واضحًا خلال الضربات الإسرائيلية- الأمريكية الأخيرة على إيران، لتكشف لحظة الاختبار أن نفوذها في الإقليم لم يكن سوى واجهة هشة، سرعان ما انهارت أمام الواقع.
التحالف الشرقي الأجوف
اقتصر ردّ موسكو على الضربات العسكرية الأخيرة التي استهدفت إيران على الإدانة والتعبير عن “قلق عميق” من احتمال تصعيد الصراع في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من عرضها تقديم “مساعدة دبلوماسية” لتهدئة التوتر، فإنها بدت مرة أخرى عاجزة -أو غير راغبة- في تقديم دعم فعلي لحليفتها طهران، أو تعزيز دفاعاتها. والمفارقة اللافتة أن الضربات الإسرائيلية الأولى دمّرت أربع بطاريات دفاع جوي إيرانية من طراز (S-300) الروسية الصنع، دون أن تتمكن هذه المنظومات من كشف الهجوم أو اعتراضه، ما يطرح تساؤلات حول الموثوقية العسكرية الروسية، ما يبدو من قصور تقنياتها الدفاعية. وسلبية موسكو في التعامل مع حليفها الإيراني ليست عرضية أو مؤقتة؛ بل تعكس انحسارًا أوسع لقدرتها على الاضطلاع بدور فاعل في الأزمات العالمية.
إضافة إلى ذلك، امتنعت روسيا سابقًا عن بيع أو تسليم معدات عسكرية طلبتها أو اشترتها إيران، كمنظومة (S-300)، أو طائرات (SU-35)، التي وقعّ الجانبان عقدها منذ أكثر من عامين، فيما يبدو أن السبب الرئيس وراء ذلك يعود إلى خشية موسكو من تغيير حالة التوازن العسكري المدروس في أوكرانيا، بحال تقديمها دعم عسكري لإيران، تقابله واشنطن والعواصم الغربية بتقديم أسلحة إستراتيجية متطورة لكييف على نحو يغير قواعد الحرب الروسية- الأوكرانية، ويرفع التكلفة عاليًا على روسيا، التي انهكتها الحرب اقتصاديًّا وعسكريًّا.
وكان الجانبان، الروسي والإيراني، قد وقعا في يناير (كانون الثاني) 2024 اتفاقية تعاون إستراتيجية تمتد لعشرين عامًا، شملت التعاون العسكري والاقتصادي والتكنولوجي. لكن في لحظة الاختبار، خلال المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، اكتفت موسكو ببيانات إعلامية فقط، دون دعم لوجستي، أو حتى إشارة رمزية إلى نية الدفاع عن حليفها، وهو غياب لا يقتصر على ردع إسرائيل فقط؛ بل يعكس تراجُع الموثوقية الإستراتيجية لروسيا كحليف يعتمد عليه في لحظات التهديد الحقيقي؛ وعليه، لم يكن غياب موسكو صدمة لطهران فحسب؛ بل لحلفاء الأخيرة غير المباشرين في لبنان والعراق واليمن أيضًا، والذين بدأوا يعيدون تقييم “مظلة الردع الروسية” بوصفها مظلة مثقوبة؛ إذ إنه في الوقت الذي كانت تبحث فيه إيران عن تثبيت معادلة ردع جديدة، بدت حليفتها روسيا في موقع المتفرج الحذر، وليست شريكًا يوازن خصوم طهران الإقليميين أو الدوليين، بالمقارنة مع انخراط الولايات المتحدة الأمريكية مباشرةً إلى جانب حليفتها إسرائيل بقصفها الأُصول النووية الإيرانية، وباستخدام قاذفاتها الإستراتيجية الشبحية والذخائر الخارقة للتحصينات لأول مرة. وإلى جانب غياب موسكو عن ملفات إقليمية حساسة، كاليمن وليبيا وغيرهما، تعزّز الشعور العربي بأن موسكو حاضرة دبلوماسيًّا فقط، أكثر مما هي مؤثرة ميدانيًّا.
أوكرانيا.. هاجس موسكو الأول والأخير
لا يمكن فهم الغياب الروسي عن مشهد الشرق الأوسط دون الإشارة إلى النزيف المستمر في أوكرانيا، الذي شكّل عبئًا إستراتيجيًّا وعسكريًّا ثقيلًا على موسكو، فآلاف الجنود سقطوا أو أُصيبوا في ساحة مفتوحة لا تزال تستنزف معظم التركيز والموارد الروسية. كما عطّلت العقوبات الغربية قطاعات حيوية في الصناعات الدفاعية الروسية، بما فيها إنتاج الشرائح الدقيقة، والمعالجات الإلكترونية، ومكوّنات الاتصال والتوجيه المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي. وتشير تقارير من مصادر مفتوحة إلى أن روسيا لم تتمكن من تسليم الهند منظومة (S-400) التي سبق لنيودلهي أن اشترتها منذ سنوات؛ نتيجة اعتماد هذه المنظومة على مكونات حساسة مستوردة من الغرب، تشمل معالجات أمريكية وأوروبية، وبرمجيات، ودوائر كهربائية دقيقة أصبحت خاضعة للعقوبات؛ ما جعل استكمال الإنتاج أو التوريد في الوقت المحدد أمرًا بالغ الصعوبة.
هذا إلى جانب تراجع أو تباطؤ مشروعات التحديث والتطوير في المعدات الروسية، مما أدى إلى تراجع قدرة موسكو على الوفاء بالتزامات التصدير، وهو تراجع لا يبدو أنه متعلق فقط بتسليم الأسلحة؛ بل بقدرة روسيا على الوفاء بتعهداتها بوصفها شريكًا إستراتيجيًّا حقيقيًّا، قادرًا على حماية الحلفاء ودعمهم في لحظات الانكشاف الأمني، أو بفاعلية السلاح الروسي الذي لطالما سُوِّقَ بقصف المدنيين والأصول المدنية في سوريا.
في المقابل، أظهرت الصناعات الدفاعية الإسرائيلية مستوى متقدمًا في الدقة والتخطيط، مما عزز فكرة أن روسيا ليست شريكًا موثوقًا به في “تحديث” القوة الإيرانية؛ وإنما شريك في تأجيل أزماتها، وذلك بالنظر إلى امتناعها أو تأخرها في تسليم طائرات (SU-35)، لإيران، رغم توقيعهما عقودها، حيث إن الأزمات العسكرية لا تختبر قوة العدو فقط؛ بل تكشف أيضًا عن طبيعة الأصدقاء والحلفاء، وهو ما كشفته المواجهة الإيرانية- الإسرائيلية، بما أظهرته من عدم إمكانية التعويل على موسكو كحليف في لحظات التهديد الفعلي، وهو درس يتجاوز إيران، ويمتد إلى الخليج العربي، الذي يجب عليه إعادة تقييم تحالفاته الدفاعية وفق الأداء الفعلي، وليس عبر الوعود أو الصور البروتوكولية، ففي عالم تحكمه سرعة القرار وفاعلية الرد، فإن الحليف الذي يغيب حين يُنتظر، لا يُدعى مرة أخرى إلى مائدة التحالفات المستقبلية.
ومما سبق، يبدو أن غياب روسيا في لحظة الاختبار الحقيقي لحليفها الإيراني يرسل إشارات واضحة لدول المنطقة، والخليجية منها خصوصًا، أولاها عدم إمكانية الاعتماد على موسكو كضامن أمني فعلي في الأزمات، وثانيتها تلاشي رهانات موازنة دول المنطقة لعلاقاتها بين واشنطن وموسكو، وثالثتها ضرورة توجيه إستراتيجية تنويع الشراكات الدفاعية إلى القوى الأوروبية، التي أثبت سلاحها فاعليته وكفاءته في الحرب الروسية- الأوكرانية، وإلى القوى الآسيوية المندرجة بالمحور الغربي، مثل كوريا الجنوبية، التي تقدم تقنيات متطورة ومواقف أكثر براغماتية، بدلًا من التوجه إلى روسيا والصين.
ختامًا، يبدو أن موقف موسكو الباهت تجاه الضربات التي استهدفت إيران قد يُسهم -عن قصد أو دون قصد- في تسريع انتقال دول الشرق الأوسط نحو منظومة أمنية أكثر استقلالًا وتوازنًا. فاللافت أن روسيا لم تحرك ساكنًا رغم علاقتها الوثيقة مع طهران، ما دفع كثيرًا من العواصم إلى إعادة النظر في جدوى الاعتماد على مظلتها الدفاعية.
هذا الانكشاف الروسي ليس جديدًا، بل تكرّس منذ سقوط أحد أبرز حلفائها في المنطقة، نظام الأسد، أمام هجوم مفاجئ من هيئة تحرير الشام، دون أن تتمكن القوات الروسية من حمايته. كما بات واضحًا أن روسيا اليوم بحاجة إلى دول المنطقة أكثر من حاجتهم إليها، سواء لضبط أسواق النفط، أو لتخفيف آثار العقوبات.
في المقابل، لم تتمكن موسكو حتى الآن في حسم حربها في أوكرانيا، ما أثر على تقييم قدرتها عسكريًّا. كما أدت العقوبات الغربية إلى تعطيل قطاعات حيوية في صناعاتها الدفاعية، وأبطأت مشروعات التحديث والتطوير لديها. وكنتيجة لذلك، لم تعد روسيا قادرة على الوفاء بالتزاماتها التصديرية، أو منافسة الأنظمة العسكرية الغربية، لا تقنيًّا ولا إستراتيجيًّا.