هل يتغلب فكر القبيلة على فكر بناء الدولة؟

عبدالفتاح النعيمي 

تشهد بعض المجتمعات الخارجة من النزاعات أو الواقعة في مناطق الحكم الهش ظاهرة تحول خطيرة، يمكن توصيفها بتغليب العقلية العصبية القبلية والعشائرية على فكر الدولة ومؤسساتها. هذه الظاهرة لا تقتصر على البعد الاجتماعي فقط، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على بنية الحكم، وآليات اتخاذ القرار، ومفهوم العدالة، وسيادة القانون.

العقلية العصبية: عودة إلى ما قبل الدولة
العقلية العصبية هي نمط تفكير يقوم على الولاء للعائلة أو العشيرة أو الجماعة الضيقة، باعتبارها المرجعية العليا في الحماية والمساءلة واتخاذ المواقف. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الدولة بوصفها كياناً جامعاً يضمن الحقوق ويطبق القانون على الجميع، بل تُختزل إلى أداة يمكن تجاوزها أو تطويعها لخدمة المصالح القبلية والعشائرية.
هذه العقلية تصبح أكثر حضوراً في البيئات التي ضعفت فيها مؤسسات الدولة، أو لم تكتمل عملية بنائها، مما يفتح المجال أمام عودة الهويات الأولية كبديل عن الهوية الوطنية..

تآكل فكرة الدولة وبنائها
فكرة الدولة الحديثة تقوم على أسس واضحة: المواطنة المتساوية، الفصل بين السلطات، استقلال القضاء، والمساءلة القانونية. إلا أن سيطرة الفكر القبلي والعشائري يؤدي إلى إفراغ هذه المبادئ من مضمونها. فبدل أن يكون القانون هو الفيصل، تصبح الوساطات العشائرية والاعتبارات القرابية هي الحَكَم.
هذا التآكل لا يحدث دفعة واحدة، بل يتم تدريجياً، عبر ممارسات يومية تُشرعن الاستثناءات، وتُبرر تجاوز القانون بذريعة “الخصوصية الاجتماعية” أو “حقن الدماء”، حتى تتحول الدولة إلى كيان شكلي بلا سلطة فعلية.

المسؤولون بين المنصب والقرابة
من أخطر تجليات هذا التحول، لجوء بعض المسؤولين إلى حماية أقاربهم أو مسامحتهم على أفعال ارتُكبت، حتى وإن كانت ذات طابع جنائي أو انتهاكي، خاصة في سياقات مرتبطة بتنظيمات مسلحة مثل تنظيم “قسد”.
في هذه الحالة، لا يُنظر إلى المسؤول كموظف عام خاضع للمساءلة، بل كـ”شيخ عشيرة” يستخدم موقعه لحماية دائرته الاجتماعية، مما يضرب مبدأ الحياد الوظيفي في الصميم.
هذا السلوك لا يرسّخ فقط ثقافة الإفلات من العقاب، بل يبعث برسالة خطيرة للمجتمع مفادها أن الانتماء أهم من القانون، وأن العدالة انتقائية وليست حقاً عاماً.

أثر الظاهرة على المجتمع والثقة العامة
عندما ينتصر فكر القبيلة على فكر الدولة، تتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات، ويزداد الإحساس بالظلم والتهميش، خاصة لدى من لا يملكون غطاءً عشائرياً أو علاقات نافذة. ومع الوقت، يتحول القانون إلى أداة ضعيفة، ويصبح اللجوء إلى القوة أو العصبية القبلية هو السبيل الوحيد لحماية الحقوق، ما يعيد إنتاج دائرة العنف وعدم الاستقرار.

نحو استعادة فكر الدولة
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمحاربة المجتمع أو إنكار البُعد العشائري، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تُحترم الخصوصيات الاجتماعية دون أن تكون على حساب القانون.
كما أن بناء مؤسسات قوية، وتكريس مبدأ المحاسبة دون استثناء، وفصل المنصب العام عن الروابط الشخصية، هي شروط أساسية لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة.

إن الصراع بين فكر القبيلة وفكر الدولة ليس صراعًا ثقافياً فحسب، بل هو صراع على مستقبل الحكم والعدالة. وعندما تنتصر العصبية على القانون، تخسر الدولة مشروعها، ويخسر المجتمع فرصته في الاستقرار والتنمية. فالدولة لا تُبنى بالولاءات الضيقة، بل بعقد اجتماعي عادل يجعل القانون فوق الجميع.

Read Previous

رويترز : وفاة رفعت الأسد

Read Next

المبعوث الأميركي توم باراك: التقينا مظلوم عبدي وإلهام أحمد وأكدنا دعمنا لاتفاقية 18 من كانون الثاني بين قسد والحكومة

Most Popular