سعيد اليوسف ـ تلفزيون سوريا
بموجب حزمة من المراسيم “الرئاسية”، أعادت السلطة السورية الجديدة هيكلة إدارة أبرز القطاعات الحيوية ذات الطابع السيادي والاستراتيجي، عبر تحويلها من مؤسسات ومرافق عامة إلى شركات ذات طابع اقتصادي واستثماري.
ففي السادس من نيسان 2026، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع ثلاثة مراسيم متتالية حملت الأرقام (44، 45، 46)، قضت بتحويل قطاعات التعدين والكهرباء والمياه من “مرافق خدمية” إلى “شركات” ذات طابع اقتصادي، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وترتبط بوزارة الطاقة.
ورغم أن هذه الخطوة تُقدَّم في إطار تطوير الاستثمار الاحترافي وتعزيز الحوكمة، فإنها تفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول شرعية اتخاذ قرارات بنيوية تمس أصول الدولة في مرحلة انتقالية لم تستكمل مؤسساتها بعد، إضافة إلى مخاوف تتعلق بمصير الدعم الاجتماعي في بلد يعاني من تدهور القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر.
من “المؤسسة” إلى “الشركة”
المراسيم الثلاثة لم تكتفِ بتغيير النمط الإداري، بل أعلنت عن ولادة كيانات جديدة حلّت مكان “المؤسسات” التي سبق وترهلت في عهد نظام المخلوع بشار الأسد، وهي:
- الشركة السورية للتعدين (SMC): حلّت محل “الشركة العامة للفوسفات والمناجم، وكل مديريات ومرافق ومعامل (المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية)”، لتتولى استثمار الخامات وتسويقها ضمن إطار اقتصادي موحد.
- الشركة السورية للكهرباء (SEC): حلّت محل “المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء” و”المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء”، وجميع الشركات التابعة للمؤسستين، في خطوة تهدف إلى توحيد إدارة القطاع كهربائياً ضمن كيان واحد.
- المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي: أُعيد تشكيلها كـ”مؤسسة ذات طابع اقتصادي، تتمتّع باستقلال مالي وإداري”، إلى جانب إحداث “شركات عامة” على مستوى المحافظات، تحل محل “المؤسسات العامة” السابقة.
يسعى هذا التحوّل -وفق قراءات اقتصادية- إلى تقليص البيروقراطية، لكنّه يعكس في الوقت ذاته تحولاً في علاقة الدولة بالمواطن، عبر الانتقال من نموذج “المرفق العام” القائم على تقديم الخدمة بوصفها حقاً، إلى نموذج “الشركة”، التي تُدار وفق معايير الكفاءة والعائد.
ويأتي هذا المسار استكمالاً لخطوات سابقة، حيث أصدر الرئيس أحمد الشرع “المرسوم رقم (189) لعام 2025″، القاضي بإحداث “الشركة السورية للبترول (SPC)” كشركة عامة قابضة ذات طابع اقتصادي، لتحل محل “المؤسسة العامة للنفط” و”المؤسسة العامة للتكرير” وجميع الشركات التابعة لهما.
ولا يقتصر هذا التحوّل على قطاع الطاقة وحده، بل يبدو جزءاً من استراتيجية شاملة لإعادة صياغة ملكية الدولة، إذ سبقته خطوة مماثلة في قطاع الطيران عبر “المرسوم رقم (214) لعام 2025″، الذي أحدث “الشركة السورية القابضة للطيران” لتحل محل “مؤسسة الخطوط الجوية السورية”، مع استقلال مالي وإداري.
ويعكس هذا التواتر في إصدار المراسيم توجهاً واضحاً نحو الابتعاد عن نموذج “القطاع العام التقليدي”، لصالح كيانات تُدار بعقلية استثمارية أقرب إلى منطق القطاع الخاص، ما يمهّد لمرحلة جديدة في إدارة أصول الدولة.
فك الارتباط بالخزينة.. هل يُرفع الدعم تدريجياً؟
يُعدّ “الاستقلال المالي” أحد أبرز ملامح هذه المراسيم، حيث يوضّح الخبير الاقتصادي محمد أحمد، أنّ الكيانات الجديدة أصبحت “وحدات محاسبية مستقلة تمتلك موازناتها الخاصة، وتعتمد في تمويلها على الأرباح والقروض والمنح (إضافة إلى مساهمات الدولة عند الحاجة)، بدلاً من الاعتماد المباشر على الخزينة العامة”.
ويضيف أحمد -المتخصّص في شؤون الطاقة في مركز “كرم شعار للاستشارات”- لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ هذا النموذج يمنح هذه الشركات مرونة تشغيلية واستثمارية كبيرة، ويتيح لمجالس إداراتها إقرار الخطط والموازنات وإبرام الشراكات، لكنه في المقابل يفرض عليها تحقيق نوع من التوازن المالي.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد علبي، في تصريح لـ موقع تلفزيون سوريا، أنّ هذا التحول “ينقل القطاعات من منطق إداري إلى منطق اقتصادي أو تجاري”، حيث تُقاس الكفاءة بالعائد والاستدامة، لا بمجرد تقديم الخدمة.
ويحذّر “علبي” من أنّ هذا النموذج عادةً -رغم إبقاء الدعم الحكومي قائماً نظرياً- لا يستمر طويلاً “بل يتقلص تدريجياً وصولاً إلى زواله”، إذ تميل الشركات عند أوّل اختلال مالي إلى نقل عبء التمويل إلى “التعرفة،” ما قد يسرّع وتيرة رفع الدعم، خاصة في ظل وضع اقتصادي هش وانطلاق هذه القطاعات من حالة خسارة أصلاً.
في المقابل، يشير محمد أحمد، إلى أنّ “سياسة الدعم لا تُحسم في مراسيم التأسيس، وأن استمرار إمكانية التمويل الحكومي (جزئياً)، يعني أن مسار الدعم سيُحدد لاحقاً وفق السياسات التنفيذية، لا ضمن النصوص الحالية”.
لكن من زاوية حقوقية، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أنّ جوهر الإشكالية في هذه المراسيم يكمن في التوتر بين منطق الربحية ومتطلبات الحقوق الأساسية، إذ إن الشركات التي تُلزم بتحقيق التوازن المالي أو الربح ستتجه، بحكم طبيعتها، إلى رفع تعرفة الكهرباء والمياه إلى مستويات التكلفة الفعلية أو ما يقاربها، ما قد يمسّ بحقوق أساسية، من بينها الحق في المياه ومستوى المعيشة.
ويرى عبد الغني، أنّ المعالجة القانونية السليمة لا تكمن في الإبقاء على الدعم الضمني ضمن التعرفة، بل في إعادة تصميمه عبر نظام دعم اجتماعي مباشر يستهدف الفئات الضعيفة، ويضمن حصولها على الخدمات الأساسية بصرف النظر عن قدرتها على السداد، وفق المنطق التجاري.
“خصخصة جزئية” تحت سقف الملكية العامة
رغم تأكيد المراسيم على بقاء ملكية الدولة لهذه الشركات وعدم جواز طرحها للاكتتاب العام إلا بقانون، إلا أنّ نموذج “الشركات ذات الطابع الاقتصادي” يتيح لها قانوناً، إبرام عقود استثمار وتأسيس شركات مع القطاع الخاص.
ويشير محمد أحمد إلى أن مراسيم تحويل المؤسسات العامة إلى شركات لا تنص على أي “خصخصة”، سواء كانت كلية أو جزئية، بل تذهب إلى “قوننة” الشراكات عبر السماح بإبرام عقود مع القطاع الخاص.
في المقابل، يرى “علبي” أن هذه الأدوات تمثل “خصخصة جزئية عملياً”، إذ إن إدخال شركات خاصة في التشغيل والإدارة، بعقود طويلة الأمد، ينقل جزءاً من القرار الاقتصادي إلى القطاع الخاص، حتى من دون إعلان خصخصة صريحة، ويعدّ هذا المسار، وفق رأيه، مساساً بقطاعات سيادية كالمياه، التي تخضع عادةً لضوابط صارمة في مختلف دول العالم.
“نظام العقود للجهات العامة في سوريا”
في موازاة توسيع صلاحيات هذه الشركات، يبرز غموض قانوني لافت حول الإطار الذي سيحكم تعاقداتها، ولا سيما مدى خضوعها لأحكام “قانون العقود رقم 51 لعام 2004“، الذي ما يزال يشكّل المرجعية الأساسية لتنظيم عقود الجهات العامة في سوريا.
واللافت أيضاً أن المراسيم الثلاثة، وغيرها من المراسيم التي نصّت على تحويل المؤسسات العامة إلى شركات، لم تنص صراحة على إخضاع هذه الكيانات لهذا القانون، ما يفتح الباب أمام تفسيرات قانونية متباينة، خصوصاً في ظل تصنيفها كـ”شركات ذات طابع اقتصادي”، وهو ما يضعها في منطقة رمادية بين قواعد القانون العام ومنطق الشركات.
وفي هذا السياق، يوضح فضل عبد الغني، أنّ تصنيف هذه الشركات كـ”كيانات تجارية” قد يجعل خضوعها لـ قانون العقود “موضع تفسير، لا حكماً نصياً واضحاً”، محذّراً من أن هذا الغموض يخلق بيئة قانونية ملتبسة، وهو تحديداً “ما يولّد مخاطر الفساد الكبرى في تجارب إعادة الإعمار المقارنة”.
ويضيف عبد الغني، أنّ تجارب دول ما بعد الحروب والنزاعات، مثل العراق والبوسنة، أظهرت أن غياب الضبط القانوني الواضح في التعاقدات أدى إلى “محسوبيات هيكلية”، مؤكداً أن الضمانة الأساسية تكمن في إصدار مرسوم صريح يُخضع هذه الشركات لـ”قانون المشتريات العام” من دون استثناء، طالما أن ملكيتها ما تزال عامة.
ويرى حقوقيون أنّ قانون العقود الحالي صُمم أساساً للمؤسسات الحكومية التقليدية، وليس لـ”شركات قابضة” تعمل وفق منطق اقتصادي، ما يفتح الباب أمام اعتماد أنظمة تعاقد أكثر مرونة، لكنه في المقابل يوسّع “المنطقة الرمادية” بين القانون العام وقانون الشركات، ويجعل الشفافية مرهونة بالتشريعات التنفيذية.
“شركات” وزارة الطاقة
ترتبط الشركات الجديدة بوزارة الطاقة، وهي وزارة استُحدثت عبر دمج ثلاث وزارات استراتيجية: (الكهرباء، النفط والثروة المعدنية، الموارد المائية)، وذلك وفق “المرسوم رقم 150 لعام 2025″، الذي أصدره الرئيس الشرع، ضمن إطار حكومي موحّد لإدارة قطاعات الطاقة والموارد.
ووفق هذا الدمج، تتخذ العلاقة بين الوزارة والشركات الجديدة طابعاً “هجينا”، حيث تحتفظ الوزارة بدور تنظيمي واستراتيجي، مع استمرار تأثيرها التنفيذي عبر التعيينات والتوجيه، حيث يرى خبراء أن هذا النموذج، رغم شيوعه في المراحل الانتقالية، يثير إشكالية “تضارب المصالح”، إذ تجمع الجهة نفسها بين دور المنظّم والمالك.
وفي هذا السياق، يحذّر الحقوقي فضل عبد الغني من “تعارض مصالح هيكلي”، حيث تصبح الجهة المفترض أن تحمي المستهلك هي نفسها المستفيدة اقتصادياً من الشركات، ما قد يرسخ احتكاراً حكومياً بطابع تجاري.
ويشير إلى أنّ ضم قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والتعدين والمياه، تحت شركات يُشرف عليها وزير واحد أو مظلة وزارية واحدة، يرسّخ احتكاراً حكومياً تجارياً، فهو يجمع بين غياب المنافسة، وغياب الرقابة البرلمانية، إلى جانب ضعف المحاسبة القضائية على القرارات التشغيلية.
“قانونية” المراسيم والفراغ الرقابي
على الصعيد القانوني، تثير هذه المراسيم نقاشاً حول مدى توافقها مع طبيعة المرحلة الانتقالية، حيث يؤكّد فضل عبد الغني أنّ التغييرات الهيكلية في ملكية الدولة وأصولها العامة تستوجب مشاركة تشريعية، لأنّها تمس حقوقاً دستورية، وأن غياب مجلس تشريعي انتقالي يخلق فراغاً رقابياً يضعف الشرعية الإجرائية لهذه القرارات.
من جانبه، يتساءل محمد علبي عن مدى صلاحية حكومة انتقالية لاتخاذ قرارات اقتصادية بنيوية طويلة الأمد قد يصعب التراجع عنها لاحقاً، مشيراً إلى أن تجارب دول أوروبية مثل بولندا والتشيك أرجأت خطوات مماثلة إلى حكومات منتخبة، نظراً لآثارها الممتدة لعقود.
أمّا محمد أحمد، فيرى أنه رغم تضمّن المراسيم آليات حوكمة داخلية كالتقارير الدورية وتعيين مدقق حسابات خارجي، إلا أنّ هذه الأدوات تبقى غير كافية ما لم تُستكمل بإلزام الإفصاح المالي وضبط قواعد التعاقد وإخضاع الشركات لرقابة مالية وإدارية وقضائية واضحة، محذّراً من أنّ الاستقلال الإداري من دون مساءلة قد يضعف الرقابة بدلاً من تعزيز الكفاءة.
“مسار أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد في سوريا”
تندرج المراسيم المرتبطة بتحويل المؤسسات العامة إلى شركات ضمن سياق أوسع لإعادة هيكلة القطاع العام في سوريا، تعمل عليه الحكومة الجديدة خلال المرحلة الانتقالية، إذ تعكس الخطوات المتتالية توجهاً متصاعداً نحو إعادة تشكيل المؤسسات التقليدية ضمن كيانات أكثر استقلالاً وذات طابع اقتصادي.
وخلال العام 2025، صدرت مراسيم لإحداث هيئات وكيانات جديدة بصلاحيات مالية وإدارية موسّعة، شملت إعادة تنظيم إدارة المعابر والحدود ضمن هيئة مركزية موحّدة، إلى جانب طرح مشاريع لتحويل شركات القطاع العام إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة.
-
هل تُكمل السلطة الجديدة ما بدأه نظام المخلوع؟
لا يمكن فصل هذه التحولات عن الأساس الذي وُضع في أواخر عهد نظام المخلوع بشار الأسد، عبر “القانون رقم (3) لعام 2024″، الذي مهّد لتحويل المؤسسات العامة إلى شركات مساهمة وقابضة.
ورغم اختلاف الأهداف المعلنة، يبدو أنّ السلطة الحالية قد تبنّت هذا النهج واستكملته ووسّعته، مع تعميق الانتقال من نموذج “المرفق العام” القائم على الخدمة إلى نموذج “الشركة” القائم على الكفاءة والعائد، بما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو إدارة الموارد بـ”عقلية التاجر”.
وبحسب خبراء، تتمثل الإشكالية في استمرار المسار ذاته وإن بصيغة محدّثة، حيث جرى تفعيله كأداة لمعالجة الانهيار الاقتصادي، وبينما يكمن الفارق في الأهداف المعلنة -من خدمة “أزلام النظام” سابقاً إلى تعزيز الاستثمار والحوكمة حالياً- يبقى الاختبار الحقيقي في مستوى الشفافية وحماية المواطنين، خصوصاً في ظل انتقال يجري ضمن “منطقة رمادية” تفتقر إلى رقابة تشريعية صارمة.
عن “الخصخصة”
لا ينكر خبراء سوريون أن نموذج “القطاع العام” التقليدي بات إرثاً مترهلاً، ما يجعل البحث عن بدائل أكثر كفاءة أمراً مشروعاً، بما في ذلك “الخصخصة” أو الشراكات مع القطاع الخاص، شرط أن تقترن بضوابط صارمة تمنع الاحتكار.
لكن الاعتراض في الحالة السورية يتركّز على “السياق والشرعية”، إذ إن المضي بتحوّلات تمس “أصولاً سيادية” في مرحلة انتقالية غير مكتملة دستورياً، ومع جدل قائم حول قانونية المراسيم، يضع هذه الخطوات في “منطقة رمادية” تثير تساؤلات حول مشروعيتها واستدامتها.
وإنّ غموض الصلاحيات الممنوحة للشركات الجديدة، واتساع هامش حركتها وفق منطق تجاري على حساب الأهداف الخدمية، يفتح الباب أمام مخاوف من تحوّلها من أدوات لـ”خدمة المواطن” إلى استنزافه مادياً، لا سيما في ظل غياب رقابة برلمانية فاعلة تضمن عدم انزلاق نموذج “الدولة التاجر” نحو شكل جديد من الاحتكار المغلّف بالقانون.
لذلك، يرى خبراء اقتصاديون وقانونيون، أنّ جوهر النقاش لا ينبغي أن يُختزل في سؤال “الخصخصة: نعم أم لا”، بل في “كيف ومتى وتحت أي ضمانات” يمكن تطبيق هذه التحوّلات، بما يضمن تحقيق الكفاءة الاقتصادية من دون التفريط بالحماية الاجتماعية، وبقاء موارد الدولة في خدمة المجتمع لا استنزافه.