SYRIA MONITOR

سيريا مونيتور

ترجمة سيريا مونيتور

قبل ثلاث سنوات تعرضت تركيا لانتقادات واسعة عندما أرسلت قوات إلى سوريا. لكن اليوم فإن السوريين الذين تحميهم سعداء بوجود الأتراك هناك، على الرغم من معاناتهم.

في المخيم الواقع على قمة تل فوق مدينة عفرين، تكافح 300 عائلة سورية للحصول على الدفء تحت المطر والطين. نزحوا ثلاث مرات منذ فرارهم من مزارعهم بالقرب من دمشق قبل سبع سنوات، ويعيشون على معونات ضئيلة ويرسلون الأطفال للبحث في القمامة.

تقول بشرى سليمان الحمدو (65 عاما) وهي ترفع غطاء الأرض لتظهر الأرض الموحلة حيث يرقد زوجها طريح الفراش “الوضع سيء للغاية، مياه المطر تدخل إلى الخيمة. لا يوجد طعام كاف، ولا توجد منظمة مساعدة ولا مياه شرب”.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد نعرض لانتقادات واسعة من قبل الأمم المتحدة والزعماء الغربيين قبل ثلاث سنوات عندما أمر القوات التركية بعبور الحدود السورية إلى عفرين، فقد اعتُبر هذا عملاً انتهازياً ومزعزعاً للاستقرار. الأمر الذي أدى إلى فرار آلاف العائلات الكردية من الغزو التركي إلى جانب المقاتلين الأكراد. وحل مكانهم مئات الآلاف من السوريين من مناطق أخرى، نتج عنه تضخم في عدد السكان، واستولوا على منازل وخيموا على أراضٍ زراعية.

فيما لاقى تدخل تركي آخر في عام 2019 شرقي سوريا مزيدًا من الازدراء وسط اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان تحت أنظار تركيا.

ولكن بما أن نهاية الحرب الأهلية السورية المندلعة منذ عقد من الزمن أمر يثير حيرة العالم، فقد أصبحت تركيا القوة الدولية الوحيدة على الأرض التي تحمي حوالي خمسة ملايين من النازحين والمدنيين المعرضين للخطر. اليوم الجنود الأتراك هم كل ما يقف بينهم وبين المذابح المحتملة على يد قوات الرئيس بشار الأسد وحلفائه الروس.

وقد قام مسؤولون أتراك مؤخرًا بمرافقة الصحفيين في زيارة نادرة لعفرين، وهي منطقة في شمال غرب سوريا، حيث أنشأت تركيا منطقتها الآمنة بحكم الأمر الواقع على طول الحدود. حيث حرص الأتراك على إظهار إنجازاتهم في البنية التحتية والتعليم والخدمات الصحية. لكنهم أيضًا لم يخفوا المحنة المستمرة للسوريين تحت مسؤوليتهم ، الذين على الرغم من معاناتهم الواضحة أوضحوا أنهم سعداء بوجود الأتراك هناك، على الأقل في الوقت الحالي.

قال عمار محمد البالغ من العمر 35 عاماً، والذي يعمل حمالاً في سوق في عفرين: “هنا على الأقل يمكنني البقاء على قيد الحياة”. وهو مقاتل سابق في قوات المعارضة وينحدر من دمشق، قال إنه خاطر بأن يُقتل أو يُحتجز  من قبل الحكومة السورية. “هناك سأموت. هناك كنت أفكر طوال الوقت “هل يعتقلونني؟”.

لم يكن التدخل التركي في عفرين نابعاً من نكران الذات. إذ طالما أخذت تركيا مصالحها الخاصة في الاعتبار. وكان هدفها الرئيسي هو اجتثاث القوات الكردية التي تعتبرها تهديدًا أمنيًا، وتوفير مساحة لقوات المتمردين المتبقية التي تقاتل ضد الأسد، المنافس البغيض. لذا فإن السوريين الذين فروا من قوات الحكومة السورية استقروا حول عفرين.

كان السيد محمد وابن عمه محمد عمار من بين مقاتلي المعارضة الذين تم إجلاؤهم في قافلة من الحافلات من الغوطة في ريف دمشق ونقلوا إلى عفرين بموجب اتفاق سلام تم التوصل إليه بين روسيا وتركيا قبل ثلاث سنوات. إذ يقول السيد محمد: “لقد تم تهجيرنا قسراً”. وبعد أن رفضا فرصة للانضمام إلى قوات الأمن المدعومة من تركيا، تم تسريحهما وتركهما لكسب لقمة العيش كيف أمكنهما ذلك. “أقسم بالله أن بعض الناس ينامون جوعى. نحن لا نعرف كيف نعيش “.

أنشأت تركيا إدارتها الخاصة، ودربت ودمجت الميليشيات السورية الصديقة في قوة الشرطة العسكرية وأنشأت مجالس محلية سورية لإدارة الأمور. وتم ربط المدينة بشبكة الكهرباء التركية، مما أنهى سنوات من انقطاع التيار الكهربائي؛ كما تُستخدم الهواتف المحمولة والعملات التركية؛ وسجلت 500 شركة سورية للتجارة عبر الحدود.

قال أورهان أكتورك، نائب حاكم مقاطعة هاتاي التركية المجاورة، والمسؤول عن عفرين: “هدفنا الرئيسي هو جعل حياتهم طبيعية أكثر. من خلال الحفاظ على المدارس مفتوحة، والمستشفيات تعمل حتى يتمكن الناس من استئناف حياتهم.”

لكن تركيا موجودة أيضًا في سوريا حتى لا ينتهي الأمر بالسوريين في تركيا. حيث تستضيف بالفعل أكبر مجتمع للاجئين السوريين في العالم – 3.6 مليون سوري مسجلين داخل تركيا – ولطالما دعا السيد إردوغان إلى إنشاء منطقة حظر طيران، أو منطقة آمنة محمية دوليًا، في شمال سوريا.

بدأ التدخل التركي لأول مرة في سوريا عام 2016 في عملية مشتركة مع جيش الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ثم في عفرين عام 2018، ومرة أخرى في عام 2019، بعدها قام الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من المنطقة بشكل مفاجئ.

وفد أتاح اتفاق أردوغان مع السيد ترامب لروسيا والحكومة السورية استعادة موطئ قدمهما في شمال شرق سوريا، وهو ما كان كارثيًا بالنسبة للمعارضة. لكن بعد ذلك، اتخذت أنقرة موقفًا غير متوقع ضد هجوم حكومي روسي وسوري العام الماضي في محافظة إدلب، مما أظهر أن الجيش التركي ليس فقط راغبًا في الدفاع عن الخط ولكن قادرًا على ذلك.

ووفقاً لمعاذ مصطفى، المدير التنفيذي لفريق الطوارئ السوري، وهي منظمة مقرها واشنطن، فإن وضع خط أحمر في إدلب حوَّل تركيا من لاعب سيء في المنطقة إلى لاعب جيد، أو على الأقل شخص يشارك واشنطن مصالح مشتركة.

ودعا إدارة بايدن إلى استئناف الاتصالات العسكرية مع تركيا وتزويدها بالدعم اللوجستي والاستخباراتي لتعزيز دفاعها عن الجزء من إدلب الذي لا يزال في أيدي المعارضة.

وأضاف: “شمال غرب سوريا وإدلب هما مفتاح الكل”. وأشار إلى أن إدلب التي تضم أربعة ملايين شخص، مليون منهم من الأطفال، محشورين في مساحة تتقلص باستمرار، تمثل ضرورة إنسانية واستراتيجية. “إدلب وحدها إذا تعرضت للهجوم، ستضاعف عدد اللاجئين في أوروبا”.

ورغم أن السيطرة التركية تلقى ترحيباً من العديد من السوريين الذين فروا من حكومة الأسد، فهي ليست بلا منازع. في الواقع، أفسدت مهمة تركيا في عفرين منذ ذلك الحين الهجمات الإرهابية المستمرة – 134 في عامين ونصف – بما في ذلك أربع سيارات مفخخة في المنطقة هذا الشهر. وقال أكتورك إن قوات الأمن أحبطت مئات آخرين.

وقال قائد الشرطة التركية في عفرين إن 99 بالمئة من الهجمات كانت من عمل حزب العمال الكردستاني، الحركة الانفصالية الكردية وفرعها في سوريا Y.P.G. المتحالف مع القوات الأمريكية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وبحسب السيد أكتورك فإن السيارات المفخخة الأخيرة تم إخفاؤها في شاحنات تم إحضارها من منطقة منبج التي يسيطر عليها الأكراد من قبل تجار غير واعين، وفقد أحدهم ابنه في انفجار في منطقة عفرين الصناعية.

كما قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار الأسبوع الماضي إن تركيا ستثير مسألة الدعم الأمريكي للميليشيات الكردية كأولوية مع إدارة بايدن.

في عفرين، تعامل الأتراك مع الأمن مثل أي قوة تابعة لحلف شمال الأطلسي، حيث أحاطوا مبنى إدارتهم بجدران خرسانية عالية وأغلقوا “المنطقة الخضراء” التي تشمل شارع التسوق الرئيسي في وسط المدينة. لكن بعض أصحاب المتاجر السوريين يشتكون من تضاؤل الأعمال نتيجة لذلك.

يقول إبراهيم حاج خليل، صاحب محل فايف ستارز للآيس كريم، “إننا نعيش، لكن الأمر صعب للغاية”. وأضاف إن الزبائن انخفضوا بشكل كبير بعد انفجار ضخم لشاحنة وقود مفخخة في السوق في نيسان/أبريل الماضي. “اعتدنا أن يكون لدينا أشخاص في طوابير في الشارع ولكن الآن لا يوجد أحد”.

ويطالب سعيد سليمان، زعيم المجلس المحلي، بمزيد من المساعدة بما يتجاوز ما يمكن أن تقدمه تركيا. وقال: “نحن بحاجة إلى مزيد من الدعم الدولي والمزيد من المنظمات غير الحكومية للمساعدة”. لكن بالنسبة للملايين، تقدم تركيا الفرصة الوحيدة.

كما قال نور حلاق، الناشط السوري الذي يعيش في الجزء الخاضع للسيطرة التركية من محافظة حلب، إن الطلاب السوريين مشغولون بتعلم اللغة التركية والبحث عن طرق للوصول إلى تركيا للدراسة أو العمل. قال “إنه شيء يجعلني أضحك وأبكي في نفس الوقت. اللغة التركية تنتشر، إنها اختيار الشعب”.

أما بالنسبة للعائلات في المخيم فوق المدينة، كان طلب الحماية من تركيا هو خيارهم الوحيد.

“نحن 16 في خيمة واحدة”. تقول رسمية هونان العبد الله وهي تحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيها: “كل شيء صعب للغاية، العثور على الخشب والطعام”. زوجها طريح الفراش وأعمى. “يعمل الأطفال أحيانًا ويجمعون البلاستيك”.

تقدمت العائلات بطلب المساعدة في البحث عن الأقارب المحتجزين في نظام السجون الحكومي السوري الواسع. قال منظم المخيم إن كل فرد تقريبا كان لديه أحد أفراد الأسرة محتجز من قبل حكومة الأسد.

قال جرير سليمان، أحد مجموعة من كبار السن متكئين على عكازاتهم خارج خيمتهم الجماعية: “لو لم نكن خائفين، لما جئنا إلى هنا”.

وقد كان ذات يوم من مالكي الأراضي الأثرياء، لكنه قال إن الحكومة السورية قطعت بساتين الزيتون الخاصة به بعد أن سيطرت على قريتهم جنوبي دمشق. وقد استبعد العودة إلى الوطن بينما ظل الأسد في السلطة.

ويضيف: “لن نعود إلى قرانا حتى توفر لنا تركيا الحماية. بدون الأتراك لا يمكننا البقاء على قيد الحياة”.

 

المصدر: نيويورك تايمز

%d مدونون معجبون بهذه: