سيريا مونيتور ـ صحافة
ترجمة: ربى خدام الجامع
على مدار سنين طويلة، حذر محللون متخصصين بمحاربة الإرهاب من مخاطر مخيم الهول في شمال شرقي سوريا، بما أن هذا المخيم، إلى جانب غيره من مراكز الاحتجاز الموجودة في سوريا، كان يؤوي مقاتلي تنظيم الدولة وعائلاتهم. وبعد أن أطاحت الولايات المتحدة وحلفاؤها بفلول الدويلة التي أسسها “داعش” في آذار من عام 2019، احتجز في مخيم الهول نحو سبعون ألف أسير وأسيرة. وخلال السنين القليلة الماضية، أصبح عددهم 23 ألفاً تقريباً.
والآن، وبحسب معلومات استخباراتية أميركية، فإن ما بين 15-20 ألفاً، معظمهم من عائلات مقاتلي تنظيم الدولة، أصبحوا طلقاء بعد هروبهم من ذلك المخيم خلال هذا الشهر، حيث جرى تهريب بعضهم منه، في حين هرب البقية عبر فتحات كبيرة أحدثت في السياج الذي نصب لحراسة المخيم. ولهذا يمثل هذا الهروب من السجن تحدياً صعباً بالنسبة للحكومة السورية الجديدة التي ماتزال تسعى لترسيخ سيطرتها على البلد، كما يهدد ذلك بعودة نشاط تنظيم الدولة.
الهول: حاضنة للتطرف
كانت الظروف في المخيم في حال يرثى له، إذ لم تكن تتوفر فيه شبكة صرف صحي أساسية، ولا تدخله سوى كميات محدودة من المستلزمات الطبية، ولا توجد فيه سوى خدمات تعليمية ضئيلة مخصصة للأطفال، ولهذا اعتبر حاضنة تفرخ مزيداً من التطرف، ناهيك عن أن معظم الأسرى والأسيرات، وخاصة زوجات مقاتلي التنظيم، ينتمون لفئة المتطرفين المتشددين الذين يرون أن مهمتهم في الحياة تنشئة جيل جديد من الجهاديين، أو من يسمونهم بـ”أشبال دولة الخلافة”. ولقد لعبت النساء دوراً مهماً في الفصائل المقاتلة، حيث كن يحاربن على الجبهات، وينفذن هجمات انتحارية، ويقمن بمهام استخباراتية حساسة.
يمثل الأطفال مشكلة أعقد بكثير، إذ على الرغم من أنهم لا ذنب لهم، فإنهم ولدوا في مخيم الهول، أو حط بهم الرحال فيه بعد تورط أهاليهم مع تنظيم الدولة ولذلك، نشأ هؤلاء الأطفال في ظروف قاسية، ومعظمهم لُقن عقيدة تنظيم الدولة التي تركز على الآخرة منذ الصغر.
الهروب وتبعاته
كانت المخاوف المحيطة بمخيم الهول تركز بالعادة على سعي التنظيم لتحرير الموجودين في المخيم، فقد نفذ التنظيم محاولات كثيرة لتحريرهم على مدار سنين، كان من بينهما عملية الهروب الناجحة من سجن الحسكة، والتي تمت في كانون الثاني من عام 2022، وأسفرت عن تحرير مئات المقاتلين إلى جانب مقتل قرابة 500 شخصاً. لذا فإن إخراج مقاتلي التنظيم من السجن كان أحد العناصر الرئيسة لاستراتيجية تنظيم الدولة، منذ أيام سلفه تنظيم الدولة في العراق، وتشهد على ذلك حملة (تحطيم الجدران) التي تبناها والتي تألفت من هجمات لتحرير عناصره من السجون المنتشرة في العراق خلال الفترة ما بين 2012-2013، وأسفرت عن تحرير مقاتلين تابعوا طريقهم فكانوا عصب القوات التي اجتاحت العالم بعد سنوات على ذلك.
لم يحدث الهروب الكبير خلال هذا الشهر نتيجة لعملية هروب خطط لها التنظيم، بل بسبب “سوء إدارة الحكومة السورية وعدم وجود حراسة دؤوبة ضمن المحيط الأمني الواسع للمخيم”، وذلك بحسب ما ورد في تقييم استخباراتي أميركي.
استقطب تنظيم الدولة في أوجه آلاف المقاتلين الذين أتوه من أكثر من مئة دولة في مختلف بقاع العالم، وعندما مني بهزيمة عسكرية في سوريا، أصبح هؤلاء يعانون الأمرّين في تلك المخيمات، كما رفضت حكومات بلادهم استقبالهم، وعللت ذلك بمخاوف أمنية والقلق من عدم توفر ما يكفي من الأدلة لمحاكمة وإدانة من ارتكب جرائم منهم، وخاصة في الأنظمة القضائية الغربية. وهكذا لم يبق أمام المقاتلين السابقين وعائلاتهم سوى خيار أوحد، وهو تنظيم الدولة.
فر الهاربون من مخيم الهول في أثناء عملية نقل السيطرة على المخيم من قوات سوريا الديمقراطية إلى قوات الحكومة السورية التي يترأسها أحمد الشرع، فقد كانت قسد تحرس المخيم منذ تأسيسه، إلا أن العملية العسكرية التي نفذتها الحكومة السورية ضد قسد في مطلع شهر كانون الثاني خلقت حالة فوضى وشغب أسفرت عن حدوث حالة هروب من السجن. ولحسن الحظ، نقل الأشد خطراً من بين هؤلاء الأسرى إلى سجون في العراق على يد الجيش الأميركي خلال الشهر الماضي، وجميعهم ذكور في سن العسكرية تأكد انتماؤهم لتنظيم الدولة. في حين يمكن للأطفال الذين فروا مع النساء من مخيم الهول خلال هذا الشهر أن يصبحوا الجيل القادم من مقاتلي تنظيم الدولة.
والآن، فإن الحكومة السورية نفسها التي عجزت عن تأمين المخيمات يتعين عليها أن تتعامل مع تبعات الهروب من السجن، إذ بعد مرور سنة وشهرين على توليها زمام الأمور من خلال عملية عسكرية نفذها الثوار فأطاحوا بالدكتاتور بشار الأسد الذي حكم البلد لمدة طويلة، ماتزال حكومة دمشق تفتقر لاحتكار استخدام القوة في مختلف بقاع البلد، فهنالك جيوب ضمن مناطق معينة تخضع لسيطرة فصائل مسلحة تمارس العنف، ومن بينها تنظيم الدولة. وهنالك تحد آخر يواجهها، وهو عزم الجيش الأميركي على الانسحاب كلياً من سوريا، وسحب من بقي من الجنود البالغ عددهم ألفاً من ذلك البلد، وذلك خلال الشهرين القادمين.
وعليه، فإن إغلاق مخيم الهول قد يتحول إلى نعمة بالنسبة لتنظيم الدولة وذلك من حيث تعداد مقاتليه، ومعنوياته، ودعايته. فقد كان تنظيم الدولة في حالة صعود في سوريا خلال السنوات الماضية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على براعته في الصمود وحشده لإمكانياته من جديد لتنفيذ هجمات إرهابية على نطاق واسع، فبما أن شعار التنظيم: (باقية وتتمدد)، يمكن القول إن الجهاديين بقوا، وحافظ التنظيم على قواته المقاتلة التي تعد بالآلاف. والآن، أصبحت الفرصة أمامه سانحة ليتوسع، إلى جانب قدرته على ضم عناصر من الجيل القادم من المقاتلين، فضلاً عن قدرته على رفع معنويات التنظيم خلال هذه الفترة الحساسة من العملية الانتقالية المتزعزعة في سوريا.