سيريا مونيتور- عبدالفتاح النعيمي
ليست وصال إبراهيم مجرد صورة انتشرت على وسائل التواصل، ولا حالة عابرة صنعها “الترند” لبضعة أيام ثم تختفي. وصال تمثل حكاية أعمق بكثير من صورة، وتمثل قصة جيل كامل من نساء الرقة اللواتي حملن عبء الثورة والحرب والتهجير، ثم عدن ليشاركن في بناء ما تبقى من المدينة بروح صلبة لا تنكسر.
في السنوات الأولى من ثورة الكرامة السورية، عندما خرج أبناء الرقة إلى الشوارع مطالبين بالحرية والكرامة، لم تكن النساء مجرد متفرجات على ما يجري. كانت النساء في قلب المشهد. وقفن في المظاهرات، شاركن في العمل الإنساني والإغاثي، وأسسن مجموعات الدعم والتكاتف المجتمعي التي حافظت على تماسك المجتمع في أصعب الظروف. كانت وصال إبراهيم واحدة من تلك النساء اللواتي قررن أن الحرية ليست شعاراً، بل مسؤولية وتضحية.
مثل كثيرات من نساء الرقة، عاشت وصال سنوات قاسية من التحولات التي مرت بها المدينة. من الأمل الأول الذي رافق انطلاق الثورة، إلى الألم الذي رافق سنوات القمع والاعتقال والتهجير. لم تكن تلك السنوات مجرد أحداث سياسية، بل كانت امتحاناً قاسياً للمجتمع كله وخاصة للنساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة واقع جديد مليء بالخوف وعدم اليقين.
تعرضت كثير من النساء للاعتقال، وعاشت أخريات تجربة النزوح واللجوء، وفقدت عائلات كثيرة أبناءها وبيوتها. ومع ذلك، بقيت النساء حاضرات في كل مفاصل الحياة اليومية، يحافظن على العائلات، ويحمين الأطفال، ويحاولن الحفاظ على ما تبقى من روح المجتمع. في تلك اللحظات الصعبة، لم تكن البطولة دائماً في الشعارات الكبيرة، بل في القدرة على الصمود والاستمرار رغم كل شيء.
وصال إبراهيم هي صورة من تلك القصص الإنسانية التي لا تروى كثيراً. قصة امرأة عاشت مثل آلاف النساء تجربة الألم والصبر، لكنها لم تتخل عن الأمل. فالصمود بالنسبة لنساء الرقة لم يكن خياراً رومانسياً، بل كان ضرورة للبقاء.
ومع مرور السنوات، ومع كل ما شهدته المدينة من دمار وتغيير، جاءت لحظة تحرير الرقة لتفتح صفحة جديدة في تاريخها. لم يكن التحرير نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أخرى أكثر تعقيداً مرحلة إعادة بناء المجتمع وترميم ما تهدم في النفوس قبل الحجر.
في هذه المرحلة تحديداً، برز الدور الحقيقي لنساء الرقة مرة أخرى. فبعد سنوات الحرب، لم يكن من الممكن إعادة الحياة إلى المدينة دون مشاركة النساء في العمل الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي. عادت النساء إلى المدارس والمراكز المجتمعية والمبادرات الأهلية والمجتمعية وساهمن في إعادة إحياء روح المدينة التي حاولت سنوات العنف أن تخنقها.
وصال إبراهيم، مثل كثير من نساء الرقة، أصبحت جزءاً من هذه المرحلة الجديدة. لم تعد المرأة فقط رمزاً للصبر، بل أصبحت شريكاً فعلياً في بناء المجتمع. في الأحياء التي كانت يوماً ما ساحة حرب، وفي البيوت التي أعيد ترميمها حجراً حجراً، ظهرت قصص جديدة من العمل والإصرار.
ومع ذلك، فإن النظرة السطحية التي تختزل وصال أو غيرها من نساء الرقة في صورة أو تعليق ساخر على وسائل التواصل، تعكس في كثير من الأحيان جهلاً عميقاً بسياق تلك التجارب. فخلف كل صورة حكاية طويلة من الألم والصمود، وخلف كل ابتسامة سنوات من المعاناة التي لا يمكن اختصارها في منشور أو تعليق.
إن تحويل قصص النساء اللواتي عشن الثورة والحرب إلى مادة للسخرية هو نوع من الظلم الرمزي، لأنه يتجاهل الدور الحقيقي الذي لعبنه في حماية المجتمع خلال أحلك المراحل. فالنساء لم يكن مجرد ضحايا للحرب، بل كن أيضاً فاعلات في مواجهة آثارها.
وصال إبراهيم ليست استثناءً في هذا السياق، بل هي نموذج لامرأة رقاوية عادية حملت فوق كتفيها عبئاً استثنائياً. امرأة تشبه كثيرات من نساء الرقة اللواتي اخترن الحياة رغم كل ما مر عليهن من قسوة.
ربما لا يعرف كثيرون التفاصيل الكاملة لحياة وصال، وربما لا يعرفون حجم التضحيات التي قدمتها هي وغيرها من نساءالرقة. لكن ما هو مؤكد أن الرقة اليوم، بكل ما فيها من حياة تعود تدريجياً إلى شوارعها وأسواقها ومدارسها، هي نتيجة لجهود جماعية شاركت فيها النساء بقدر ما شارك الرجال.
ولهذا، فإن وصال إبراهيم ليست مجرد صورة، بل رمز لمرحلة كاملة من تاريخ الرقة. مرحلة كتبتها نساء صمدن في وجه الحرب، وتحملن الاعتقال والتهجير والنزوح، ثم عدن ليقلن إن المدينة قادرة على النهوض من جديد.
إن قصة وصال هي في الحقيقة قصة مدينة بأكملها. مدينة جُرحت كثيراً لكنها لم تستسلم، ونساء حملن تلك الجراح بصمت وصبر حتى وصلن إلى لحظة الحرية.
وفي النهاية، عندما نتحدث عن وصال إبراهيم، فإننا لا نتحدث عن شخص واحد فقط، بل عن ذاكرة جماعية لنساء الرقة. نساء كتبن فصلاً مهماً من تاريخ مدينتهن، ليس بالخطابات الكبيرة، بل بالصبر والعمل والإيمان بأن الحياة تستحق أن تُعاش.
وصال ليست مجرد صورة… وصال حكاية امرأة، وحكاية مدينة، وحكاية نساء اخترن أن يكنّ جزءاً من مستقبل الرقة.