تعيين سيبان حمو: عندما تتصادم ضرورات السياسة مع ذاكرة الضحايا

#سيىريا_مونيتور

عبدالفتاح النعيمي

أثار قرار تعيين سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع السوري موجة واسعة من الغضب والاعتراض خصوصاً في المناطق التي عايشت سنوات الحرب بكل قسوتها. فبالنسبة لكثير من السوريين، لا ينظر إلى هذا التعيين باعتباره خطوة إدارية عادية داخل مؤسسات الدولة، بل باعتباره قراراً يحمل دلالات ثقيلة تمس ذاكرة آلاف الضحايا والناجين الذين ارتبط اسم هذا الرجل في أذهانهم بمرحلة دامية من الصراع وما رافقها من انتهاكات ومجازر بحق أبناء الشعب السوري من العرب والكرد.

هذا الغضب مفهوم في سياق مجتمع ما زال يعيش آثار الحرب ولم تغلق فيه بعد ملفات العدالة والمساءلة. فالناس الذين فقدوا أبناءهم أو عايشوا الاعتقال والانتهاكات لا يستطيعون ببساطة التعامل مع مثل هذه القرارات ببرود سياسي، لأن الأمر بالنسبة لهم لا يتعلق بموقع وظيفي، بل بتاريخ من الألم لم يعالج بعد.

في المقابل تحاول الحكومة السورية تقديم القرار ضمن إطار سياسي أوسع. فالاتفاق المبرم قسد، والذي جاء بإشراف وضمانات دولية، فرض ترتيبات سياسية وعسكرية معقدة تهدف أساساً إلى تجنب مواجهة جديدة قد تقود إلى سفك مزيد من الدماء وتدمير ما تبقى من البنية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. ومن هذا المنظور، ترى الحكومة أن الحفاظ على السلم الأهلي وتجنب التصعيد العسكري قد يتطلب أحياناً قرارات صعبة أو غير شعبية.

غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة بين منطق التسويات السياسية وحاجة المجتمع إلى العدالة. فالتسويات قد تكون ضرورية لإيقاف الحروب، لكنها تصبح خطرة عندما تتجاهل ذاكرة الضحايا أو تبدو وكأنها تتجاوز معاناتهم. وعندما يشعر الناس أن من ارتبط اسمه بمرحلة من العنف يحصل على موقع رسمي رفيع دون أي مساءلة أو حتى اعتراف بما جرى، فإن ذلك يضعف الثقة بالدولة ويعمّق الشعور بالظلم.

إن الدول الخارجة من الحروب لا تبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل عبر معالجة الماضي بشجاعة وشفافية. فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الصمت عن الانتهاكات، بل على الاعتراف بها والعمل على تحقيق العدالة للضحايا. دون ذلك، تبقى الجراح مفتوحة ويظل السلام هشاً مهما بدت الترتيبات السياسية متماسكة.

لذلك فإن الجدل الدائر حول تعيين سيبان حمو ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو تعبير عن معضلة أعمق تواجه سوريا اليوم كيف يمكن الموازنة بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات العدالة؟

وهو سؤال سيبقى حاضراً ما لم يشعر السوريون بأن مستقبل بلادهم يُبنى على أساس الإنصاف، لا على تجاوز الذاكرة.

#العدالة_الانتقالية

Read Previous

فتح ممر جوي بين البحر المتوسط وحلب

Most Popular