شبكة التهريب بين البوكمال والقائم: من اقتصاد الحرب إلى البنية اللوجستية العابرة للحدود

شبكة التهريب بين البوكمال والقائم: من اقتصاد الحرب إلى البنية اللوجستية العابرة للحدود

 

كيف تحولت الحدود السورية – العراقية إلى ممر للتهريب والسلاح والمخدرات بين عامي 2013 و2026؟

 

منذ عام 2012، تحولت منطقة البوكمال – القائم على الحدود السورية العراقية إلى واحدة من أهم العقد الحدودية غير الرسمية في شرق سوريا وغرب العراق. لم تكن هذه المنطقة مجرد نقطة عبور جغرافية، بل تحولت تدريجياً إلى ممر لوجستي معقد استخدمته أطراف متعددة، بينها تنظيم داعش، وشبكات تهريب محلية، وفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، إضافة إلى تجار ومجموعات تعمل ضمن اقتصاد الحرب.

قبل سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت عمليات التهريب التابعة للحرس الثوري وحزب الله العراقي عبر هذه المنطقة نشطة بشكل واسع، وشملت السلاح والصواريخ ، المخدرات، البضائع التجارية، الوقود، المواشي، المواد الغذائية، والأموال. وقد اعتمدت هذه الشبكات على مزيج من المعابر البرية غير الرسمية، الطرق الصحراوية، الأنفاق القديمة، ونقاط العبور التي كانت تعمل تحت غطاء أمني أو بتسهيلات من قوى محلية ومسلحة.

بعد سقوط النظام السوري وتولي الحكومة السورية الجديدة إدارة البلاد، شهدت عمليات التهريب تراجعاً مؤقتاً نتيجة تبدل السيطرة الأمنية وإعادة انتشار القوى المحلية، لكنها عادت لاحقاً للانتعاش مستخدمة البنية ذاتها: المعابر القديمة، الأنفاق السابقة، مسارات برية جديدة، إضافة إلى نمط مستجد يتمثل في استخدام الطائرات المسيّرة الصغيرة في تهريب مواد محددة عبر الحدود.

هذا البحث يحلل تطور شبكة التهريب بين البوكمال والقائم منذ عام 2012 حتى اليوم، ويركز على تحولات البنية اللوجستية، الأطراف المستفيدة، أنواع المواد المهربة، ودور الأنفاق والمعابر غير الرسمية في استمرار هذه الشبكة رغم تغير السلطات والسيطرة الميدانية.

أولاً: الأهمية الجغرافية لمنطقة البوكمال – القائم

تقع مدينة البوكمال في أقصى شرق محافظة دير الزور السورية، مقابل مدينة القائم العراقية في غرب محافظة الأنبار. وتُعد هذه النقطة واحدة من أكثر المناطق حساسية على الحدود السورية العراقية، لعدة أسباب:

  • قربها من نهر الفرات.
  • اتصالها بالبادية السورية.
  • ارتباطها بطرق صحراوية مفتوحة باتجاه دير الزور، الميادين، تدمر، الأنبار، والحدود العراقية.
  • موقعها على الممر البري الممتد من العراق إلى سوريا ثم لبنان.
  • ضعف السيطرة المركزية عليها خلال سنوات الحرب.

هذه العوامل جعلت المنطقة مناسبة لحركة التهريب التي استخدمتها الميليشيات التابعة لإيران لتهريب الأسلحة إلى سوريا ولبنان ، سواء عبر المعبر الرسمي أو عبر معابر غير نظامية وأنفاق ومسارات صحراوية جانبية .

ثانياً: المرحلة الأولى 2013 – 2017: التهريب في ظل الفوضى وصعود داعش

مع اتساع الحرب السورية وتراجع سيطرة الدولة المركزية على شرق سوريا، بدأت شبكات التهريب المحلية بالتوسع في ريف دير الزور الشرقي ومناطق البوكمال والميادين.

خلال هذه المرحلة، لم تكن عمليات التهريب منظمة بالكامل تحت جهة واحدة، بل شاركت فيها شبكات عشائرية وتجارية ومجموعات مسلحة محلية. وشملت المواد المهربة:

  • الوقود.
  • المخدرات
  • المواد الغذائية.
  • السلاح الخفيف.
  • الأموال.
  • المواشي.
  • البضائع التجارية.
  • بعض المواد الطبية واللوجستية.

ومع صعود تنظيم داعش وسيطرته على أجزاء واسعة من شرق سوريا وغرب العراق، تحولت المنطقة إلى مساحة عمليات موحدة نسبياً بين ضفتي الحدود. وقد استفاد التنظيم من هذه الجغرافيا في نقل العناصر والسلاح والمواد اللوجستية، إضافة إلى استخدام طرق غير رسمية وأنفاق محدودة لأغراض عسكرية وأمنية.

خلال هذه الفترة، أصبحت الحدود بين البوكمال والقائم أقل وضوحاً من الناحية العملية، إذ فرضت قوى الأمر الواقع نمطاً جديداً من الحركة العابرة للحدود خارج إطار الدولة.

ثالثاً: المرحلة الثانية 2017 – 2019: ما بعد داعش وبداية إعادة توظيف الشبكات

بعد خسارة تنظيم داعش مناطق واسعة في العراق وسوريا، خصوصاً بعد معارك الموصل والرقة ثم الباغوز، لم تختفِ البنية اللوجستية التي استخدمها التنظيم. على العكس، بقيت أجزاء من هذه البنية قابلة لإعادة الاستخدام من قبل أطراف أخرى.

خلال هذه المرحلة، بدأت فصائل مسلحة مرتبطة بإيران بالتمدد في محيط القائم والبوكمال، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه داعش ومن أهمية المنطقة ضمن الممر البري بين العراق وسوريا.

ويمكن ملاحظة ثلاثة تحولات رئيسية في هذه المرحلة:

  1. انتقال السيطرة من تنظيم داعش إلى قوى محلية وفصائل مسلحة تابعة للنظام السوري السابق ، والمليشيات الإيرانية
  2. إعادة استخدام طرق ومعابر كانت قائمة سابقاً.
  3. تحويل بعض المسارات من تهريب محلي إلى ممرات لوجستية أكثر تنظيماً.

بدأت المنطقة تأخذ طابعاً أمنياً جديداً، حيث تداخلت عمليات التهريب التجاري مع النقل العسكري واللوجستي، بما في ذلك نقل معدات ومواد ومقاتلين عبر الحدود سواء بطرق التهريب أو عبر المعبر الرسمي (معبر البوكمال)

رابعاً: المرحلة الثالثة 2019 – ديسمبر 2024: ذروة نشاط التهريب قبل سقوط النظام

قبل سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، كانت عمليات التهريب بين البوكمال والقائم في واحدة من أكثر مراحلها نشاطاً وتنظيماً.

في هذه المرحلة، عملت شبكات التهريب ضمن بيئة معقدة تجمع بين:

  • فصائل مسلحة تابعة للنظام السوري والميليشيات الإيرانية بما فيهم حزب الله العراقي وحزب الله اللبناني
  • مهربين محليين.
  • تجار حرب
  • عناصر أمنية
  • وسطاء عشائريين
  • شبكات نقل وتخزين
إحدى نقاط التهريب البرية على الشريط الحدودي السوري العراقي

وشملت عمليات التهريب عدة أنواع رئيسية:

1. تهريب السلاح

استخدمت المنطقة لنقل الأسلحة والصواريخ والذخائر والمعدات العسكرية بين العراق وسوريا. وتمت عمليات النقل غالباً عبر طرق برية جانبية أو ضمن قوافل يصعب تمييز طبيعتها، إضافة إلى الاستفادة من مناطق صحراوية بعيدة عن الرقابة المباشرة.

2. تهريب المخدرات

برزت المنطقة كجزء من شبكة أوسع لتهريب المخدرات، خصوصاً الكبتاغون والحشيش ومواد أخرى. وكانت عمليات التهريب تعتمد على سيارات مدنية، شاحنات تجارية، طرق فرعية، ومستودعات مؤقتة قرب مناطق العبور.

3. تهريب البضائع التجارية

شمل ذلك مواد غذائية، أجهزة كهربائية، قطع غيار، وقود، دخان، ومواد استهلاكية. وغالباً ما كان هذا النوع من التهريب يتم تحت غطاء التجارة المحلية أو عبر رشى وتسهيلات من جهات مسيطرة على المعابر.

4. تهريب الأموال

استخدمت المنطقة أيضاً لنقل الأموال نقداً بين العراق وسوريا لتقديم رواتب للمقاتلين المتواجدين في سوريا و لتمويل شبكات محلية أو لدعم عمليات لوجستية وعسكرية.

5. التهريب عبر الأنفاق

اعتمدت بعض الشبكات على أنفاق قديمة أو ممرات مخفية قرب الحدود، بعضها كان مستخدماً سابقاً خلال فترة داعش أو في مراحل لاحقة من الحرب. وقد ساعدت هذه الأنفاق في تقليل مخاطر الرصد الجوي أو التفتيش البري.

خامساً: المعابر والأنفاق القديمة

اعتمدت شبكات التهريب على ثلاثة أنماط رئيسية من نقاط العبور:

1. المعابر البرية غير الرسمية

وهي طرق صحراوية أو زراعية تربط بين ضفتي الحدود، وغالباً ما تُستخدم بعيداً عن المعبر الرسمي. هذه المعابر تتغير وفق الوضع الأمني، لكنها تعتمد على معرفة محلية دقيقة بالأرض.

2. الأنفاق والممرات المخفية

تُستخدم الأنفاق لتجاوز نقاط التفتيش أو لنقل مواد محددة بعيداً عن الرصد المباشر. وتكتسب هذه الأنفاق أهمية خاصة عندما ترتفع احتمالات الاستهداف الجوي أو الرقابة الحدودية.

3. نقاط العبور المؤقتة

وهي مسارات تُفتح لفترة قصيرة ثم تُغلق أو تُستبدل بمسار آخر، ما يجعل مراقبتها صعبة. وغالباً ما تُستخدم في عمليات محددة ذات قيمة عالية، مثل نقل السلاح أو المواد المخدرة.

 

سادساً: ما بعد سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024

شكّل سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024 نقطة تحول كبيرة في شرق سوريا. فقد تغيرت خارطة السيطرة، وتراجعت بعض الشبكات القديمة مؤقتاً نتيجة الارتباك الأمني وتبدل موازين القوة.

إلا أن هذا التراجع لم يستمر طويلاً. فمع مرور الوقت، بدأت شبكات التهريب بإعادة تنظيم نفسها وفق الواقع الجديد.

اعتمدت هذه الشبكات على:

  • المعابر القديمة ذاتها.
  • الأنفاق المستخدمة سابقاً.
  • طرق صحراوية جديدة.
  • وسطاء محليين.
  • شاحنات تجارية ومدنية.
  • نقاط عبور مؤقتة.
  • طائرات مسيّرة صغيرة.

وبذلك لم تنتهِ عمليات التهريب بعد سقوط النظام، بل أعادت إنتاج نفسها ضمن بيئة جديدة.

سابعاً: انتعاش التهريب في ظل الحكومة السورية الجديدة

بعد تولي الحكومة السورية الجديدة إدارة البلاد، واجهت المناطق الحدودية تحديات كبيرة، أبرزها:

  • اتساع الجغرافيا الحدودية.
  • صعوبة ضبط المسارات الصحراوية.
  • وجود شبكات قديمة تمتلك خبرة ميدانية.
  • استمرار الطلب على السلاح والمخدرات والبضائع.
  • قدرة المهربين على تغيير المسارات بسرعة.
  • وجود ارتباطات عابرة للحدود بين مهربين في سوريا والعراق.

استغلت شبكات التهريب هذه الظروف لإعادة تشغيل مساراتها السابقة، مع إضافة وسائل جديدة للتهريب.

وكانت أبرز مظاهر الانتعاش:

1. استخدام المعابر القديمة

عادت بعض المعابر غير الرسمية للعمل تدريجياً، خصوصاً تلك التي كانت مستخدمة خلال سنوات سيطرة النظام السابق والميليشيات المرتبطة بإيران.

2. تفعيل الأنفاق القديمة

جرى الاعتماد مجدداً على بعض الأنفاق والممرات المخفية لنقل مواد محددة، خصوصاً عندما تكون الطرق البرية مكشوفة أو خاضعة للمراقبة.

3. فتح مسارات برية جديدة

استحدثت الشبكات طرقاً جديدة في البادية ومحيط الحدود، لتجنب الرقابة أو الالتفاف على نقاط السيطرة الجديدة.

4. استخدام الطائرات المسيّرة

برز نمط جديد يتمثل في استخدام طائرات درون صغيرة لنقل مواد محدودة الحجم وعالية القيمة، مثل بعض أنواع المخدرات أو الشرائح الإلكترونية أو الأموال أو مواد لوجستية خفيفة.

ورغم أن هذا النمط لا يحل محل التهريب البري، فإنه يشكل تطوراً مهماً في أساليب التهريب عبر الحدود.

ثامناً: المواد الأكثر تهريباً

يمكن تصنيف المواد المهربة بين البوكمال والقائم إلى أربع فئات رئيسية:

1. مواد عسكرية وأمنية

  • أسلحة خفيفة.
  • ذخائر.
  • قطع غيار عسكرية.
  • معدات اتصال.
  • مواد لوجستية.
  • مخدرات
  • أسلحة ومعدات عسكرية تركتها الميليشيات الإيرانية بعد انسحابها من سوريا 8 ديسمبر ، قامت بتهريب جزء منها باتجاه العراق عبر وسطاء محليين

2. مواد مخدرة

  • كبتاغون.
  • حشيش.
  • كريستال.
  • حبوب مخدرة أخرى.

3. بضائع تجارية

  • وقود.
  • دخان.
  • مواد غذائية.
  • أجهزة كهربائية.
  • قطع غيار سيارات.
  • مواد استهلاكية.

4. أموال ومواد عالية القيمة

تاسعاً: الأطراف المستفيدة

لا يمكن فهم شبكة التهريب باعتبارها نشاطاً إجرامياً بسيطاً فقط. فهي ترتبط باقتصاد أوسع يضم عدة أطراف مستفيدة:

  • مهربون محليون.
  • تجار حدود.
  • فصائل مسلحة.
  • وسطاء عشائريون.
  • شبكات نقل.
  • عناصر متعاونة داخل نقاط السيطرة.
  • تجار مخدرات.
  • ممولون عابرون للحدود.

وتعتمد هذه الشبكة على المصالح المتبادلة أكثر من اعتمادها على قيادة مركزية واحدة. وهذا ما يمنحها قدرة عالية على البقاء والتكيف.

عاشراً: لماذا يصعب تفكيك شبكة التهريب؟

تستمر شبكة التهريب بين البوكمال والقائم بسبب مجموعة من العوامل:

  • الطبيعة الجغرافية المفتوحة.
  • امتداد الصحراء على جانبي الحدود.
  • وجود خبرة محلية طويلة بالمسارات.
  • استخدام أنفاق ومعابر قديمة.
  • قدرة الشبكات على تغيير الطرق بسرعة.
  • تداخل التهريب التجاري مع التهريب العسكري.
  • وجود طلب مستمر على المواد المهربة.
  • ضعف القدرة على المراقبة الكاملة للحدود.
  • استخدام وسائل جديدة مثل الطائرات المسيّرة
  • وجود مصالح مالية واسعة لدى أطراف متعددة.

هذه العوامل تجعل الشبكة مرنة، وقادرة على التراجع مؤقتاً ثم العودة للعمل بطرق مختلفة.

الخلاصة

منذ عام 2013 وحتى اليوم، لم تكن منطقة البوكمال – القائم مجرد حدود بين دولتين، بل تحولت إلى ممر لوجستي واقتصادي وأمني عابر للحدود.

خلال مرحلة داعش، استخدمت المنطقة للحركة العسكرية واللوجستية. وبعد تراجع التنظيم، أعادت فصائل مسلحة وشبكات تهريب محلية توظيف المعابر والطرق والأنفاق ذاتها. وقبل سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، بلغت عمليات التهريب مستوى واسعاً، شمل السلاح والمخدرات والبضائع والأموال.

أما بعد سقوط النظام وتولي الحكومة السورية الجديدة، فقد شهدت الشبكة ارتباكاً مؤقتاً، لكنها عادت لاحقاً للنشاط مستخدمة البنية القديمة نفسها، إلى جانب معابر برية جديدة ووسائل أكثر تطوراً مثل الطائرات المسيّرة.

ويشير ذلك إلى أن تفكيك هذه الشبكة لا يتطلب فقط إغلاق معبر أو مراقبة طريق، بل يحتاج إلى فهم كامل للبنية اللوجستية والاقتصادية والأمنية التي تسمح باستمرار التهريب على جانبي الحدود.

 

 



Leave a Reply