دمشق، 26 مارس (رويترز) – لدى رئيس سوريا أحمد الشرع الكثير ليثبته من أجل كسب دعم القوى الغربية. وإذا كانت الأسابيع الأولى من حكمه مؤشرا، فقد يكون يسير في الاتجاه الخاطئ.
الغرب يراقب قادة سوريا عن كثب للتأكد من أنهم سيكبحون الجهاديين الإسلاميين الذين قتلوا مئات العلويين، ويشكلون حكومة شاملة ذات مؤسسات فعّالة، ويحافظون على النظام في بلد مزقته الحرب الأهلية لسنوات، ويمنعون عودة تنظيم الدولة الإسلامية أو تنظيم القاعدة.
لتأكيد الرسالة، أوضح ثلاثة مبعوثين أوروبيين خلال اجتماع عقد في 11 مارس مع وزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق أن أولويتهم القصوى هي كبح المقاتلين الجهاديين، وأن الدعم الدولي للإدارة الناشئة قد يتبخر ما لم تُتخذ إجراءات حاسمة.
ولم يُكشف عن الاجتماع سابقا.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، كريستوف ليموان، عند سؤاله عن الرسالة التي نُقلت في دمشق: ” الانتهاكات التي وقعت في الأيام الأخيرة لا تُحتمل فعلا، ويجب تحديد المسؤولين عنها وإدانتهم”. مضيفا: “لا يوجد شيك على بياض للسلطات الجديدة”.
تحدثت رويترز إلى المبعوثين الأوروبيين الثلاثة، بالإضافة إلى أربعة مسؤولين إقليميين خلال زيارة إلى دمشق. وأكدوا جميعا أن السلطات يجب أن تفرض السيطرة الأمنية في جميع أنحاء البلاد وتمنع تكرار عمليات القتل.
وقال أحد المبعوثين الأوروبيين، ممن نقلوا الرسالة: “طلبنا المساءلة. يجب أن يعاقب من ارتكب المجازر. يجب تطهير قوى الأمن”.
كما دعت واشنطن أيضا قادة سوريا إلى محاسبة مرتكبي الهجمات. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، إنهم يراقبون تحركات السلطة المؤقتة لتحديد سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا.
لكن المشكلة التي تواجه الشرع، وفقا لتقييمين لحكومات غربية، هي أن جماعته “هيئة تحرير الشام” لا تضم سوى حوالي 20 ألف مقاتل، ما يجعله يعتمد على عشرات الآلاف من المقاتلين من جماعات أخرى – بما في ذلك الفصائل الجهادية المتشددة نفسها التي يُطلب منه محاربتها – وإن تحرك ضدها، قد يُغرق سوريا في حرب جديدة، بحسب ما قاله خمسة دبلوماسيين وثلاثة محللين.
وكان آلاف المقاتلين الأجانب من المسلمين السنة من دول مثل الصين وألبانيا وروسيا وباكستان، قد انضموا إلى صفوف المعارضة السورية في بدايات الحرب الأهلية لمحاربة حكم بشار الأسد والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، ما أضفى طابعًا طائفيًا على النزاع.
أحد أسباب اعتماد الشرع الآن على قوة صغيرة نسبيا من حوالي 20 ألف مقاتل من مجموعات مختلفة، بما فيها الجهاديين الأجانب، هو أنه قام بحلّ الجيش الوطني بعد توليه الحكم.
ورغم أن الخطوة كانت تهدف إلى طيّ صفحة خمسة عقود من حكم عائلة الأسد الاستبدادي، فإن دبلوماسيين ومحللين قالوا إنها تكرّر قرار واشنطن بحلّ الجيش العراقي بعد سقوط صدام حسين وهو ما قد يؤدي إلى فوضى مماثلة.
وقد زادت هذه الخطوة، إلى جانب عمليات الفصل الجماعية في القطاع العام، من تعميق الانقسامات في سوريا وحرمت مئات الآلاف من الدخل، مما قد يدفع الجنود المدربين للانضمام إلى جماعات متمردة أو البقاء في بطالة، مما يزيد من زعزعة الاستقرار، بحسب خمسة مسؤولين أوروبيين وعرب.
ولم يرد مكتب الشرع ولا وزارة الخارجية السورية على طلبات رويترز للتعليق.
عالق في مفارقة
إلى جانب التحدي المتمثل في تهدئة العنف الطائفي، يجب على الشرع أيضا التعامل مع مجموعة من القوى الأجنبية – من الولايات المتحدة إلى روسيا وإسرائيل وتركيا وإيران – التي حولت سوريا إلى ساحة صراع جيوسياسي.
فتركيا تسيطر على الشمال وتدعم قوات المعارضة بينما تقمع طموحات الأكراد، وتسيطر قوات كردية مدعومة من واشنطن على الشرق وحقوله النفطية الحيوية، فيما استغلت إسرائيل سقوط الأسد لتعزيز موطئ قدمها العسكري، وتسيطر الآن على منطقة عازلة منزوعة السلاح بمساحة 400 كلم مربع، وتدعم الأقلية الدرزية وتعارض القيادة السورية.
ردا على مجازر المدنيين، أنشأ الشرع لجنة تحقيق وتعهد بمعاقبة المسؤولين، حتى لو كانوا من المقربين منه.
لكن أي تحرك ضد الجهاديين المنفذين للمجازر قد يُشعل صراعات داخلية وتصفية حسابات وصراع على السلطة – مما يضع الحكومة الجديدة في مفارقة، بحسب الدبلوماسيين والمحللين.
وقال مروان المعشر، نائب رئيس مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: “من الواضح أن الشرع لا يسيطر على الجهاديين الأجانب ولا يملك القرار النهائي”. “ما هو واضح أن المجازر ارتكبها أشخاص سلفيون جهاديون لا يستمعون إلى ما يقوله”.
ورغم أن الدبلوماسيين يرون في التحقيق خطوة بالاتجاه الصحيح، إلا أنهم قالوا إن مصداقيته كانت لتكون أقوى لو شارك فيه مراقبون من الأمم المتحدة أو جهات دولية.
وأشاروا إلى أن الاختبار الحقيقي لقيادة الشرع لا يكمن فقط في نتائج اللجنة، بل في كيفية تعامله مع المقاتلين المسؤولين عن الفظائع.
كانت المجازر تذكيرا صارخا بالقوى التي تتحكم في سوريا بعد الأسد، وتنذر بحقيقة قاسية: الإطاحة بدكتاتور ليست سوى بداية لمعركة أخطر وأطول من أجل رسم مستقبل البلاد.
وقال عبد العزيز صقر، مؤسس مركز الخليج للأبحاث في السعودية، إن وجود “مجموعات خارجة عن السيطرة” – الجهاديين الأجانب – سيؤدي إلى انهيار أمني وتقويض سلطة الدولة.
وأضاف: “لذلك، لا خيار أمام القيادة الجديدة إلا اتخاذ إجراءات حازمة ضد مثل هذه الانتهاكات”.
وقال دبلوماسي عربي إن الدعم السياسي من الدول العربية ليس مفتوحا على بياض، ويجب أن يُترجم إلى خطوات ملموسة، بما في ذلك الحكم الشامل وحماية الأقليات والتقدم الحقيقي على الأرض.
وهذا يعني تقاسم حقيقي للسلطة مع العلويين والمسيحيين والأكراد وأقليات أخرى وعندها فقط يمكن للقيادة الجديدة أن تحقق الاستقرار وتحصل على دعم أميركي وأوروبي، بحسب قوله.
وقد ربطت واشنطن والدول الأوروبية رفع العقوبات، التي فرضت في عهد الأسد، بالتزام السلطات الجديدة بالحكم الشامل وحماية الأقليات.
ويُعتبر رفع هذه العقوبات ضروريا لإحياء الاقتصاد السوري المنهار، وهو التحدي الأكبر أمام الشرع.
الخطة القديمة نفسها؟
لكن رغم وعود الإصلاح، فإن الدستور المؤقت الذي كشف عنه الشرع هذا الشهر يمنحه سلطات مطلقة كرئيس ورئيس وزراء وقائد للقوات المسلحة ورئيس للأمن القومي، ويخول له تعيين القضاة والوزراء وثلث أعضاء البرلمان مما بدد الآمال بإصلاحات ديمقراطية.
كما نص الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي “المصدر الرئيسي” للتشريع.
ويرى منتقدون أن هذا الدستور يستبدل الحكم الاستبدادي بثيوقراطية إسلامية، مما يعمق المخاوف من جذور الشرع كزعيم لفصيل إسلامي متشدد كان يوما ما حليفا للقاعدة.
وانتقد الأكراد، الذين يسيطرون على شمال شرق سوريا والذين وافقوا مؤخرا على الاندماج مع الحكومة الجديدة، الدستور المؤقت لكونه “إعادة إنتاج للاستبداد بشكل جديد”.
ويقول محللون إن معضلة سوريا تشبه التحديات التي واجهتها دول عربية في عام 2011، حين أطاحت انتفاضات “الربيع العربي” بحكام مصر وتونس وليبيا واليمن.
ورغم الوعود بالديمقراطية، فإن سيطرة الإسلاميين، والانقلابات العسكرية، والانقسام العنيف بددت تلك الآمال. وكانت الانتصارات قصيرة الأمد، وانزلقت دول مثل اليمن وليبيا في أتون الفوضى.
أما سوريا، التي عانت من حرب أطول وأكثر دموية، فهي الآن عند مفترق طرق مماثل.
ويقول المحللون إن أي نهج إقصائي لا يراعي التنوع الثقافي والديني والعرقي في سوريا محكوم عليه بالفشل تماما كما حدث مع الرئيس الإسلامي الراحل محمد مرسي في مصر بعد الإطاحة بحسني مبارك.
ويشيرون إلى أن دستور مرسي لم يلبِّ تطلعات مختلف فئات الشعب، مما أدى إلى الإطاحة به من قبل الجيش.
وسيناريو مشابه في سوريا، سيؤدي إلى مقاومة داخلية، وإغضاب دول الجوار، وتدخل خارجي.
وقال عبد العزيز صقر: “بعض القوى الداخلية والخارجية أرادت دولة علمانية، لكن الإعلان الدستوري أكد على الهوية الإسلامية الدينية للدولة، معلنًا أن الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع”. “كان يمكن الوصول إلى حل وسط عبر نموذج شبيه بتركيا — دولة علمانية يحكمها حزب إسلامي”.
وقال مروان المعشر إن سقوط الأسد يجب أن يكون تحذيرا لمن حلّوا مكانه في سوريا.
وأضاف أن على الشرع أن يقرر: هل سيتبع نفس الخطة التي جعلت الأسد ضعيفا وأدت إلى انتفاضة سنية واسعة أطاحت به؟ أم سيتبع مسارا مختلفا؟
“يجب على حكّام سوريا الجدد أن يدركوا أن النموذج الاستبدادي الوحشي للنظام الذي استبدلوه لم يكن قابلًا للاستمرار في النهاية، وكذلك الحال لأي نظام سياسي قائم على الإقصاء والحكم الحديدي”، قال المعشر. “إذا عادوا إلى القمع، فإنهم سيعرضون سوريا لمصير قاتم”.