فزان على خط المواجهة: صراع الطرق والحدود يعيد تشكيل المشهد الأمني في جنوب ليبيا

أعاد إعلان «قوة ثوار فزان» إغلاق الحدود الجنوبية الليبية أمام الشاحنات والنقل التجاري تسليط الضوء على تحول أمني يتشكل في أقصى جنوب البلاد، حيث تتزايد التحركات المسلحة ضد القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا على امتداد المنطقة الصحراوية المتصلة بالنيجر وتشاد والسودان.

في 12 سبتمبر/أيلول، أعلنت القوة اعتبار الشريط الممتد من الحدود الجزائرية غرباً وصولاً إلى المثلث الحدودي مع تشاد والسودان «منطقة عسكرية مغلقة»، وربطت قرارها بما وصفته بالحصار المفروض على مدينة القطرون ومنع وصول الوقود وغاز الطهي إليها. كما هددت باستهداف الشاحنات التي تقول إنها تستخدم لتهريب الوقود الليبي إلى دول الجوار. ولا تتوافر حتى الآن أدلة مستقلة تثبت قدرة القوة على فرض الإغلاق فعلياً على كامل الشريط الحدودي الذي حددته في بيانها.

يمثل الإعلان أحدث حلقة في سلسلة من التوترات التي شهدها جنوب ليبيا خلال 2026، وخصوصاً في القطرون والمناطق الممتدة نحو معبر التوم والحدود مع النيجر وتشاد، حيث تنشط مجموعات مسلحة تعتمد على الحركة السريعة في الصحراء واستهداف المواقع والطرق العسكرية بدلاً من السيطرة الدائمة على المدن.

القطرون.. شرارة التصعيد

تقع القطرون في أقصى جنوب غرب ليبيا ضمن منطقة مرزق، وتشكل إحدى المحطات الرئيسية على الطرق المتجهة جنوباً نحو النيجر وتشاد.

بدأت موجة التصعيد الأخيرة في 3 سبتمبر/أيلول بعد مقتل شاب من التبو يدعى حسين يوسف إبراهيم خلال حادثة إطلاق نار في محطة وقود. وأعقب الحادث هجوم نفذه مسلحون محليون على مقر وحدة عسكرية مرتبطة بقوات شرق ليبيا، قبل أن تشهد المدينة لاحقاً عمليات مداهمة واعتقالات.

وخلال يومي 9 و10 سبتمبر، أفادت تقارير محلية باعتقال نحو 23 شخصاً من التبو، بينهم مشتبه بمشاركتهم في الهجوم وشخصيات محلية. وأدت هذه التطورات إلى زيادة التوتر داخل المدينة ومحيطها.

في 9 سبتمبر، أصدرت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» بياناً أدانت فيه التطورات في القطرون ودعت سكان فزان إلى مواجهة قوات حفتر. وبعد ثلاثة أيام أعلنت «قوة ثوار فزان» إغلاق الحدود الجنوبية، ما نقل الأزمة من نطاق محلي داخل القطرون إلى تهديد مباشر للطرق والمعابر الحدودية.

«ثوار فزان» و«غرفة عمليات تحرير الجنوب»

برزت «قوة ثوار فزان» خلال 2026 في البيئة العسكرية المضطربة جنوب ليبيا، بالتوازي مع نشاط «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، وهي تشكيل مسلح يقوده محمد وردقو ويضم مقاتلين ينتمي عدد منهم إلى التبو.

وتتقاطع المجموعتان في مناطق النشاط والخصم العسكري والخطاب المتعلق بأوضاع فزان، فيما تربط تقارير بينهما. إلا أن البنية التنظيمية للعلاقة بين «ثوار فزان» و«غرفة عمليات تحرير الجنوب» لا تزال غير معلنة بصورة تسمح باعتبارهما تنظيماً واحداً بشكل قاطع.

وكانت غرفة عمليات تحرير الجنوب قد أعلنت في أبريل/نيسان 2026 بدء عمليات عسكرية ضد المواقع التابعة لقوات شرق ليبيا في الجنوب، قبل أن تظهر خلال الأشهر التالية في سلسلة من الهجمات والمواجهات على نقاط عسكرية وطرق صحراوية ومناطق حدودية.

محمد وردقو.. من منظومة شرق ليبيا إلى مواجهتها

يعد محمد وردقو أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالتصعيد العسكري في فزان. وينتمي وردقو إلى التبو، وسبق أن عمل ضمن تشكيلات عسكرية مرتبطة بمنظومة قوات شرق ليبيا قبل أن ينتقل إلى مواجهتها.

برز اسمه خلال 2026 بصفته قائد «غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي أعلنت استهداف قوات حفتر ومواقعها في فزان.

وتشير تحليلات حديثة إلى وجود وردقو وقوات مرتبطة به ضمن البيئة الصحراوية الممتدة بين جنوب ليبيا وشمال النيجر، وهي منطقة توفر للمجموعات المسلحة مساحة واسعة للحركة وإعادة التموضع بعيداً عن المراكز السكانية الرئيسية.

ويمنح هذا الامتداد الجغرافي الجماعات المتحركة في الصحراء ميزة تختلف عن السيطرة التقليدية على المدن؛ إذ تستطيع تنفيذ هجوم على نقطة عسكرية أو طريق ثم الانسحاب لمسافات كبيرة قبل وصول قوات إضافية.

من معبر التوم إلى الحدود التشادية

شكلت المنطقة الممتدة من القطرون باتجاه معبر التوم والحدود النيجرية إحدى أبرز ساحات المواجهة خلال العام.

ففي مطلع 2026 تمكنت قوات مرتبطة بغرفة عمليات تحرير الجنوب من الوصول إلى معبر التوم الحدودي مع النيجر والسيطرة عليه بصورة مؤقتة قبل استعادة قوات شرق ليبيا وجودها في المنطقة.

وتكررت لاحقاً هجمات ومواجهات في مواقع متفرقة من فزان، بينها نقاط عسكرية ومناطق على المحاور المؤدية نحو النيجر وتشاد.

ولا تشير هذه العمليات إلى وجود سيطرة إقليمية متماسكة للمجموعات المناوئة لقوات شرق ليبيا، لكنها تظهر قدرتها على تنفيذ هجمات في مساحة جغرافية واسعة وإجبار القوات المنتشرة في الجنوب على حماية عدد كبير من المواقع والطرق والمعابر.

حرب الطرق

يختلف الصراع الجاري في فزان عن المعارك التي شهدتها مدن شمال ليبيا خلال السنوات الماضية.

فالسيطرة على مدينة كبيرة تحتاج إلى أعداد كبيرة من المقاتلين وخطوط إمداد وقدرة على الاحتفاظ بالأرض، بينما تسمح الصحراء لقوة أصغر باستخدام المركبات المسلحة والتحرك بين الطرق والمسارات غير المأهولة.

لذلك أصبحت الطرق والمعابر وقوافل الإمداد محوراً أساسياً للمواجهة.

ولا تحتاج قوة مسلحة إلى السيطرة على مئات الكيلومترات من الحدود حتى تؤثر في الحركة عبرها. فالقدرة على مهاجمة قافلة أو استهداف نقطة تفتيش أو اعتراض شاحنات قد تكون كافية لرفع مخاطر النقل وإجبار القوات المسيطرة على تخصيص موارد إضافية لحماية الطريق.

ومن هذا المنظور، تمثل الخريطة التي نشرتها «ثوار فزان» نطاقاً أعلنت القوة أنها ستتعامل معه عسكرياً، وليس خريطة تثبت سيطرتها الفعلية عليه.

الوقود.. مورد يتحول إلى أداة صراع

يحتل الوقود موقعاً مركزياً في الأزمة الأخيرة.

فقد ربطت «ثوار فزان» إعلان إغلاق الحدود بمنع وصول الوقود وغاز الطهي إلى القطرون، واتهمت في الوقت نفسه شبكات باستخدام الشاحنات لتهريب الوقود المدعوم إلى دول الجوار. وتبقى هذه الاتهامات جزءاً من رواية المجموعة ولم يتم التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيلها.

لكن الصراع على الوقود يعكس مشكلة أوسع في جنوب ليبيا، حيث تشكل طرق الإمداد جزءاً من اقتصاد حدودي يمتد نحو النيجر وتشاد.

ويمنح التحكم في هذه الطرق القوى المحلية قدرة على التأثير في وصول الوقود والسلع إلى التجمعات السكانية، وفي الوقت نفسه التحكم في جزء من الحركة التجارية العابرة للحدود.

التبو والانقسامات المحلية

يشكل مقاتلون من التبو جزءاً مهماً من البيئة البشرية المحيطة بالمجموعات المناوئة لقوات شرق ليبيا في هذه المنطقة، لكن التبو لا يمثلون كتلة سياسية أو عسكرية واحدة.

فمجتمعات التبو تنتشر في جنوب ليبيا وشمال تشاد والنيجر، وانخرطت مجموعاتها وقياداتها خلال السنوات الماضية في تحالفات مختلفة، بما فيها تشكيلات عملت مع قوات شرق ليبيا.

ولهذا لا يمكن توصيف المواجهة الحالية باعتبارها صراعاً بين «التبو» وقوات حفتر بصورة عامة، بل مواجهة تشارك فيها تشكيلات مسلحة وقيادات محلية ينتمي جزء منها إلى التبو، وسط انقسامات داخلية بشأن التحالفات والموقف من القوى المسيطرة على الجنوب.

الصحراء التي تربط ليبيا بالساحل

تنبع أهمية فزان من موقعها الجغرافي.

فالجنوب الليبي يرتبط غرباً بالجزائر، وجنوباً بالنيجر وتشاد، وشرقاً بالسودان. وبين هذه الدول تمتد شبكة من الطرق الصحراوية المستخدمة في التجارة وحركة السكان، إلى جانب شبكات تهريب الوقود والسلاح والأشخاص.

وتشير تحليلات أمنية منشورة في سبتمبر/أيلول إلى أن المنطقة الممتدة بين شمال النيجر وجنوب ليبيا وشمال غرب تشاد توفر مجالاً خلفياً لعدد من الجماعات المسلحة والمتمردة، مستفيدة من اتساع المنطقة وصعوبة مراقبة جميع مساراتها.

ويجعل ذلك أي اضطراب طويل في فزان ذا تأثير يتجاوز الحدود الليبية، خصوصاً إذا أدى إلى تغير السيطرة على المعابر أو توسع حركة الجماعات المسلحة عبر الحدود.

البعد النيجري

ازدادت أهمية هذا البعد خلال سبتمبر.

ففي 17 سبتمبر، نشرت Africa Intelligence معلومات عن تحركات بين طرابلس ونيامي تتعلق بالمنطقة الحدودية وبالمواجهة مع قوات حفتر، وربط التقرير هذه التحركات بالمجموعة التي يقودها محمد وردقو. وتحتاج تفاصيل الدعم الواردة في التقرير إلى تأكيد إضافي من مصادر مستقلة قبل اعتبارها حقيقة مثبتة.

لكن شمال النيجر يمثل بالفعل امتداداً جغرافياً مهماً للمشهد الأمني في جنوب ليبيا، إذ توفر الحدود الطويلة والمساحات الصحراوية الواسعة مجالاً للحركة يصعب ضبطه بصورة كاملة.

ويزيد هذا العامل من أهمية مراقبة العلاقة بين التطورات داخل فزان وما يجري في شمال النيجر وتشاد، خصوصاً مع وجود جماعات مسلحة وشبكات اقتصادية وأمنية تعمل على جانبي الحدود.

ماذا تستطيع «ثوار فزان» فعلياً؟

لا توجد حتى الآن مؤشرات تثبت أن «قوة ثوار فزان» تمتلك القدرة البشرية والعسكرية اللازمة للسيطرة على كامل المنطقة التي أعلنت إغلاقها.

فالحديث عن شريط يمتد من الجزائر إلى السودان يعني مساحة صحراوية ضخمة تحتاج السيطرة الدائمة عليها إلى قوات وإمكانات لوجستية أكبر بكثير مما ظهر علناً لدى المجموعة.

لكن السيطرة الكاملة ليست ضرورية لتعطيل الحركة.

فمجموعة متحركة تستطيع العمل في الصحراء واستهداف نقاط محددة قد تكون قادرة على جعل بعض الطرق غير آمنة لفترات محدودة، وهو ما يفرض على قوات شرق ليبيا توسيع انتشارها وحماية عدد أكبر من المعابر والقوافل والنقاط العسكرية.

وتصبح المعركة بذلك صراعاً على حرية الحركة بقدر ما هي صراع على السيطرة على الأرض.

تقدير Syria Monitor

لا تشير التطورات حتى 18 سبتمبر/أيلول 2026 إلى تغير شامل في ميزان السيطرة العسكرية على جنوب ليبيا. ولا تزال قوات شرق ليبيا تمتلك انتشاراً وموارد عسكرية تفوق ما ظهر لدى التشكيلات المناوئة لها.

لكن أحداث 2026 أظهرت في المقابل أن السيطرة على المراكز الرئيسية في فزان لا تعني بالضرورة القدرة على تأمين كامل المجال الصحراوي المحيط بها.

الهجمات على المعابر والنقاط العسكرية، والتوتر في القطرون، وظهور مجموعات قادرة على الحركة بين المناطق الحدودية، تخلق نموذجاً أقرب إلى الاستنزاف المتحرك من الحرب التقليدية للسيطرة على المدن.

وقد يسمح اتساع الصحراء للمجموعات المسلحة بالهجوم ثم الانسحاب وإعادة التموضع، بينما تضطر القوات المسيطرة إلى حماية شبكة واسعة من الطرق والقواعد والمعابر.

ويظل حجم هذه الجماعات ومصادر تمويلها وتسليحها وعلاقاتها الخارجية من أبرز العناصر غير الواضحة. كما لم تتضح بعد بصورة كاملة طبيعة العلاقة التنظيمية بين «قوة ثوار فزان» وغرفة عمليات تحرير الجنوب.

لكن استمرار المواجهات سيجعل السيطرة على الطرق المؤدية إلى النيجر وتشاد عاملاً متزايد الأهمية في تحديد ميزان القوة داخل فزان.

الخلاصة

إعلان «ثوار فزان» لا يعني أن الحدود الجنوبية الليبية انتقلت إلى سيطرة المجموعة، لكنه يكشف عن تحول في طبيعة التحدي الأمني الذي تواجهه القوات المنتشرة في الجنوب.

لم تعد المسألة مرتبطة فقط بمن يسيطر على سبها أو مرزق أو القطرون، بل بمن يستطيع تأمين الطرق التي تربط هذه المناطق بالحدود.

فزان تقع عند تقاطع ليبيا مع فضاء أمني أوسع يمتد إلى النيجر وتشاد والسودان، وتتحرك داخله التجارة والوقود والسلاح والأشخاص عبر شبكة معقدة من الطرق الرسمية والصحراوية.

وفي هذه الجغرافيا، قد لا تحتاج المجموعة المسلحة إلى السيطرة على الأرض حتى تؤثر في ميزان القوة.



اترك تعليقاً